- تميز الشتاء البريطاني بنمط جوي رطب نتيجة انزياح التيار النفاث و"النمط الجوي المحجوب"، مما أدى إلى تسجيل أرقام قياسية لهطول الأمطار والفيضانات المستمرة.
- أثار الطقس الرتيب نقاشات حول تأثير تغير المناخ على أنماط الطقس في المملكة المتحدة، مع توقعات بفصول شتاء أكثر رطوبة بسبب الاحترار العالمي.
لا يقاس فصل الشتاء هذا العام بدرجات الحرارة بقدر ما يقاس بالضوء في أبردين، المدينة الاسكتلندية المطلة على بحر الشمال. ففي الحادي والعشرين من يناير/كانون الثاني، أشرقت الشمس للمرة الأخيرة، وانعكس وهجها بخجل على الغرانيت الرمادي الذي يميّز شوارع المدينة، ثم توارت. لم يكن المشهد لافتا آنذاك، لكنه تحوّل لاحقا إلى علامة فارقة على شتاء بدا وكأنه قرّر أن يتوقف عند لحظة واحدة، فلا يغادرها.
ما تعيشه أبردين لا يختلف كثيراً عمّا تشهده مدن أخرى في المملكة المتحدة. منذ أسابيع، استقر الطقس عند حالة واحدة تقريبا: أمطار متواصلة وسماء منخفضة وضوء شحيح. ليس طقسا عنيفا أو استثنائيا في شدّته اليومية، بل طقس ثابت في حضوره، يرافق الحياة اليومية ويشكّل خلفيتها.
وبحسب هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، تمرّ البلاد بنمط جوي رطب نتج عن انزياح غير معتاد للتيار النفاث نحو الجنوب، بالتزامن مع ما يُعرف بـ"النمط الجوي المحجوب"، حيث حالت كتل ضغط جوي مرتفعة دون تحرّك المنخفضات الأطلسية شرقا، ما أدى إلى بقائها عالقة فوق الجزر البريطانية لفترات طويلة.
في إنكلترا، سُجّل نحو 60% من المعدل المعتاد لهطول أمطار فبراير/ شباط خلال فترة قصيرة، فيما صدرت عشرات تحذيرات الفيضانات في مناطق مختلفة. أما أيرلندا الشمالية، فسجّلت أكثر شهور يناير/ كانون الثاني رطوبة منذ نحو 149 عاما. وبحسب بيانات جامعة ريدينغ، التي توثّق هطول الأمطار في موقعها منذ عام 1908، سُجّلت في مدينة ريدينغ نفسها أطول سلسلة أيام ممطرة متواصلة بلغت 23 يومًا، وهي الأعلى في تاريخ سجلات المحطة. وفي المقابل، تجاوزت مناطق في جنوب غرب إنكلترا هذا الرقم، إذ استمر المطر لأكثر من 40 يوما متتاليا في بعض المواقع.
وإلى جانب الأرقام القياسية، تلفت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، وفق ما نقلته "سكاي نيوز"، إلى أن خطورة هذا الشتاء لا تكمن فقط في كمية الأمطار، بل في غياب الفواصل الزمنية بينها. فالأرض لم تحصل على فرص كافية للجفاف أو امتصاص المياه، ما أدى إلى تراكم تدريجي للمخاطر. وبهذا المعنى، لم تكن الفيضانات نتيجة عاصفة واحدة لافتة، بل حصيلة نمط مستمر أبقى البلاد في حالة ضغط مائي دائم، حتى في الأيام التي لم تبدُ استثنائية في ظاهرها.
ونقلت صحيفة "التايمز" البريطانية عن البروفيسور أندرو تشارلتون-بيريز، أستاذ الأرصاد الجوية في جامعة ريدينغ، قوله إن الاستثنائي هذا الشتاء لا يكمن في شدّة الأمطار اليومية، بل في استمرار النمط الجوي نفسه لفترة غير معتادة، موضحا أن الشتاء البريطاني يشهد عادة فترات ضغط مرتفع تكسر الرتابة، وهو ما غاب هذا العام إلى حد كبير. ويضيف أن الطقس بقي داخل الإطار نفسه تقريبا، من دون فترات انفراج تُذكر.
استمرار الغيوم والضوء الشحيح خلق شعورا واسعا بأن الأيام متشابهة، وأن الزمن يتحرّك ببطء. ليس طقسا صادما، بل طقس مُنهك، تكمن قسوته في رتابته لا في عنفه. ومع ذلك، تكشف المقارنة مع شتاءات أخرى مفارقة لافتة. ففي حين شهدت مناطق من العالم، لا سيما شمال الولايات المتحدة، موجات برد قياسية ودرجات حرارة شديدة الانخفاض عطّلت الحياة اليومية، بقي الشتاء البريطاني ضمن هامش اعتدال نسبي. لم يتحوّل الخروج إلى عبء جسدي ولم تفرض البرودة استعدادات قاسية، رغم الرطوبة المستمرة.
هذا الاعتدال لا يبدّد الكآبة، لكنه يغيّر طبيعتها. هواء بارد بما يكفي للتنبيه، لا للإيلام. مطر لا يتوقف، لكنه لا يتجمّد. حياة تستمر بإيقاع أبطأ. وفي هذا التوازن غير المريح، يظهر الشتاء البريطاني هذا العام أقل قسوة مما توحي به سمعته، وأكثر إنهاكا مما تسمح به المقارنات السطحية.
في خلفية هذا المشهد، يبرز النقاش حول تغيّر المناخ. تقارير نشرتها صحيفة "ذا غارديان" البريطانية تشير إلى اتجاه عام نحو فصول شتاء أكثر رطوبة في المملكة المتحدة، نتيجة تعاظم دورة المياه في الغلاف الجوي بفعل الاحترار العالمي. غير أن هذه التقارير تؤكد في الوقت نفسه أن الربط المباشر بين هذا النمط المستمر بعينه وتغيّر المناخ لا يزال غير محسوم علميًا، رغم وضوح المسار العام.
في الأيام المقبلة، تتوقع هيئة الأرصاد الجوية البريطانية كسرا مؤقتا لهذا النمط، مع احتمال فترات أكثر جفافا وبرودة، وربما ظهور متقطع للشمس، خصوصا في شمال شرق اسكتلندا. بيد أنّها تصف هذا الانفراج بأنه قصير الأمد، قبل أن تعاود المنخفضات الأطلسية نشاطها. لهذا، فإن أي ضوء مرتقب لا يعني نهاية هذا الشتاء الطويل. إنه فسحة عابرة، قبل العودة إلى السماء المنخفضة. شتاء بريطاني يبدو هذا العام وكأنه قرّر أن يطيل إقامته، لا بعنفه، بل بثباته، ويترك أثره في المكان والمزاج معا.