المُحرَّر المُبعد محمود شريتح يروي تجربته من الأسر إلى الحرية
استمع إلى الملخص
- يصف شريتح لحظة الإفراج بأنها انتقال من "الجحيم إلى الجنة"، لكنه يعاني من ألم الفراق عن زملائه الأسرى ودمار غزة، ويرى في الأمل بالعودة ما يخفف من وطأة الغربة.
- توحدت الفصائل داخل السجون ضد السياسات العقابية، ويثني شريتح على دور مصر وقطر في الصفقة، داعياً لدعم أكبر للمُبعدين، ومؤكداً أن المقاومة "فكرة لا تموت".
بعد عشرين عاماً خلف قضبان الاحتلال، خرج محمود حمّاد شريتح، أحد مهندسي كتائب القسام، إلى فضاء الحرية، ضمن صفقة "طوفان الأحرار" التي أبرمتها المقاومة مع السلطات الإسرائيلية في يناير/ كانون الثاني الماضي. غير أن الحرية جاءت مشروطة بإبعاده قسراً، فغادر السجن ليجد نفسه في منفى إجباري، حاملاً ذاكرة طويلة من العذاب وأملاً راسخاً بالعودة.
اعتُقل شريتح في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2005 في رام الله، داخل مسجد سيد قطب، على يد وحدة من القوات الخاصة المستعربة. خضع في البداية لتحقيق قاسٍ وعزلٍ انفرادي دام خمسين يوماً في سجن المسكوبية، قبل أن يُنقل إلى هداريم ثم إلى إيشل في بئر السبع. وجّهت له المحكمة الإسرائيلية تهماً تتصل بمقاومته الاحتلال، ومن بينها الاتهام بالمسؤولية عن تجهيز عمليات استشهادية، ووصفته جهات الاحتلال بأنه عمل تحت قيادة قادة قسّاميين، مثل إبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي. وعلى مدى عقدين، راكم شريتح في صفوف الأسرى تجربة داخل المعتقلات أثقلت ذاكرته بمشاهد لا تُمحى.
يصف شريتح لحظة الإفراج بأنها "الخروج من الجحيم إلى الجنة"، مؤكداً أن الشعور يتجاوز الوصف، ويقول: "كنت في عداد الموتى وبُعثت إلى الحياة من جديد". يتابع أن الفرح بالحريّة لم يُخمد ألم الفراق على من تركهم في السجون أو ما حلّ بقطاع غزة من دمار ومجازر. تلك التوليفة، بين فرح الفرج وحزن المشاهد المدمرة، تشكّل الإطار الذي لا يُفارقه منذ لحظة الخروج، بينما يظل الأمل بالعودة إلى القدس والأقصى وحيّه وبيته في الخليل عالِقاً في ذهنه.
عن احتمال أن يكون الإفراج مشروطاً بالإبعاد، لم يُبدِ شريتح مفاجأة، يقول: "كان متوقعاً. نحن نعرف هذا العدو جيداً، يسعى لإفراغ الأرض من أهلها بكل الطرق". ويصف الإبعاد بأنه "اقتلاع النبتة من أرضها والسمكة من مائها"، لكنه يرى في الأمل بالعودة ما يخفف من وطأة الغربة "نحن على يقين بأن العودة قريبة".
يصف الأسر بأنه "أسوأ عقوبة اخترعها الإنسان"، ويؤكد أن القهر والحرمان وانتهاك الكرامة شكّلت الجانب الأكبر من حياة السجن. رغم ذلك، كانت هناك آليات داخلية خففت جزءاً من الألم "كنا كحركة أسيرة قد نظمنا أنفسنا لمواجهة الاحتلال في السجون، تراكمت لدينا الخبرة، ووجود منظومة تدافع عن حقوقنا كان يخفف الكثير". يضيف أن واقع ما بعد السابع من أكتوبر كان نقطة تحوّل أدّت إلى تصاعد القسوة "الوجه الحقيقي للسجان ظهر بعد السابع من أكتوبر، الضرب والإهانات أصبحا سياسة يومية، والإجراءات العقابية ازدادت قسوة".
ومن بين المواقف التي لا تُمحى من ذاكرته، يروي شريتح لحظة إنسانية خلال أحد أيام شهر رمضان، حين تمكّن الأسرى من تهريب هاتف صغير للاتصال بالعائلات. حالات الفقد والوجع هذه ما زالت ترافقه، كما ترافقه مشاهد "الحفلات"، وهي تسمية الأسرى لجولات الضرب المتكررة، "في ثلاث جولات من الضرب المستمر يفقد الأسرى وعيهم ثم يوقظونهم لمتابعة الضرب. أماكن ضرب قاتلة بالأدوات والأيدي".
يشير إلى أنه "منذ اليوم الأول سُحبت أجهزة التلفاز والراديو ووسائل الاتصال، فالأخبار تصل متأخرة، وأحياناً بعد شهور، عبر المحامين أو الأسرى الواصلين حديثاً". هذا الفصل عن العالم الخارجي كان من أقسى أنواع العقاب، بحسب شريتح، الذي يصف أيضاً ظروف الملبس والطعام بأنها تكاد تكون أقل من الكفاف "مكثت أكثر من عشرين يوماً بثلاث قطع ملابس فقط"، لافتاً إلى أن الحرمان من العلاج يؤدي إلى انتشار أمراض جلدية بين السجناء.
على الصعيد التنظيمي، شهدت العلاقة بين الفصائل داخل السجون حالة من المدّ والجزر انعكاساً لما بين الفصائل في الخارج، لكن ظروف الحرب الأخيرة أدت إلى انصهار الأقسام والغرف، ما عزّز وحدة الأسرى في مواجهة السياسات العقابية "هذه الوحدة كانت عنصراً أساسياً في محاولة الحفاظ على الحقوق والكرامة داخل المعتقلات".
وحول صفقة "طوفان الأحرار" ووساطتها، يقول شريتح إن الأسرى كانوا على علم بدور مصر وقطر بصفة وسطاء، وإن الجهد المصري بدا واضحاً في تذليل العقبات. ويستعيد لحظة كان لها وقع بالنسبة إليه وهي وصول وفد من المخابرات المصرية إلى معبر الخروج، حين وضع أحد الضباط يده في يده ليساعده على الصعود إلى الحافلة المتجهة إلى رفح "شعرنا بالاطمئنان حين رأيناهم هناك".
يدعو شريتح القاهرة لأن تقوم بدور أوسع تجاه المُبعدين: "مصر مشكورة على الاستضافة، لكنها مطالبة اليوم بدور أكبر. الأسرى المبعدون يعانون من عدم الاستقرار ولا يعرفون مصيرهم. هل سيبقون في مصر أم يغادرونها؟ نتمنّى من مصر، بصفتها الضامن الأول والوسيط والشقيق الأكبر، أن تعمل على تأمين استقرارنا هنا أو في دول أخرى. هي قادرة على ذلك".
حين سُمح له بالتواصل الأول بعد الصفقة، كانت الاتصالات الأولى من عائلته، ثم من قادة الفصائل ومن أصدقائه الذين استقبلوه بحفاوة. ومع كل ذلك، تبقى الغربة تجربة قاسية، لكنه يكرر العهد نفسه: "العودة إلى فلسطين أكيدة في أول فرصة تتاح لنا. ووفاءً لأهل غزة الذين ضحّوا كثيراً، سنتابع ما يجري هناك ونسعى لخدمتهم بكل ما نستطيع".
يحمل حديث شريتح رسالةً بأن المقاومة في نظره "فكرة لا تموت". أدواتها قد تتغير، وتتكيف التكتيكات، لكن جذورها باقية حتى يتحقق ما يعتبره خلاص الوطن. التاريخ، كما يقول، شاهد على ذلك، كلّما خمدت ثورة اشتعلت أخرى، وهكذا يظل الطريق ممتداً، بين الأسر والعودة، وبين الألم والأمل.