تصاعد العنف ضد معلمي المدارس الابتدائية في الدنمارك: تحديات واستجابة حكومية
استمع إلى الملخص
- العنف أكثر شيوعاً في الصفوف الصغيرة ورياض الأطفال، حيث تعرض 37% من معلمي المدارس الابتدائية و60% من معلمي رياض الأطفال للعنف الجسدي، مما يؤدي إلى إرهاق مزمن وسوء مناخ العمل.
- استجابة لتفاقم العنف، أعلنت الحكومة الدنماركية عن مبادرات لطرد الطلاب العنيفين، مع التركيز على دعم نفسي ومهني للمعلمين وتعزيز الإدارة المدرسية.
تشهد المدارس الابتدائية في الدنمارك تصاعد العنف تجاه المعلمين، حيث أفاد ما لا يقل عن 8000 معلم بأنهم تعرضوا للتنمر أو الاعتداء الجسدي خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفقاً لتقييمات أماكن العمل التي أجرتها صحيفة بيرلنغسكا. وشملت الدراسة التي نشرت نتائجها أمس الأربعاء، أكثر من 700 مدرسة ابتدائية، ما يعني متوسط 11 حالة عنف جسدي لكل مدرسة، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أعلى بسبب عدم استجابة عدد كبير من المعلمين للاستطلاعات. وتأتي هذه الأرقام على خلفية سجال مستمر في البلاد حول صلاحيات المدارس في التصرف مع الطلاب العنيفين والضغط على المشرعين لتسهيل طردهم.
ووصف رئيس نقابة المعلمين الدنماركية، غوردون أورسكوف مادسن، التقرير بأنه يحمل "أرقاماً عنيفة"، مشيراً إلى أن الدراسة توثق تصاعداً ملحوظاً في حالات العنف داخل المدارس. ومن جانبه، اعتبر وزير التعليم ماتياس تيسفاي في تصريحات صحافية أن هذه الأرقام مرتفعة للغاية وقد تكون سبباً رئيسياً في مغادرة المعلمين لمهنة التدريس، مؤكداً ضرورة توفير أدوات وآليات واضحة لحماية المعلمين، إلى جانب دعم إدارات المدارس في التعامل مع حالات العنف الخطيرة.
أشكال العنف الموثقة في مدارس الدنمارك
تتنوع أشكال العنف الممارس ضد المعلمين من الشتائم والتهديدات اللفظية إلى الاعتداءات الجسدية واستخدام الأدوات الحادة. فقد وثق المعلمون مواقف عنف خطيرة، مثل: تعرض أحد المعلمين لمشرط في ظهره خلال حصة الأشغال اليدوية، محاولة طالب بسلاح أبيض الاعتداء على معلم في أثناء التدخل لحماية زملائه، اعتداء مجموعات من الطلاب على زملائهم أمام المعلمين، ما دفع الأخيرين إلى التدخل، تهديدات لفظية وجسدية مستمرة، تتضمن الإهانات الشخصية واتهام المعلمين بأشياء مهينة أو تهديدهم بالقتل.
وفي بعض الحالات، أُبلغ عن اضطرابات نفسية طويلة الأمد للمعلمين نتيجة هذه التجارب، ما يعكس التأثير النفسي الكبير للظاهرة. كما تشير البيانات إلى أن حالات العنف أكثر شيوعاً بين الصفوف الصغيرة ورياض الأطفال، حيث لم يستوعب الطلاب بعد القواعد الاجتماعية للمدرسة.
في فبراير/شباط 2024، كشفت أرقام نقابة المعلمين الدنماركية أن أكثر من واحد من كل ثلاثة معلمين تعرض للكمة أو الدفع أو الركل أو البصق، وتصل النسبة إلى 60% بالنسبة لمعلمي رياض الأطفال. وقد أُجري المسح كل عامين منذ عام 2019، وظهر أن عدد الحوادث المرتفعة ظل مستقراً مع استثناء انخفاض مؤقت في عام 2021 بسبب إغلاق المدارس جزئياً خلال جائحة كوفيد-19.
كما أظهر استطلاع حديث لنقابة المعلمين، أن 37% من معلمي المدارس الابتدائية تعرضوا للكمات أو الدفع أو الركلات أو البصق خلال العام الماضي، في حين بلغت النسبة 74% بين أعضاء مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، و9% يتعرضون للعنف بشكل يومي. أمّا ما يخص قادة صفوف رياض الأطفال، فإن 60% تعرضوا للعنف خلال الفترة نفسها.
بيئة العمل والتحديات الهيكلية
يرى خبراء بيئة العمل، أن هذه الظاهرة مرتبطة بشكل وثيق بسوء مناخ العمل والإرهاق المزمن للمعلمين. يقول رئيس لجنة بيئة العمل والتنظيم في جمعية المعلمين الدنماركية، توماس أندرياسن: "للأسف، لا يفاجئني هذا الأمر، ولكنه يعكس واقعاً خطيراً حيث الحياة اليومية مرهقة للغاية، وخيارات المعلمين محدودة". ويشير إلى أن المعلمين غالباً ما يكونون وحدهم مع 28 طفلاً، مع وجود طلاب ذوي احتياجات خاصة، ما يزيد من مستوى الصراع في الفصل قبل أن يصل الدعم المطلوب.
ويضيف التحليل الذي أجرته مفتشية العمل الدنماركية عن بيئة عمل المعلمين، أن عدد العمال المؤقتين تضاعف خلال العقد الماضي، ويصل إلى 1912 وظيفة بدوام كامل، بينما فقط واحد من كل خمسة معلمين حاصل على شهادة في إعداد المعلمين، ما يعقد التعامل مع الصراعات ويزيد من الضغط النفسي على المعلمين.
المعلمون الأكثر عرضة للعنف
وفقاً للرصد الوطني لبيئة العمل بين الموظفين، الذي أجرته مفتشية العمل الدنماركية في النصف الأول من عام 2023، تعرض 4.7% من جميع الموظفين للعنف خلال الاثني عشر شهراً الماضية، ما يؤكد أن معلمي المدارس الابتدائية يتعرضون للعنف والتهديدات بنسبة أكبر بكثير من الموظف العادي.
الاستجابة الحكومية
استجابة لتفاقم العنف، أعلنت رئيسة الوزراء ميتا فريدركسن، أمس، مبادرة حكومية تتيح لمديري المدارس طرد الطلاب عند تصرفهم بعنف، مع تحديد مصيرهم لاحقاً بالتنسيق مع البلدية. وأكدت أن وضع حدود صارمة للسلوك العنيف ضروري للحفاظ على تماسك المجتمع، وحماية المعلمين وضمان بيئة تعليمية آمنة.
عموما، تسلط هذه البيانات والحالات الضوء على حقيقة مقلقة: العنف ضد معلمي المدارس الابتدائية أصبح جزءاً من الواقع اليومي في العديد من مدارس الدنمارك. وتعكس هذه الظاهرة تأثيراً نفسياً وجسدياً ملموساً على المعلمين، وتؤكد الحاجة إلى إجراءات شاملة تشمل: دعم المعلمين نفسياً ومهنياً، تعزيز الإدارة المدرسية وتفعيل سياسات واضحة للتعامل مع السلوكات العنيفة، زيادة عدد المعلمين المؤهلين وخلق مجموعات تدريسية أصغر، تقديم دعم أسرع وفعّال للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، جمع بيانات دقيقة لمراقبة الظاهرة ووضع استراتيجيات مكافحة فعّالة. ويبقى التحدي الأكبر في التوازن بين حماية المعلمين وتقديم تعليم آمن وفعّال للأطفال، وهو ما يجعل الظاهرة مسألة وطنية تحاول الجمع بين الجهود الحكومية والمجتمعية.