استمع إلى الملخص
- يواجه المغرب صعوبات في تأمين العلاجات الأساسية بعد إغلاق وحدة إنتاج الأمصال، مما دفع الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة للمطالبة بإعادة إنتاج الأمصال وتطوير البحث العلمي.
- تبنت وزارة الصحة استراتيجية وطنية منذ عام 1999 لمكافحة هذه الحوادث، تركز على الوقاية والعلاج والتوعية، رغم التحديات مثل ضعف البنية التحتية وتأخر نقل المصابين.
تتزايد الحوادث الناجمة عن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي في المغرب مع حلول فصل الصيف، في حين يشير برلمانيون وشبكة حقوقية صحية غير حكومية إلى أنّ البلاد تواجه صعوبات في تأمين العلاجات الأساسية.
وبدت لافتةً في الأيام الأخيرة عودة النقاش بقوة حول هذه المسألة إلى البرلمان المغربي، إذ طالب أعضاء فيه بإعادة إنتاج أمصال العقارب والأفاعي كما كانت الحال في ثمانينيات القرن الماضي، حين كان معهد "باستور" في الدار البيضاء ينتج أمصالاً أثبتت نجاعتها في إنقاذ الأرواح.
وتمثّل لسعات العقارب ولدغات الأفاعي تحدياً حقيقياً للصحة العامة في المغرب، ولا سيّما في المناطق النائية، بحسب وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، إذ تُسجَّل سنوياً نحو 25 ألف لسعة عقرب و250 لدغة أفعى، بحسب بيانات المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية (حكومي). كذلك تُرصَد أكثر من 90% من الوفيات نتيجة لسعات العقارب بين أطفال دون الخامسة عشرة من عمرهم، الأمر الذي يجعل هذه المعضلة قضية صحة عامة بامتياز.
يقول الباحث في السياسات والنظم الصحية الطيّب حمضي لـ"العربي الجديد" إنّ "ارتفاع درجات الحرارة يدفع هذه الكائنات السامة إلى الهروب من جحورها والبحث عن أماكن أكثر برودة، فتجد في الغالب ملاذاً لها في داخل المنازل، خصوصاً في الزوايا وخلف الأثاث وبين الملابس". ويوضح حمضي أنّ "لسعات العقارب بغالبيتها، نحو 70% منها، لا تحدث في البراري مثلما يظنّ كثيرون، إنّما داخل البيوت، خصوصاً في المناطق القروية"، مضيفاً أنّ "الأطفال يُعَدّون الفئة الأكثر عرضة لهذه اللسعات، الأمر الذي يستوجب اتّخاذ احتياطات وقائية صارمة".
ومع حوادث التسمّم المرصودة في الأيام الأخيرة، دقّت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة (غير حكومية) ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بـ"زحف العقارب القاتل" الذي يهدّد حياة كثيرين من المغاربة، ولا سيّما في المناطق النائية والفقيرة، علماً أنّ البلاد تواجه صعوبات في تأمين العلاجات الأساسية للسعات العقارب. ودعت الشبكة، في بيان، إلى تدخّل عاجل لوقف ذلك الزحف، مشدّدةً على ضرورة إعادة إنتاج الأمصال المضادة لسموم العقارب على المستوى الوطني، وذلك بعد تزايد الوفيات، خصوصاً بين الأطفال والمسنّين.
ويحذّر رئيس الشبكة علي لطفي من أنّ "غياب الأمصال الضرورية في مواجهة لسعات العقارب ولدغات الأفاعي يفاقم من حدّة الوضع"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنّ "المغرب يعاني نقصاً حادّاً في الأمصال المضادة لسمّ الأفاعي ومن انعدام تام لتلك المخصّصة للعقارب، وذلك بعد إغلاق وحدة إنتاج الأمصال التابعة لمعهد باستور - المغرب، من دون توفير بديل فعّال".
ويشدّد لطفي على "ضرورة توفير الأمصال اللازمة لعلاج لسعات العقارب في كلّ المستشفيات والمراكز الصحية، الحضرية والقروية على حدّ سواء"، مشيراً إلى "أهمية إعادة تفعيل إنتاج الأمصال الوطنية من خلال إعادة فتح وحدة إنتاج الأمصال في معهد باستور بالدار البيضاء وتأهيل فروعه، وتخصيص ميزانية كافية لتطوير البحث العلمي في مجال السموم وإنتاج الأمصال واللقاحات الوطنية، بما يضمن تحقيق السيادة الصحية للمغرب".
وفي محاولة لمواجهة مخاطر التسمّم الناجم عن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، نظّمت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في المغرب أسبوعاً وطنياً للتوعية بتلك المخاطر، امتدّ من الأول من يوليو/ تموز الجاري والثامن منه، تحت شعار "لنحمي أنفسنا من تسمّمات الأفاعي والعقارب". وقد شدّدت الوزارة على عدم إمكانية القضاء على هذا الخطر الموسمي من دون تعبئة شاملة في كلّ القطاعات الحكومية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، لافتةً إلى أنّ الهدف هو "رفع مستوى الوعي، وتسريع التدخّل، وتوفير بيئة صحية آمنة لجميع المواطنين"، خصوصاً الذين يعيشون في مناطق تواجه هذا التهديد بصورة متكرّرة في كلّ فصل صيف.
وتعتمد تدابير تكفّل الحالات الناجمة عن لسعات العقارب في المغرب على مقاربة علاجية متكاملة ترتكز على أسس علمية متينة، وفقاً للوزارة، يدعمها عمل لنشر وحدات علاجية سنوياً في كلّ المناطق في المملكة، علماً أنّ هذه الوحدات تأخذ في عين الاعتبار أنواع العقارب في البلاد ودرجة سميّتها. وتوضح الوزارة أنّ نتائج دراسات وبحوث علمية أُجريت، على الصعيدَين الوطني والدولي، بيّنت محدودية فعالية مضادات السموم في الحدّ من الوفيات أو تحسين فرص العلاج، الأمر الذي أدّى إلى سحب المصل المضاد من البروتوكول الوطني منذ عام 2001.
ومنذ عام 1999، وضعت وزارة الصحة استراتيجية وطنية لمكافحة لسعات العقارب ولدغات الأفاعي، ارتكزت على أربع دعامات أساسية: الوقاية والعلاج واليقظة الوبائية والتوعية المجتمعية. وقد عُزّزت هذه الاستراتيجية في عام 2013 بوضع هدف مركزي يتمثّل في تقليص الوفيات إلى صفر. وقد أسفرت هذه المقاربة عن نتائج ملموسة، إذ تراجعت نسبة الوفيات الناجمة عن لسعات العقارب من 2.37% في عام 1999 إلى 0.14% في عام 2023، كما انخفضت نسبة الوفيات من جرّاء لدغات الأفاعي من 7.2% إلى 1.9% في عام 2024، وفقاً لبيانات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
وعلى الرغم من التقدّم المسجّل في هذا الخصوص، ما زال الوصول إلى "صفر وفاة" يصطدم بعوائق عدّة بحسب الوزارة، من بينها ضعف البنية التحتية الصحية، والسكن العشوائي بالقرب من المناطق الخطرة، وتأخّر نقل المصابين، واستمرار الممارسات الشعبية الضارة، والعوامل المناخية والجغرافية التي تسهّل انتشار العقارب والأفاعي، خصوصاً في القرى والمناطق الجبلية. يُذكر أنّ المغرب يتمتّع بتنوّع كبير في أنواع العقارب مع أكثر من 60 نوعاً، من أبرزها عائلتا بوثيداي والعقرب الأسود سميك الذيل اللتان تُصنَّفان من بين الأخطر.