استمع إلى الملخص
- يواجه الأهالي صعوبات كبيرة في التعامل مع الوضع باستخدام مطهرات منزلية باهظة الثمن، والشكاوى المتكررة لم تلقَ استجابة من الجهات المعنية.
- رغم بعض المبادرات التطوعية، إلا أن الجهود الفردية غير كافية، مما يثير تساؤلات حول دور الدولة في حماية مواطنيها من المخاطر الصحية.
وسط شكاوى متزايدة من سكان الأحياء الفقيرة والمهمّشة في عدد من أحياء حلب السورية، تتحول حاويات القمامة المنتشرة في الشوارع، التي تركت لأسابيع بلا تفريغ أو تعقيم، إلى بؤر لتكاثر الحشرات وموائل للأمراض، خاصة الجلدية منها، ما ينذر بكارثة صحية صامتة تضرب الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها الأطفال وكبار السن. ويصف السكان أوضاعهم الصحية هناك بـ"الكارثية"، إذ بات من الشائع رؤية أطفال مصابين بالجرب والتهابات جلدية مزمنة، وسط غياب شبه تام للخدمات البلدية.
يقول محمد الحداد وهو رب أسرة من حي السكري، في حديث لـ"العربي الجديد": "أطفالي يعانون من حكة شديدة وطفح جلدي، وعندما ذهبت إلى المركز الصحي، قال لي الطبيب إن السبب قد يكون الجراثيم المحمولة بالهواء قرب مكبات القمامة الملاصقة لباب البناء"، ويضيف: "نعيش كأننا في مكب نفايات جماعي. الروائح كريهة جداً، والذباب والبعوض لا يرحمان أحداً، بل حتى القطط والكلاب الشاردة تنهش في الأكياس وتزيد الوضع سوءاً".
وفي حي صلاح الدين، روت سلمى مصباح، وهي أم لثلاثة أطفال، أن القمامة المتراكمة على مقربة من منزلها أصبحت مصدر تهديد مباشر لصحة عائلتها، لا سيّما أطفالها. وأوضحت في حديثها لـ"العربي الجديد" أنها تضطر، على نحوٍ شبه يومي، لرش محيط المنزل بمطهرات منزلية، رغم تكلفتها العالية والظروف المعيشية الصعبة، في محاولة يائسة للتخفيف من انتشار الروائح الكريهة والحشرات الطائرة التي تغزو الشقة. وقالت إن ابنها الأصغر، الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره، أصيب بحساسية جلدية مزمنة منذ بداية الصيف، وقد استشارت أكثر من طبيب أشاروا إلى أن سببها يعود إلى البيئة الملوثة التي يعيش فيها الطفل، وخصوصاً قُرب نوافذ المنزل من مكب نفايات مكشوف.
وأضافت، بحسرة: "أغلق النوافذ في أوج الحر، وأمنع أطفالي من اللعب في الشارع، ومع ذلك لا نستطيع الهروب من الروائح والبعوض. القمامة على بعد مترين فقط من مطبخي، ولا أحد من المعنيين يهتم أو يرد على الشكاوى"، وتابعت: "تقدمت بشكوى لمجلس البلدة، وأرسلت صوراً للحاوية الممتلئة منذ أسبوعين، لكن لم يتحرك أحد. صار همنا اليومي ألّا يمرض أطفالنا، بعد أن أصبح علاج الجلد والحساسية عبئاً إضافياً على كاهلنا وسط الغلاء". وترى سلمى أن بقاء الحاويات قريبة من المنازل "كارثة بيئية"، وتؤكد أن الحل لا يحتاج إلى معجزات، فقط انتظام في رفع القمامة ومراقبة صحية دورية من البلديات، لكن "مَن يسمعنا، وهل أرواح أطفالنا أقل قيمة من ضجيج التصريحات الرسمية".
ورغم الشكاوى المتكررة من الأهالي وناشطي المجتمع المدني، لم يصدر أي تصريح واضح من الجهات الرسمية أو البلديات المعنية، ما يثير الاستغراب والقلق لدى المواطنين. بدوره قال مصطفى حميدي أحد العاملين السابقين في مجلس مدينة حلب: "توجد خطط معلقة منذ سنوات لتوزيع حاويات جديدة وتحديث أسطول شاحنات القمامة، لكن غياب التمويل وعدم الاستقرار الإداري يعرقل التنفيذ. حتى الأدوية المخصصة لمكافحة الحشرات باتت نادرة"، ويتابع:"في بعض الأحياء، تترك الحاويات لأكثر من 10 أيام بلا تفريغ، وهذا مخالف للمعايير الصحية الدولية، ويعرض سكان الحي لأوبئة موسمية".
وفي ظل هذا الإهمال، ظهرت بعض المبادرات التطوعية، إذ ينظم شباب في حي الصاخور والمشهد حملات لتنظيف الشوارع وتعقيم الحاويات، لكنها تبقى جهوداً فردية غير مستدامة. يقول سامر البكري، أحد المتطوعين في تلك المبادرات "نحاول سد الفراغ بجهدنا الشخصي، لكن المشكلة أكبر من قدرتنا. نحتاج دعماً من البلديات، أو على الأقل توفير مواد التنظيف والمعقمات". معرباً عن استغرابه من "اللامبالاة الرسمية"، مضيفاً: "في كل شارع تقريباً توجد حاوية مكشوفة، مليئة ببقايا اللحوم والخضار الفاسدة، والحرارة المرتفعة جعلت الوضع لا يطاق. الذباب دخل البيوت، والرائحة شكلت جزءاً من هواء الحي. إلى متى هذا التجاهل".
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الإهمال قد يقود إلى انتشار أوسع للأمراض الوبائية، خاصة مع موجات الحر الشديدة التي تزيد من نشاط البكتيريا وتكاثر الحشرات، في ظل عجز البلديات وتجاهل الوزارات المعنية، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول دور الدولة في حماية مواطنيها من أمراض يمكن تفاديها بسهولة عبر الحد الأدنى من العمل البلدي والصحي.
وبحسب طبيبة الأمراض الجلدية هبة الزين، فإنّ الجرب وحساسية الجلد صارا مرضين موسميين في حلب، وسبب ذلك "تردي النظافة العامة، وسوء تصريف القمامة، وغياب حملات التعقيم المنتظمة". موضحة لـ"العربي الجديد": "المشكلة ليست في ظهور هذه الأمراض فحسب، بل في صعوبة علاجها مع وجود البيئة الملوثة نفسها. فالطفل يشفى ثم يصاب مجدداً بعد أيام"، مضيفة أن عدد الحالات الجلدية الواردة إلى العيادات تضاعف خلال الأشهر الثلاثة الماضية، خاصة بين الأطفال، وتركزت في المناطق القريبة من مكبات القمامة والحاويات الممتلئة. وأشارت إلى أن أكثر الحالات انتشاراً هي الجرب والتهاب الجلد التماسي، بالإضافة إلى الطفح الجلدي الناتج عن لدغات الحشرات والذباب الملوث، ولفتت إلى أن البيئة المحيطة بالحاويات باتت حاضنة للبكتيريا والطفيليات.
وأضافت "الجرب مثلاً مرض سهل العدوى وينتقل بسرعة بين أفراد الأسرة، ونعالجه يومياً في المستشفى، لكنه يعود بسبب بقاء السبب البيئي من دون معالجة. ونوصي المرضى بتعقيم الأغطية والملابس وتجنب الملامسة، لكن ما الفائدة إذا كان الطفل يعيش على بعد أمتار من تكدس قمامة عفنة"، وأكدت الطبيبة أن "العلاج الجلدي وحده لا يكفي"، موضحة أن الحل الحقيقي هو في "رفع القمامة بانتظام، وتعقيم الحاويات، وتوعية السكان بخطورة ترك النفايات مكشوفة، خصوصاً في المناطق السكنية المكتظة"، مشددة على أن الجهات الرسمية لا يمكن أن تكتفي بالصمت وترك الأمر يتفاقم.