داء السكري... تسونامي صحي متصاعد وزيادة مقلقة في الإصابات
استمع إلى الملخص
- التحديات الإقليمية والإحصاءات: منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد ارتفاعًا كبيرًا في الإصابات، مع توقع وصول المصابين عالميًا إلى 892 مليونًا بحلول 2050. الكلفة السنوية لعلاج السكري تصل إلى تريليون دولار عالميًا.
- الوقاية والعلاج: يشدد الخبراء على أهمية الوقاية من خلال نظام غذائي صحي وممارسة الرياضة، مع التركيز على الأطعمة ذات المؤشر الغلايسيني المنخفض. التوعية تلعب دورًا حاسمًا في الحد من انتشار المرض.
يحتفي العالم باليوم العالمي للسكري على وقع ارتفاع مخيف بمعدل الإصابات التي تضاعفت في العالم أربع مرات خلال ربع قرن، بينما تضاعفت خمس مرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وسط زيادة الوفيات.
عام 2007، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 14 نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام يوماً عالمياً لداء السكري، بهدف حثّ الدول الأعضاء على وضع سياسات وطنية للوقاية من الداء ومعالجته. غير أن هذا الداء، بحسب الاتحاد الدولي للسكري، يتفاقم انتشاره، إذ يصيب واحداً من كل تسعة أشخاص حول العالم، ويعاني ثلاثة من أصل أربعة أشخاص من القلق أو الاكتئاب أو حالة صحية عقلية أخرى بسبب إصابتهم بالسكري، فضلاً عن أن أربعة من أصل خمسة أشخاص مصابين يعانون من الإرهاق الناتج عن السكري، كما أن سبعة من أصل عشرة أشخاص مصابين هم في سن العمل.
وتحت شعار "السكري... اعرف أكثر وافعل أكثر من أجل صحتك في العمل"، يُحيي العالم هذا العام اليوم العالمي للسكري من خلال 417 نشاطاً في 95 دولة ومنطقة، بهدف حثّ المرضى على زيادة معرفتهم بالسكري، سعياً إلى تحسين جودة الحياة خلال العمل، وعدم السماح لضغوط العمل بأن تخلّ بمتابعة العلاج والأدوية والالتزام بالأنظمة الغذائية الصحية.
وكانت منظمة الصحة العالمية قد نبّهت، في بيان بتاريخ 14 نوفمبر 2024، إلى أن انتشار الداء في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل يزداد بوتيرة أسرع مما يحدث في البلدان مرتفعة الدخل، وأن أكثر من نصف البالغين المصابين بالداء (59٪)، والذين بلغت أعمارهم 30 عاماً أو أكثر، لم يتناولوا أدوية في عام 2022. وحذّرت من أن داء السكري يسبّب العمى والفشل الكلوي والنوبات القلبية والسكتات الدماغية وبتر الأطراف السفلى، وتشير التقديرات إلى أن داء السكري ومرض الكلى الناجم عنه تسبّبا عام 2021 في أكثر من مليونَي وفاة، كما تسبّب ارتفاع مستوى الغلوكوز بالدم في نحو 11% من الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية. وبيّنت المنظمة الأممية أن 14٪ من البالغين بعمر 18 عاماً أو أكثر كانوا من المصابين بداء السكري عام 2022، أي بزيادة قدرها 7٪ عمّا كانت عليه نسبتهم عام 1990، لافتةً إلى أن معدلات الوفيات الناجمة عن داء السكري تتزايد منذ عام 2000.
في حديث خاص لـ"العربي الجديد"، يلفت الرئيس الإقليمي السابق للاتحاد الدولي للسكري (منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، محمد صنديد، إلى أن داء السكري هو تسونامي صحي متصاعد، ومرض صامت وقاتل، إذ ارتفع عدد المصابين من نحو 150 مليوناً عام 2000 إلى 590 مليوناً عام 2024، بحسب أطلس الاتحاد الدولي للسكري لعام 2024، أي تضاعف العدد بمعدل أربع مرات خلال ربع قرن، ما يعني أن نحو 11,8% من سكان العالم مصابون بالسكري. ويُقدّر أن يصل العدد عام 2050 إلى 892 مليون مصاب.
ويتابع: "تُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المناطق الأكثر خطورة والأعلى حول العالم من حيث معدّل الإصابة، حيث ارتفع عدد الإصابات خمس مرات خلال تلك الفترة، فبعد أن كان عدد المصابين 17 مليوناً عام 2000 صار نحو 85 مليوناً عام 2024، ما يعني أن شخصاً واحداً بين كل ستة أشخاص مصاب بالسكري، وهو ما يمثل نحو 17.6% من سكان المنطقة، وقد يصل العدد إلى 163 مليوناً عام 2050، بزيادة 92%. كما أن مريضاً واحداً من أصل أربعة بالغين في منطقتنا يتجاوز عمره 65 عاماً، مع العلم أن عدد البالغين المصابين هو 158 مليوناً".
ويقول صنديد: "يبلغ عدد المصابين بالنوع الأول من السكري نحو 9 ملايين عالمياً، بينهم نحو 1,4 مليون في منطقتنا، وتُعتبر السعودية الأعلى عالمياً من حيث إصابة الأطفال والشباب بالنوع الأول، بينما البحرين واليمن أقل نسبة. كما أن خمس دول في منطقتنا هي بين الدول العشر الأعلى معدلات بالسكري من حيث العدد والانتشار، وهي: السعودية، والكويت، وباكستان، ومصر، وقطر. أما السبب فيعود إلى عدم ضبط معدلات السكري عند ثلثَي المصابين جراء ضعف الوعي والتأخر لسنوات في تلقي علاج الإنسولين"، موضحاً أن النوع الأول يشكّل 5 إلى 10% من إجمالي عدد المصابين في العالم، بينما يشكل النوع الثاني 80%، ويبلغ سكري الحمل نحو 5%، أي نحو 23 مليون إصابة حول العالم، لكنّها نسبة عالية، وهي تصل في منطقتنا إلى ما نسبته واحدة من كل خمس ولادات.
ويكشف صنديد أن "عدد الوفيات سنوياً حول العالم يصل إلى ثلاثة ملايين و400 ألف، بمعنى آخر يموت في العالم شخص كل تسع ثوانٍ بسبب السكري، بينما يبلغ عدد الوفيات في منطقتنا سنوياً نحو 480 ألف شخص، إذ تُسجّل باكستان النسبة الأعلى للوفيات في منطقتنا في حين تسجل البحرين النسبة الأقل. مع العلم أن 50% من وفيات النوبة القلبية والسكتة الدماغية ناجم عن مضاعفات السكري، خصوصاً أن مريض السكري معرّض أكثر بأربعة أضعاف إلى أن يُصاب بمشاكل القلب والشرايين أكثر من غيره".
ويشير إلى أن "الكلفة السنوية للسكري عالمياً تصل إلى تريليون دولار أميركي، أي نسبة 12% من نفقات الصحة العامة في العالم، بينما تبلغ الكلفة في منطقتنا 35 مليار دولار، وهي للأسف لا تشكّل سوى 3.4% من نفقات الصحة، علماً أن أكثر دولة صرفاً على علاج السكري في منطقتنا هي الإمارات والأقل صرفاً دولة فلسطين، نظراً لانعدام الإمكانات". ويضيف صنديد، وهو كذلك رئيس الجمعية اللبنانية للسكري، أن "حال لبنان ليست أفضل مع ارتفاع معدلات السمنة والسكري، إذ تبلغ نسبة مرضى السكري من النوع الثاني 13.2%. وقد كشفت دراسات أن 93% من الرجال و98% من النساء في منطقتنا لا يقومون بأي رياضة أو مجهود جسدي".
يشير الطبيب المتخصص في أمراض الغدد والسكري والتغذية، ناجي طربيه، إلى أن "داء السكري يرتفع عالمياً بشكل سريع ومخيف، ولا سيما في الدول العربية، مثل الكويت والسعودية وقطر والإمارات، حيث المعدلات الأعلى حول العالم، إذ يتخطى عدد المصابين في كل دولة من الدول المذكورة أكثر من 20% من عدد السكان، وذلك بسبب عوامل وراثية ونمط الحياة، والوجبات السريعة وكثرة تناول الحلويات والنشويات، وقلة النشاط البدني".
ويقول لـ"العربي الجديد": "عام 2021 سُجلت إصابة نحو 73 مليون شخص بداء السكري في الدول العربية، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى 95 مليوناً عام 2030، وإلى 136 مليوناً عام 2045. والأسباب ترتبط بشكل وثيق بالسمنة وزيادة الوزن، إلى جانب عوامل أخرى، مثل نمط الحياة وقلة النشاط البدني والعامل الوراثي والضغط النفسي". وينبّه إلى أن داء السكري أكثر انتشاراً من داء السرطان، لكن معدل الوفيات جراء السرطان أعلى. ففي عام 2021 سُجلت 537 مليون إصابة بالسكري حول العالم، بينما بلغ عدد مرضى السرطان 19,3 مليون مريض عام 2020"، لافتاً إلى أن ما بين 8 إلى 18% من المصابين بالسرطان يشكون من داء السكري.
ويكشف طربيه، وهو الطبيب الذي كان يعالج سابقاً في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وكان يُدرّس على مدى 50 عاماً في أكثر من جامعة في لبنان والخارج، أن احتمال الإصابة بداء السكري يرتفع عادة مع التقدم في السنّ، وتبدأ مخاطر الإصابة من عمر 40 وما فوق، خصوصاً في حالة السمنة، ويتابع: "تعلمنا في الجامعة أن النوع الأول من السكري يصيب الأطفال والشباب، وأن النوع الثاني يصيب من تجاوزوا عمر الأربعين، لكننا في السنوات الأخيرة نلحظ أن النوع الثاني يصيب المراهقين وما فوق، وهو ما لم نكن نشهده سابقاً قبل 30 عاماً، ونلاحظ ارتفاع هذه الحالات في الزيارات اليومية للعيادات. أما الأسباب فترتبط بنمط الحياة والسمنة والوجبات السريعة والمشروبات الغازية والسكريات والنشويات والطعام غير الصحي".
ويحذّر من أن خطورة الداء تكمن بتأزم الحالة الصحية للمريض عند انسداد الشرايين الصغيرة والكبيرة، كونها متصلة بالدماغ والقلب والكليتين والقدمين ومختلف أعضاء الجسم. إذ عند انسدادها قد تؤدي إما إلى نوبة قلبية، أو سكتة دماغية، أو فشل كلوي، أو الإصابة بالعمى، أو التهابات وغرغرينا في القدم ومن ثم البتر، علماً أن أغلب حالات البتر ناجمة عن داء السكري من النوع الثاني. ويركز طربيه على أهمية الوقاية والعلاج من خلال نظام غذائي صحي، وممارسة تمارين رياضية أو المشي 30 دقيقة كل يوم، بمعدّل خمس مرات بالأسبوع، وتخفيف الوزن الزائد. وفي حين يتحدث عن تقدم العلاج والأدوية، يؤكد الطبيب المتخصص أن النظام الغذائي يُعدّ أكثر أهمية من الدواء.
وتوضح المتخصصة في مجال التغذية البشرية وعلم الحِمية، أنطوانيت رحمة، أن داء السكري من الأمراض المزمنة التي تؤثر بشكل كبير على الصحة العامة في حال عدم التحكم به، تفادياً لمضاعفات خطيرة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والفشل الكلوي والعمى وتلف الأعصاب وغرغرينا القدَمين. وتتحدث لـ"العربي الجديد" عن نوعين أساسيين من داء السكري، إذ يُعدّ النوع الأول مرضاً مناعياً ذاتياً عندما يعجز الجسم عن إنتاج هرمون الإنسولين بسبب هجوم جهاز المناعة على خلايا البنكرياس المسؤولة عن إنتاج الإنسولين، وهو نوع غير مرتبط بالسمنة أو الطعام. أما النوع الثاني فهو مرتبط بالعوامل الوراثية ونمط الحياة، إذ يُصاب المريض بما يُسمّى "مقاومة الإنسولين"، بمعنى أن الخلايا لا تستجيب للإنسولين، بالإضافة إلى سكري الحمل الذي يختفي عادة بعد انتهاء فترة الحمل.
وتربط رحمة أسباب النوع الثاني بحالات السمنة ونقص النشاط البدني والتاريخ العائلي الطبي والضغط النفسي والنظام الغذائي غير الصحي، مشيرةً إلى أن "هذا النوع يُعد من الأمراض المنتشرة بكثرة حول العالم، مع العلم أن داء السكري يُعتبر من الأمراض الأكثر شيوعاً، خصوصاً في البلدان النامية والمجتمعات التي تشهد تحولات في نمط الحياة السريع". وتنبّه إلى أن السمنة وارتفاع ضغط الدم ومستويات الكوليسترول والتغذية غير السليمة كلها عوامل تفاقم خطورة الداء. كما أن معدلات الإصابة ترتفع في حال معاناة الفرد من التوتر النفسي أو قلة ساعات النوم".
وعن الوقاية والعلاج، تقول رحمة: "من الضروري ممارسة الرياضة لخسارة الوزن، مثل المشي والسباحة وركوب الدراجات الهوائية، وخصوصاً المصابين بالنوع الثاني من الداء، إلى جانب اتّباع نظام غذائي متوازن غني بالخضراوات والفواكه والقرفة والحبوب الكاملة والبروتين الصحي الخالي من الدهون، مثل الأسماك الدهنية المفيدة واللحوم البيضاء والبقوليات، ومختلف الأطعمة ذات المؤشر الغلايسيني المنخفض. ومن المهم الابتعاد عن التدخين والكحول والسكريات المضافة والمشروبات الغازية والعصائر المحلاة. حتى الفواكه يُنصح بتناولها بعد الوجبات الأساسية، وأن تكون الوجبات الخفيفة عبارة عن مكسرات نيئة أو نشويات مركبة أو حصص بروتين أو دهون صحية غير مشبعة، مثل زيت الزيتون والأفوكادو". وتشدد على أهمية الالتزام بالوجبات المتوازنة والمنتظمة، وأن يقسّم المريض طعامه على وجبات صغيرة للحفاظ على مستويات السكر بالدم.