حيّ الرمل الجنوبي في اللاذقية... تناقض بين الطبيعة الجميلة والواقع القاسي

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 01:18 (توقيت القدس)
عشوائية كبيرة في أحياء اللاذقية، فبراير 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني حي الرمل الجنوبي في اللاذقية من تدهور البنية التحتية، حيث الشوارع ضيقة ومكسرة، والأسواق عشوائية، والمباني متلاصقة، مع نقص في الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء وانتشار النفايات.

- يشتهر الحي بسوق الخردة الذي يوفر مصدر رزق للعائلات، لكنه يشكل خطرًا أمنيًا بسبب تخزين مواد قابلة للاشتعال، وتفتقر الأسواق الأخرى إلى التنظيم والنظافة.

- يأمل السكان في تحسين الأوضاع من خلال تطوير البنية التحتية وتنظيم الأسواق وفتح مشاريع سياحية، لكن الحي يبقى خارج حسابات التطوير.

ليس حيّ الرمل الجنوبي في اللاذقية غرب سورية، حياً واحداً فقط، بل خليط أحياء صغيرة متداخلة، بعضها قريبة جداً من الساحل، وأخرى تمتدّ إلى الداخل، حيث تتكاثر بيوت إسمنتية بسيطة بُني معظمها بلا تنظيم.

على الأطراف الجنوبية لمدينة اللاذقية، غرب سورية، حيث يمتدّ البحر الأزرق حتى الأفق، يقع حي الرمل الجنوبي كمتناقض صارخ بين الطبيعة الجميلة والواقع القاسي. يبدو الحي هادئاً من بعيد، لكن ما إن يدخل شخص أزقّته حتى يجد نفسه في عالم مختلف. طرق مكسّرة، أسواق عشوائية، مبانٍ متلاصقة، أسلاك كهرباء واتصالات عشوائية ومتداخلة، وروائح تختلط فيها رائحة البحر مع دخان المدافئ القديمة ووقود المولّدات.

يسمع من يزور حي الرمل في الصباح أصوات باعة يعرضون على عربات خشبية عند جانبي الطريق الخضار الرخيصة والخبز والسمك والملابس المستعملة، والشوارع ضيّقة لا تسمح بمرور سيارتين معاً، فتضطر واحدة للرجوع وسط صيحات الناس، ويوجد فيها أيضاً أطفال يلعبون بين حفر مليئة بمياه الأمطار، والنساء يملأن جِراراً من خزانات مشتركة، لأن المياه لا تصل بانتظام إلى المنازل. 

وفي بعض الأزقة تتدلى أسلاك كهرباء في شكل خطير فوق الرؤوس، كأنها قنابل موقوتة، أما البحر الذي يُفترض أن يكون نعمة، فهو في كثير من الأحيان مكبّ للنفايات بسبب ضعف خدمات النظافة، ويمكن ملاحظة قوارب قديمة متهالكة يستخدمها صيادون صغار، لكنها لا تحتوي على مرافئ منظّمة.

وبالنسبة إلى سوق الرمل الجنوبي فهو تجمعات بشرية تشكّلت عبر السنين، وتُباع فيه خردة معادن قديمة وألمنيوم وحديد وقطع سيارات مستعملة وأدوات كهربائية معطّلة. ويوفر سوق الخردة تحديداً مصدر رزق لعائلات كثيرة، لكنه مصدر خطر أمني أيضاً بسبب تخزين مواد قابلة للاشتعال والانفجار داخل منطقة سكنية مكتظة. وإلى جانب سوق الخردة يوجد سوق صغير للأسماك لا يُشبه أسواق السمك النظيفة في المدن السياحية، فالأرض رطبة دائماً والروائح قوية، ولا ثلاجات حديثة أو نظام تصريف صحي جيد. ورغم ذلك يعتمد عليه كثير من الناس لأن أسعاره أقل من أسواق وسط اللاذقية. أيضاً هناك سوق للملابس المستعملة تُعرض فيه قطع على حبال مشدودة بين عمودين، ويبحث الناس عن أي شيء رخيص يكفي لتغطية برد الشتاء أو ملابس مدرسية للأطفال.

لجوء واغتراب
التحديثات الحية

ويسكن في حي الرمل الجنوبي خليط من عمال بناء ونقل وصيادين صغار ونازحين من ريف اللاذقية ومناطق أخرى، لجأوا إلى الحي خلال السنوات الأخيرة، بسبب رخص إيجارات المنازل فيه، مقارنة بمناطق أخرى في اللاذقية، وأيضاً أرامل وأسر فقدت معيليها خلال سنوات الحرب التي ألحقت أضراراً ببيوت كثيرة فيه لم يُرمّم بعضها حتى اليوم، علماً أن قوات النظام السابق قصفت الحي في أغسطس/ آب 2011. وفي مارس/ آذار 2025 فقدت عائلات أبناءها وانهارت مبانٍ فوق رؤوس سكانها، بسبب انفجار مستودع خردة داخل الحي.

يقول محمد قعبور (54 عاماً)، وهو بائع مواد غذائية في الحي، لـ"العربي الجديد": "أعيش هنا منذ أكثر من عشرين سنة، ولم يتغير أي شيء. تنقطع المياه والكهرباء، والطرقات السيئة على حالها. كبر أولادي في الحي، وهم يرون الحفر والنفايات نفسها في كل مكان. لم يتحسّن الوضع، كأنّ الحي خارج اللاذقية أو في منطقة نائية ومهجورة".

يضيف: "تشيّد المباني عشوائياً منذ سنوات بلا رخص ومتابعة، رغم أن الحي يُطل مباشرة على البحر، ويمكن تحويله إلى منطقة سياحية جميلة، وليس الأمر صدفة، فعائلة الأسد قصدت أن يكون الحي بهذا الواقع، إذ لا يسكنه سياسيون نافذون، ولا رجال أعمال كبار، ولا شخصيات مقربة من السلطة، لذا لا يحظى باهتمام الدولة، مقارنة بأحياء أخرى في اللاذقية، كما أن ترك الحي للعشوائية يُفيد الفساد. وحين تُترك الأحياء بلا تنظيم تزدهر الرشاوى والمحسوبيات. يمكن منح تراخيص شكلية لمحلات مقابل المال، أو التغاضي عن المخالفات مقابل تسويات غير رسمية. هذه الفوضى مفيدة للفاسدين، ولا تخدم تطوير الحي".

الصورة
أضرار انفجار حي الرمل الجنوبي في مارس 2025 (الأناضول)
أضرار انفجار حي الرمل الجنوبي في مارس 2025 (الأناضول)

في موقع غير بعيد من الحي يمكن أن يشاهد عابر بوضوح الاختلاف الكبير بين الرمل الجنوبي والرمل الشمالي، حيث الطرقات واسعة ومنظمة، وتوجد حدائق ومبان مرتفعة ومنظمة. ويتحدث بسام حاج علي، وهو مدرس من سكان اللاذقية، لـ"العربي الجديد"، عن أن "سياسة النظام السابق ركّزت على مناطق الوسط والواجهات السياحية التي تخدم صورته أمام الزوار، بينما تُركت الأحياء الشعبية كي تدبّر أمرها بنفسها. حي الرمل الجنوبي لم يكن جزءاً من اللاذقية الجميلة التي أراد النظام تسويقها، وتشبه حالها الأحياء المهمشة والفقيرة في حلب ودمشق وحمص ومناطق أخرى تترك بلا تنظيم أو خدمات".

وفي الشتاء يشكو سكان حي الرمل الجنوبي من الأدخنة الملوثة للمدافئ التي تحرق ألبسة رديئة وكرتوناً وفحماً ومخلفات نفايات. تقول هند بيطار التي نزحت إلى الحي منذ سنوات لـ"العربي الجديد": "يمرض الأولاد باستمرار من نقص النظافة والمياه، ونعاني لشراء أدوية أو للوصول إلى المستشفيات عندما تسوء حالة أي منا، كما تنقطع المياه باستمرار ونضطر إلى شراء صهاريج مياه بأسعار مرتفعة، بينما تنتشر النفايات في كل مكان، وتقتلنا الروائح خاصة في الصيف".

قضايا وناس
التحديثات الحية

ورغم توسّع الحي بشكل كبير، خلال السنوات الأخيرة، واكتظاظه السكاني الكبير، نتيجة النزوح والحرب، يؤكد عبد الله صافيا الذي يسكن في الحي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الأهالي يعيشون في ظروف صعبة، إذ ينتشر الفقر وتنعدم الخدمات، وهم يأملون في أن يتغير حال الحي مع سقوط النظام، ويُعاد تنظيمه وتطويره وحل مشاكله المتراكمة، والأهم تحسين شبكات الصرف الصحي والمياه، لأن الروائح لا تُطاق والمياه تنقطع كثيراً، ويجب إزالة النفايات المتراكمة في الشوارع، وإلزام الناس برميها في الحاويات، وإغلاق الحفر، وتنظيف الشاطئ، وتنظيم بسطات البيع، وفتح الأرصفة للمشاة".

يضيف: "يمكن تحويل الحي إلى منطقة ساحلية نابضة بالحياة، عبر إنشاء ممشى بحري نظيف، وتنظيم سوق السمك، وترخيص القوارب الصغيرة، وتحسين الطرق والإنارة، وفتح مشاريع سياحية مهمة إذا توفرت إرادة صادقة".
يعيش سكان حي الرمل الجنوبي بين الأمل والتعب، بين حلم التطور ومرارة الإهمال. يقف الحي على شاطئ اللاذقية لكنه خارج الحسابات منذ سنوات.