- النظام الصحي في تونس يعاني من نقص الكوادر والتمويل، مما يحد من الوصول للعلاج، حيث تشير الإحصاءات إلى نقص الأطباء النفسيين وارتفاع نسبة اضطرابات القلق بين الأطفال والمراهقين.
- تسعى تونس لتحسين الصحة النفسية عبر استراتيجيات وطنية تشمل تعزيز اللامركزية والطب النفسي عن بُعد، لكن التحدي الأكبر هو توفير الموارد البشرية والمالية الكافية.
يصمت آلاف المصابين بأمراض نفسية في تونس عن معاناتهم خوفاً من الوصم أو بسبب عدم قدرتهم على الحصول على الرعاية الصحية من أجل علاجهم في شكل مناسب، ربما بتأثير نقص الوعي أو الافتقار إلى الإمكانيات المادية.
لا تجد الشابة نائلة بو علي (32 سنة)، حرجاً في الحديث عن مرضها النفسي الذي اكتشفته بعد سنوات من المعاناة من حالات اكتئاب متكرر لم تجد له أي تبرير واضح قبل أن يشخص كشف طبي إصابتها باضطراب ثنائي القطب، وهو حالة نفسية مزمنة تصنَّف ضمن اضطرابات المزاج، وتتميّز بتقلّبات واضحة وحادّة بين نوبات الهوس أو الهوس الخفيف ونوبات الاكتئاب التي تؤدي إلى حزن عميق وفقدان الاهتمام وإرهاق وأرق في النوم وعدم تركيز.
تخبر نائلة "العربي الجديد" بأنها اكتشفت مرضها بعدما نصحتها إحدى زميلاتها في العمل بزيارة متخصص في الأمراض النفسية لمساعدتها في التخلص من اضطرابات المزاج التي تسببت في فقدانها وظيفتها أكثر من مرة، وتوضح أن عائلتها كانت تمنعها من الحديث عن وضعها النفسي وتخشى عليها من الوصم، لكنها رفضت مواصلة كتمان الأمر والتستر عليه باعتبار ذلك جزءاً من العلاج. وتعتبر المرأة الثلاثينية أنها كانت محظوظة لتشخيص حالتها ومواجهتها بالعلاج والتخلص من عقد الوصم التي ترهق المرضى النفسيين.
في السنوات الأخيرة، زاد الحديث عن الاضطرابات النفسية في تونس في النقاشات العامة، لا سيّما بين الشباب الذين باتوا أكثر وعياً بضرورة اللجوء إلى العلاج النفسي رغم استمرار سلسلة عقبات تحدّ من حصول الجميع على العلاج. والوضع النفسي للتونسيين ليس على ما يرام بسبب تراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الخدمات الصحية. وتشير بيانات أصدرتها جمعيات محلية إلى أن نحو 20% من الأطفال والمراهقين في تونس يعانون من اضطرابات القلق.
ورغم أن الوعي بالصحة النفسية زاد في تونس في السنوات الأخيرة، خاصة بين فئة الشباب، لا تزال النظرة المجتمعية الكلية متأثرة بالوصمة والتحفظ، ما يقوّض قدرة الأفراد على طلب العلاج مبكراً، كما لا يزال نظام الرعاية النفسية عاجزاً عن مواكبة الطلب المتزايد بسبب نقص الكوادر وضعف التمويل وضعف الانتشار الجغرافي للخدمات المتخصصة في الطب النفسي، حيث لا تملك تونس إلا مستشفى الرازي، المتخصص في الأمراض النفسية والعقلية، والذي يعاني مرتادوه غالباً من الوصم.
وأخيراً أكدت الجمعية التونسية لعلم النفس ضرورة اعتماد مقاربة مشتركة في صياغة وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية، وطالبت بإدماج علم النفس السريري وعلم النفس المدرسي وعلم نفس الشغل وعلم النفس المجتمعي ضمن الرؤية الوطنية، وعدم حصر الإصلاح في البعد الطبي.
أيضاً، أعلنت وزارة الصحة أنها ستراجع حال قطاع الطب النفسي وتضع خريطة طريق وطنية قابلة للتنفيذ عبر إدارتها للصحة النفسية من أجل قيادة البرنامج وتنسيق التنفيذ والمتابعة ودعم اللامركزية والعدالة الصحية عبر تقديم خدمات قريبة للمناطق السكنية، وتقليص الفوارق وإطلاق الطبّ النفسي عن بُعد.
ويعترف الأستاذ في الطب النفسي بمستشفى الرازي أمين الأرناؤوط بأن الوعي بالصحة النفسية لدى التونسيين يتطور ويتحسّن، وأن فكرة الوصم بالأمراض النفسية مثل الاكتئاب تتراجع. وكشف تقرير حديث أصدرته "وورلد بوبوليشن ريفيو"، وهي منصة إلكترونية مستقلة تعنى بنشر بيانات وإحصاءات سكانية وديمغرافية في دول العالم، أن تونس تحتل المرتبة الأولى عربياً والرابعة عالمياً في معدلات الإبلاغ عن الأمراض النفسية.
ويتحدث الأرناؤوط لـ"العربي الجديد" عن أن "تونس تسجل منذ عام 2020 انتشاراً واسعاً لحالات الاكتئاب، بحسب ما كشفت المعاينات الطبية، وأن نسبة انتشار الاكتئاب بلغت 13% من إجمالي السكان. ويعزو الأرناؤوط هذا الانتشار إلى أسباب مختلفة ومتنوعة، من بينها جينية مكتسبة وراثياً وأخرى تتعلق بتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأزمات المالية التي تؤثر على الأسر والمجتمع عموماً".
ورغم تصاعد منسوب الوعي بالصحة النفسية لدى المؤسسات والأفراد، تقول نائلة إن "المرضى الذين يرغبون في الحصول على علاج يصطدمون بنظام ضعيف للصحة النفسية بسبب النقص في الموارد البشرية والخدمات، خصوصاً الحكومية، وأيضاً بارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص".
ويؤكد الأرناؤوط أن المصالح الصحية النفسية في القطاع العام تتطور، لكنها تواجه أيضاً ضغطاً كبيراً بسبب نقص الكوادر المتخصصة. وبحسب بيانات رسمية لمنظمة الصحة العالمية، يعتمد المرضى على عدد قليل من الأطباء والمراكز المركزية مثل مستشفى الرازي في تونس العاصمة.
وسجلت تونس أقل من ثلاثة أطباء نفسيين لكل 100 ألف نسمة، إضافة إلى موارد محدودة من الممرضين ومتخصصي الصحة النفسية، ما يجعل النظام الصحي غير قادر على تلبية الاحتياجات الكاملة في هذا المجال. كما لا تتوفر أرقام رسمية عن متوسط كلفة الجلسات النفسية في تونس، لكن بيانات كلفة الكشف الطبي في العيادات النفسية تعتبر الأعلى مقارنة بباقي الاختصاصات الطبية، وتصل إلى 80 ديناراً (27.5 دولاراً) في بلد لا يتخطى متوسط الأجر فيه 400 دولار. وتزيد كلفة الجلسات الطبية بحسب خبرة المعالج أو حاجة المريض من دون احتساب كلفة الأدوية.