استمع إلى الملخص
- تدهور دور العيادات الشعبية بسبب الإهمال الإداري والمالي، مما أدى إلى نقص الأدوية وتوقف الفحوصات، وارتفاع تكاليف العلاج في العيادات الخاصة، مما أثر سلباً على الفقراء.
- تعاني العيادات من ضعف التمويل وقلة الموارد، مما أثار انتقادات واسعة، ويطالب المواطنون بإعادة تفعيلها لضمان العلاج المجاني.
شكّلت العيادات الشعبية في العراق طوال أعوام ركيزة أساسية في النظام الصحي وملاذاً لعائلات فقيرة كثيرة وأشخاص من ذوي الدخل المحدود، خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة، وانتشرت في الأحياء الشعبية والمدن المكتظة بالسكان قبل عام 2003 حين لم تكن مجرد مبانٍ طبية، بل شبكة أمان صحي واجتماعي خفّفت أعباء العلاج وتكاليفه. وكانت هذه العيادات تقدم خدمات طبية مجانية تشمل الفحص والمعاينة وصرف الأدوية، ولا سيّما لمرضى السكري والضغط وأمراض القلب والربو وغيرها من الأمراض المزمنة.
واعتمد نظام هذه العيادات على البطاقة الصحية التي يختمها طبيب متخصّص في العيادة الرسمية، وتستند إلى فحوصات طبية تحدد نوع المرض وكميات العلاجات اللازمة للمريض، وتمهد لصرف حصة أدوية شهرية مجانية تكفي المريض من دون أن يحتاج إلى شراء أدوية إضافية من خارج المؤسّسة الصحية.
وساهم هذا النظام بفعّالية في تقليل معاناة المرضى على الصعيدَين الصحي والمادي، إذ وفر عليهم التكاليف الباهظة للفحوصات الدورية والأدوية المستمرة، خصوصاً في ظل محدودية الدخل وارتفاع نسبة الفقر في العراق. وهكذا مثلت العيادات الشعبية خط الدفاع الأول عن صحة الفئات الهشة، وخففت الضغط عن المستشفيات العامة.
لكن هذا الدور تلاشى تدريجياً مع مرور الأعوام، ووصلت العيادات الشعبية حالياً إلى مرحلة حرجة، فالإهمال الإداري والمالي بات واضحاً في معظم مراكزها، واختفت الأدوية المجانية وتوقفت فحوصات المختبر، وأصبحت المباني نفسها تعاني من تهالك شديد ونقص في الصيانة، ما أفقدها القدرة على تقديم أبسط الخدمات الصحية.
وانعكس التراجع مباشرة على الواقع الصحي للمرضى، ولا سيّما أولئك من الطبقات الفقيرة، إذ تضاعفت الأعباء المالية عليهم في وقت تشهد فيه العيادات الخاصة والمستشفيات الأهلية ارتفاعاً كبيراً في أسعار الفحوصات الطبية وأجور المعاينات، ما اضطر كثيرين إلى إهمال العلاج أو تأجيله، ما تسبّب لهم بمخاطر صحية جسيمة.
وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد" قال الناشط في مجال الصحة المجتمعية باسل الشيخلي إنّ "الكلفة المرتفعة للفحص والعلاج أصبحت عاملاً مباشراً في تفاقم الأمراض، وساهم غياب الرقابة على الممارسات الطبية غير النظامية وضعف التوعية الصحية في ترسيخ هذه الظاهرة".
ويؤكد مسؤول بوزارة الصحة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ الأزمة المالية الناتجة من قلّة الموارد أضعفت مخصصات العيادات الشعبية، والأولويات الحالية للوزارة تتركّز على المستشفيات الكبرى والمراكز التخصصية. لكن هذا التبرير لا يلقى قبولاً لدى المرضى الذين ينتقدون الإهمال، ويشددون على أن العيادات الشعبية كانت تمثل شريان حياة لهم. ويقول الحاج باسم فاضل، وهو مريض سكري يعيش في بغداد، لـ"العربي الجديد": "كنّا نحصل على علاجنا بالكامل ومجاناً، واليوم نضطر إلى شراء الإبر والأدوية بأسعار مرتفعة، رغم أن المتطلبات المعيشية صعبة".
وتصف نقابة الأطباء العراقية تهميش العيادات الشعبية بأنه "انتكاسة خطيرة للقطاع الصحي"، ويؤكّد أحد أعضائها مصطفى ماجد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "إضعاف هذه المراكز يزيد الضغط على المستشفيات الحكومية، ويترك فئات فقيرة تحت رحمة القطاع الخاص. وندعو إلى إعادة النظر في السياسات الصحية وضمان حق المرضى في العلاج المجاني، خصوصاً المصابين بأمراض مزمنة".
وفي ظلّ إهمال العيادات الشعبية في محافظات العراق ناشد أهالي منطقة المعقل بمحافظة البصرة السلطات إعادة العيادة الشعبية في منطقتهم التي كانت رُممت قبل 15 عاماً، لكنها لا تفتح أبوابها إلّا ليوم واحد في الأسبوع، ويقتصر عملها على توزيع إبر علاج السكري من دون تقديم أي خدمات علاجية أو فحوصات أخرى.
ويشير سكان المنطقة إلى أنّ الكثافة السكانية وبعد المستشفيات والمراكز الصحية عن أحيائهم يجعلان تفعيل هذه العيادة ضرورة ملحة، ويشددون على أن استمرار إغلاقها يحرم العائلات من أبسط حقوقها الصحية، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين الذين يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المراكز الصحية البعيدة".
ويعطي الواقع السيّئ للعيادات الشعبية وانحسار دورها يوماً بعد يوم بسبب تعمّد إهمالها صورة أوسع لضعف المؤسّسات الصحية في العراق وتهالكها، في ظلّ غياب التخطيط طويل الأمد وتراجع الاستثمار في الرعاية الصحية الأولية. وبينما تتفاقم الأعباء الصحية والمالية على المواطنين، يبقى الفقراء الأكثر تضرّراً، وسط تزايد المخاوف من مستقبل الخدمات الصحية المجانية، ودور الدولة في حماية حق العلاج باعتباره حقاً أساسياً لا يجب التفريط به.