الزراعة العمودية... جيسيكا حكيّم تحمي بيئة البترون اللبنانية وتزرعه

03 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 03 أبريل 2025 - 01:00 (توقيت القدس)
جيسيكا حكيّم في حقلها (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- العودة إلى الجذور والتحديات الزراعية: جيسيكا حكيم، 31 عامًا، عادت إلى البترون من بيروت في 2018 لتبدأ مشروع زراعة عمودية، متحدية النظرة التقليدية للمرأة في الزراعة ونقص المياه، مدفوعة بشغفها بالبيئة وذكريات القرية.

- الزراعة العمودية والابتكار البيئي: تعاونت مع المهندس زياد أبي شاكر لتحويل أكياس النايلون إلى ألواح بلاستيكية للزراعة العمودية، مما يحسن جودة الهواء ويقلل تأثير التغير المناخي.

- نجاح المشروع وتطلعات المستقبل: نجحت في زراعة محاصيل متنوعة وجذب اهتمام الزبائن، وتسعى لتوسيع مشروعها رغم التحديات المالية، مؤمنة بمستقبل بيئي أفضل.

قبل سنوات، وفي ظل أزمة اقتصادية، قررت اللبنانية جيسيكا حكيّم ترك العاصمة بيروت والعودة إلى مدينتها البترون، حيث أسست مشروعاً زراعياً قوامه الزراعة العمودية 

بين جدران حجرية يعود عمرها إلى نحو 200 عام، وحقل متواضع تصفه جيسيكا حكيّم بأنه "مثل أي حقل"، تزرعُ الأخيرة الفراولة والحشائش وتبيعها. تلك التي حين يتذوقها زبائنها، يسارعون إلى التعبير عن الفرق بين مزروعاتها وبين ما اعتادوا تناوله. "كل شيء مختلف. الطعم والرائحة... كل شيء". يكرّر الناس. تخجل جيسيكا من قول المزيد أو نقل عباراتهم، ثم تضحك. المكان ذو الملامح القديمة الذي أرادت العودة إليه، حقّق لها "الحياة البسيطة" التي رغبتها. في منزل جد والدها الذي اتخذته مكاناً للعمل، حيث كل شيء قديم، وحيث لا تزال تلفيات (بقايا) الدخان على الجدران، وأماكن تخزين المونة على حالها، تحرص على ارتداء "زي الحقلة" كما تصفه، وهو سروال (أوفيرول) وقبعة "لكن من دون جزمة". تضيف ضاحكة: "يجب أن يكون لي زيي الخاص. الزبائن قد يأتون في أية لحظة". 
جيسيكا التي تبلغ من العمر 31 عاماً، قرّرت مغادرة العاصمة اللبنانية بيروت والعودة إلى مدينتها البترون، شمال البلاد. خيار كهذا قد لا يعد مألوفاً لكنها أرادته. كانت تدرك حجم التحديات التي تنتظرها، من بينها النظرة "المبتذلة" للمرأة التي تعمل في الزراعة، على حد قولها، وقلّة المياه في قريتها، وقرار المجازفة في بدء مشروع زراعي وسط أزمة اقتصادية (2018)، عدا عن جهلها بالزراعة. كما أن أحداً من عائلتها لم يكن مزارعاً.
كانت تدرك أن خيار البقاء في العاصمة متاح وجيد في آن. إلا أنها لم ترد هذه الحياة فلم تغرق بالتفكير في التحديات. بالنسبة إليها، كان من الصعب تحمّل اختفاء ملامح القرية التي كبرت معها. بيت الجد والحقل والبطاطس والثوم والحشائش، حين كانت العائلات تأكل مما تزرع، والكثير من الذكريات. ومع بدء الأزمة الاقتصادية في البلاد، قررت جيسيكا التخلي عن تخصّص المحاسبة الذي اختارته وأحبته، لتتحوّل من مُحاسِبة ذات خبرة إلى مزارعة من الصفر.  

تبدو ضحكات جيسيكا مثل فاصل بين عبارة وأخرى. هي كثيرة، وكأن هواء القرية جعل روحها أكثر خفة. الخفة نفسها التي تتحدث فيها عن المرحلة الأولى والتحديات. في مرحلة التفكير بالعودة، كانت تدرك خصائص البترون التي تتمتع بتربة خصبة وبيئة مناسبة لأنواع عدة من الزراعات، كالزيتون، والحمضيات مثل البرتقال والليمون، بالإضافة إلى محاصيل أخرى مثل العنب والخضار. إلا هذه المزايا لم تخفِ التحدي الأبرز الذي سيواجهها كونها مزارعة مبتدئة، وهو أزمة المياه التي تؤثر على الزراعة في البترون، كما هو الحال في العديد من المناطق اللبنانية. فعلى الرغم من أن البترون تتمتع بتربة خصبة وموارد مائية نسبية، إلا أن توفر المياه كان يشكل تحدياً كبيراً في بعض الأحيان، خصوصاً خلال فترات الجفاف أو نقص الأمطار.
عادت جيسيكا إلى البترون، وأعادت فتح منزل جد والدها، وبدأت التفكير في إحياء الزراعة ودعم السياحة الريفية. هذه الفكرة تحولت إلى قضية بالنسبة إليها. سبب آخر يتجاوز علاقتها بالقرية، هو شغفها بالبيئة.

اعتمدت الزراعة العامودية (العربي الجديد)
اعتمدت الزراعة العمودية (العربي الجديد)

 
قادها صديق مشترك عرف بخطتها إلى المهندس البيئي والصناعي، ومؤسس "سیدر إنفیرومنتال" (متخصصة في إنشاء مصانع معالجة وتدویر النفایات على النطاق البلدي) زياد أبي شاكر. الأخير كان قد عمل وفريقه في المؤسسة على تقنية لتدوير أكياس النايلون. استغرقت الأبحاث أربع سنوات (2006 – 2010)، ونجح الفريق في التوصل إلى طريقة لإنتاج ألواح بلاستيكية كبيرة من مختلف أنواع أكياس النايلون، إلى أن حصل على براءة اختراع في تقنية تحويل أكياس النايلون والبلاستيك إلى ألواح صلبة. حتى هذه اللحظة، لم يكن يدرك ما يمكن فعله بهذه الألواح؛ فالطمر أو الحرق عد خياراً غير مقبول بالنسبة لأبي شاكر. حاول وفريقه إقناع أشخاص باستبدال الخشب والحديد بهذه الألواح البلاستيكية. لكن كان لا بد من حلّ أكثر استدامة. ووصل إلى الجواب: استخدامها في الزراعة العمودية، التي تساهم في زراعة كميات أكبر بمساحات أقل وكمية قليلة من المياه.
تاريخياً، كان مناخ لبنان يتميز بصيف حار وجاف وشتاء بارد ممطر، فقد كان شهر ديسمبر/كانون الأول وحتى منتصف مارس/آذار هو موسم الأمطار الأساسي. وفي المتوسط، يتلقى لبنان ما بين 700 و1000 مليمتر من الأمطار سنوياً. وفي يناير 2024، تلقى لبنان متوسط 191 مليمتر من الأمطار. ويؤدي غياب هطول الأمطار إلى تعطيل الدورة الهيدرولوجية الطبيعية، وهو أمر ضروري لتجديد الخزانات وإمدادات المياه الجوفية ودعم النمو الزراعي.

تسعى جيسيكا إلى توسيع مشروعها وتعميمه (العربي الجديد)
تسعى جيسيكا إلى توسيع مشروعها وتعميمه (العربي الجديد)

ما سبق يشير إلى أزمة المياه التي يشهدها لبنان، والبترون ليست إلا جزءاً من جغرافيا هذا البلد. وهنا تأتي أهمية الزراعة العمودية. يقول الأستاذ المساعد في علم البستنة في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور وليد الخيال، إن "الزراعة العمودية تحقق أقصى استفادة من المساحة المحدودة، من خلال زراعة نباتات على أسطح عمودية كالجدران وواجهات المباني والأبراج. تخيّل مدناً خرسانية تتحول إلى مبانٍ خضراء زاهية، تُنعش وتنقي الهواء وتُبرد الشوارع". يضيف: "لا تُحسّن الحدائق العمودية جودة الهواء فحسب، بل تُساعد أيضاً في الحد من تأثير جزيرة الحرارة الحضرية، حيث تصبح المدن أكثر دفئاً بشكل ملحوظ من المناطق المحيطة بها بسبب الخرسانة والإسفلت".
ويوضح الخيال أن "المزارع العمودية تتيح زراعة محاصيل أكثر بـ 10-15 مرة من المزارع التقليدية، مع استهلاك مياه أقل بنسبة تصل إلى 98% ومساحة أقل بنسبة 99%". وعن فوائدها المتعلقة بمكافحة تغير المناخ، يتحدث عن "احتجاز ثاني أكسيد الكربون، وموازنة انبعاثات حركة المرور والصناعة، وزيادة التنوع البيولوجي، وإدارة مياه الأمطار وغير ذلك".
إدراكاً منه لكل هذه الفوائد، أراد أبي شاكر الاستفادة من الألواح البلاستيكية وتحويلها إلى هياكل زراعية. جرب هذه الهياكل على أحد سطوح مبنى الجامعة الأميركية في بيروت، وزرع 180 خسة في 12 هيكل بلاستيكي، بمجموع 2160 خسة، وكانت النتيجة مذهلة، كما يقول. 

هذه النتيجة وغيرها من المزايا، جعلت جيسيكا تخوض التحدي، وهو الأول من نوعه في البترون. اعتمدت الزراعة العمودية لأسباب عدة، منها سهولة زراعتها وخصوصاً أنها لا تتمتع بأية خبرة في مجال الزراعة، وحاجتها القليلة إلى المياه والمساحة، بالإضافة إلى ميزاتها البيئية؛ إذ تقلل الزراعة العمودية من الحاجة إلى الأراضي الزراعية الشاسعة، ما يساهم في الحد من إزالة الغابات والحفاظ على المواطن الطبيعية، كما تستخدم المياه بشكل فعال من خلال تقنيات تتطلب كميات أقل بكثير من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية. كما أنها تلعب دوراً في التخفيف من تغير المناخ من خلال تقليل انبعاثات غازات الدفيئة"، وفقاً لموقع "Green".
لم تجد جيسيكا أية صعوبة في الزراعة العمودية. بداية، تخلط التراب مع المواد العضوية والبرباص (ورق أشجار السنديان) وتملأ الألواح البلاستيكية قبل أن تزرع الشتلات وتسقيها من خلال أنظمة الري بالتنقيط، ما يساعد في تقليل هدر المياه ويضمن وصولها مباشرة إلى المكان المطلوب.
كانت هذه الفكرة جديدة في البترون، وتمكنت جيسيكا من الاستثمار بشكل أفضل، أي الزراعة والإنتاج. وفي الوقت الحالي، تزرع مختلف أنواع الحشائش والأوراق الخضراء، ومؤخراً الفراولة، وتبيعها إلى أهالي البترون والزبائن الباحثين عن أغذية عضوية. 
تسعى جيسيكا إلى توسيع مشروعها وتعميمه، وإن كان المزارعون يترددون بسبب كلفة هذه الألواح (سعر اللوح الواحد هو 500 دولار أميركي). لكنها كما واجهت التحديات سابقاً وحققت النجاحات، فهي تؤمن بمستقبل أجمل بيئياً. 

المساهمون