حرائق الغابات في كندا... الدخان يهدّد أميركا بتلوث هواء كارثي

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 00:42 (توقيت القدس)
دخان كثيف يغطي سماء واشنطن، 17 يوليو 2026 (فين غوميز/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت كندا والولايات المتحدة زيادة في حرائق الغابات بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مما أدى إلى تلوث الهواء في مدن كبرى مثل تورونتو ونيويورك، وتصنيف تورونتو كأسوأ مدينة عالميًا من حيث جودة الهواء.
- يتسبب دخان الحرائق في مشاكل صحية خطيرة مثل الربو والأزمات القلبية، ويؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، حيث اتهم ترامب كندا بالإهمال في صيانة غاباتها وهدد بفرض رسوم جمركية.
- استثمرت كندا في استدامة الغابات ودعت الولايات المتحدة لتعزيز جهودها في مكافحة التغير المناخي، مع الحاجة إلى تعاون دولي لمواجهة التحديات البيئية.

يقول خبراء المناخ إنّ ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى زيادة حرائق الغابات خلال السنوات القليلة الماضية، ويهدّد دخان الحرائق الكثيرة المشتعلة مدناً كبرى في كندا وعدداً من مدن جارتها الولايات المتحدة.

تشتعل مئات حرائق الغابات في كندا منذ أيام، وغطى الدخان الكثيف الناجم عنها مدناً كبرى من بينها أونتاريو، ومنطقة واسعة من الولايات المتحدة، وصولاً إلى العاصمة واشنطن، وعبّر مسؤولو الصحة عن قلقهم المتزايد من مخاطر تلوث الهواء في جنوب كندا وشمال شرقي الولايات المتحدة، ما دفع السلطات إلى توجيه نصائح للسكان بالبقاء في منازلهم.
وتشير التوقعات إلى أن ظروف تلوث الهواء الخطرة قد تستمر حتى مطلع الأسبوع المقبل، وصنفت "آي كيو إير"، وهي شركة سويسرية متخصّصة في جودة الهواء، مدينة تورونتو على أنها الأسوأ من حيث جودة الهواء على مستوى العالم، متجاوزة كينشاسا ودلهي، واحتلت نيويورك المرتبة الخامسة.
واندلعت حرائق غابات كثيرة في مانيتوبا وساسكاتشوان وأونتاريو، وتشير التقديرات إلى أكثر من 800 حريق نشط، وأن نحو 128 حريقاً منها خارجة عن السيطرة، مع احتراق أكثر من 650 ألف فدان (2630 كيلومتراً مربعاً)، وقد أجلت السلطات آلاف الأشخاص المعرضين للخطر، من بينهم سكان شيلبروك في ساسكاتشوان، وويست كيلونا في كولومبيا البريطانية، ومجتمع ماتاغامي للسكان الأصليين في أونتاريو.
وقالت وزيرة الطوارئ الكندية إلينور أولشفسكي إن الحكومة استثمرت 12 مليار دولار كندي (8.56 مليارات دولار أميركي) في استدامة الغابات والوقاية من الحرائق منذ عام 2020، في ظل مواجهة البلاد لطقس يزداد جفافاً ودفئاً، مشيرة إلى تاريخ طويل من الشراكة بين الولايات المتحدة وكندا في مكافحة حرائق الغابات على جانبي الحدود.
وحجبت سحب الدخان ضوء النهار في عدد من المدن، وشهدت مدينة تورونتو الكندية زيادة حالات الطوارئ المرتبطة بتلوث الهواء بنسبة 80%، وسجلت أجهزة استشعار جودة الهواء الأميركية معدلات صنفت على أنها خطيرة، إذ سجلت مدينة ميلووكي بولاية ويسكنسون أسوأ مستوى لجودة الهواء في تاريخها، وصنفت مدينة ديترويت بولاية ميشيغان واحدةً من أكثر مدن العالم تلوثاً، ويصنف الهواء على أنه خطير عندما يتجاوز المؤشر حاجز 300 نقطة، بينما سجلت ميلووكي وديترويت أكثر من 500 نقطة.
ويؤدي دخان حرائق الغابات إلى وفاة عشرات آلاف الأشخاص سنوياً حول العالم، ومن بين مخاطره المباشرة الربو والأزمات القلبية ومشكلات الأوعية الدموية والرئتين، كما يزيد خطر الولادة المبكرة، وإنجاب أطفال يعانون من مشكلات في التنفس طوال حياتهم، إلى جانب مخاطر طويلة الأمد تشمل الإصابة ببعض أنواع السرطان، ومرض الخرف.

دخان الحرائق يغطي سماء تورنتو، 15 يوليو 2026 (ميرت درفيس/الأناضول)
دخان الحرائق يغطي سماء تورنتو، 15 يوليو 2026 (ميرت درفيس/الأناضول)

وقالت أستاذة الصحة البيئية بكلية هارفارد للصحة العامة، ماري جونسون، إن دخان حرائق الغابات يسبب التهابات عبر تحفيز الجهاز المناعي في الجسم على العمل المفرط لمواجهة المواد المهيجة، وإن العلماء توصلوا إلى أنه قد يضر بالدماغ والجلد والرئتين والقلب، بحيث لا يكاد ينجو أي جهاز في الجسم من آثاره، ويعرض الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة للإصابة بالسكتات الدماغية.
وقال اختصاصي السموم البيئية في جامعة ولاية كولورادو، لوك مونتروز، إن العلماء رصدوا ما لا يقل عن ألف مادة سامة في دخان حرائق الغابات، وإن بعضها معروف بخطورته البالغة، مثل الفورمالديهايد والمركبات العضوية المتطايرة.
من مدينة تورنتو، قال الشاب الكندي أمير لـ"العربي الجديد"، إنه يلتزم هو وابنته الصغيرة المنزل، وإنه يعرف أشخاصاً نقلوا إلى المستشفيات بسبب أمراض تنفسية مرتبطة بحرائق الغابات، مضيفاً أنّ "هذه رسالة إلى هؤلاء الذين يتجاهلون مخاطر التغير المناخي، مثل الرئيس دونالد ترامب".
ومن ولاية فيرجينيا الأميركية، قال رونالد لـ"العربي الجديد"، إنه يلتزم، مثل غالبية من يعرفهم، المنزل، ويندر أن يغادره منذ بدأت سحب الدخان الناتجة من حرائق كندا تصل إلى مدينته، مشيراً إلى أن الأمر يشبه كثيراً ما جرى خلال العام الماضي حين اندلعت حرائق غابات في كاليفورنيا على بعد آلاف الكيلومترات.
وبينما تستضيف ولاية نيو جيرزي مباراة نهائي مونديال كأس العالم 2026، اليوم الأحد، صدرت في مدينة نيويورك المجاورة لها تحذيرات رسمية بشأن جودة الهواء، غير أن الخبيرة في هيئة الأرصاد الجوية، كيلتين لاردو، أشارت إلى أنّ هطول الأمطار قد يؤدي إلى تنقية الهواء قليلاً.

دخان كثيف في سماء نيويورك، 15 يوليو 2026 (غاري هرشورن/Getty)
دخان كثيف في سماء نيويورك، 15 يوليو 2026 (غاري هرشورن/Getty)

والجمعة، اتهم الرئيس الأميركي ترامب كندا بالإهمال، وحملها مسؤولية انتشار دخان حرائق الغابات عبر الولايات المتحدة، وهدّد بإضافة "التكلفة الباهظة" لهذا التلوث إلى التعرفة الجمركية المفروضة عليها. وكتب على منصة "تروث سوشيال": "نحمل كندا المسؤولية لعدم صيانة غاباتها جيداً"، مضيفاً أن الولايات المتحدة تتعرض دون مبرر لانتشار الهواء الملوث، وأنها تتكبد مليارات الدولارات بسبب "هذا الإهمال المتعمد الذي يتكرر سنوياً".
وطالب السيناتور الجمهوري بيرني مورينو، الجمعة، بفرض عقوبات على كندا بسبب حرائق الغابات، وقال إنه يعتزم طرح قانون يلزم الرئيس بتحديد ما إذا كانت غابات الحرائق في كندا قد أضرت بجودة الهواء في أميركا، وفرض عقوبات تشمل تجميد أصول وقيود مالية.
في المقابل، رد كنديون بدعوة الأميركيين إلى إرسال المساعدة مثلما فعلت كندا سابقاً في حالات طوارئ مماثلة مرتبطة بحرائق الغابات. وقال رئيس وزراء كندا، مارك كارني، الخميس، إنّ الولايات المتحدة يمكنها بذل المزيد من الجهود لمكافحة تغير المناخ الذي يؤدي إلى جفاف أطول أمداً وارتفاع درجات الحرارة عالمياً.
وتشهد الولايات المتحدة أيضاً حرائق غابات أعلى من المعدلات المعتادة، واحترق منذ بداية العام الحالي 3.7 ملايين فدان مقارنة بمتوسط 2.7 مليون فدان قبل عشر سنوات، وفقاً للمركز الوطني لمكافحة الحرائق.
ويؤكد الخبراء أنّ ارتفاع درجات الحرارة أحد أهم أسباب زيادة الحرائق خلال السنوات الأخيرة، ويعتبر خبير في وكالة حماية البيئة الأميركية، طلب عدم ذكر اسمه، أن "تكرار الحرائق يشير إلى خطأ الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب لتقليص أنشطة الوكالة، فالتغيّر المناخي الذي تنكره الإدارة الأميركية يؤدي إلى ظروف جوية مواتية لتواتر وانتشار الحرائق، والوكالة كانت تنفذ إجراءات عدة للحد من تغيّر المناخ، والحدّ من تلوّث الهواء، وإنفاذ القوانين البيئية، لكنّ ترامب أوقف آلاف المشروعات".

وقالت أخصائية السموم بإدارة الصحة في ولاية فيرجينيا، كاساندرا غابرات، لشبكة "أيه بي سي"، إنّه "يجب على السكان، خاصة المصابين بأمراض الرئة والقلب، تجنب التعرض للهواء الملوث. دخان حرائق الغابات يتكون من جزيئات دقيقة تجعل الهواء غير صحي، وتسبب شعوراً بالحرقان وسيلان الأنف وتهيج الجيوب الأنفية والسعال والصداع".
وأعلنت سلطات الولايات الأميركية المعرضة للدخان رفع مستوى التحذير من جودة الهواء إلى الأحمر، خاصة بالنسبة لمن يعانون من الأمراض المزمنة والأطفال وكبار السن، ودعت إدارات الصحة من يضطرون للعمل في الخارج إلى الحصول على فترات راحة داخل مبانٍ فيها مكيّف هواء، أو داخل السيارات مع تشغيل تكييف الهواء، كما نصحت باستخدام فلاتر تنقية الهواء في المنازل.
وقالت الأستاذة المشاركة في الصحة العامة بجامعة تافتس، لورا كورين، إنّ أجساد البشر لديها قدرة محددة على التحمل، لكن هذا الوضع أشبه بتعرض مستمر ومكثف للملوثات، وعندما يصل مؤشر جودة الهواء إلى هذا الحد لا يجب أن يقضي أحد الوقت في الخارج. بدوره، قال اختصاصي الأمراض الرئيسية في مؤسّسة ميشيغان ميديسن، ألكسندر رابين، إن احتمالات الإصابة بمشكلات صحية تتزايد عندما يكون تركيز الجسيمات الملوثة مرتفعاً على نحوٍ غير عادي، كما هي الحال الآن.