ذكريات السجن تطارد الناجين من صيدنايا رغم مرور عام على الحرية
استمع إلى الملخص
- أحمد محمود الحوراني وعبد الحميد السرماني يعانيان من آثار نفسية وجسدية طويلة الأمد؛ الحوراني يواجه ليونة العظام والكوابيس، بينما السرماني يعاني من آلام مستمرة.
- فهد العماوي، الذي اعتُقل خلال محاولة الانشقاق، يعاني من نوبات خوف وأوضاع معيشية صعبة رغم بدء حياة جديدة، مما يبرز الحاجة لدعم الناجين.
تكشف قصص المعتقلين السوريين السابقين في سجن صيدنايا أن تحررهم لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية لمحاولات لمّ الشتات، وتعد شهاداتهم دعوة مفتوحة للمحاسبة، وبناء ذاكرة وطنية لا تسمح بتكرار الجريمة.
بعد عام على سقوط نظام الأسد، لا تزال ذاكرة السوريين مثقلة بملفات لم تُغلق، في مقدمتها ملف المعتقلين الذي شكّل الوجه الأكثر قسوة لعنف النظام السابق المنهجي، ومن بين آلاف القصص، تبرز حكايات أشخاص نجوا من الجحيم، قصصهم ليست مجرد شهادات فردية، بل وثائق تكشف عن عمق المأساة التي عاشوها.
اعتُقل أحمد سليمان الحمد، وهو من سكان ريف دمشق، في عام 2019، على أحد الحواجز الأمنية أثناء محاولته التوجه إلى إدلب، ونُقل إلى فرع المخابرات في درعا، وهناك تعرّض للشبح والتعذيب لخمسة أيام، ثم تنقّل بين عدد من الأفرع الأمنية، لينتهي به المطاف في سجن صيدنايا سيئ السمعة. يقول لـ"العربي الجديد": "عند وصولي إلى صيدنايا مع معتقلين آخرين، وضعونا في الزنزانة المنفردة لأيام، وتعرضنا للتعذيب، وشاهدت عشرات الأشخاص يموتون تحت التعذيب. كان الموت روتينياً بالنسبة للسجانين، ومن لم يمت بالتعذيب كان يموت من الجوع والأمراض، فطعامنا كان حبة زيتون وقطعة خبز صغيرة جافة".
بعد مثوله أمام المحكمة الميدانية في المزة في عام 2020، حُكم على الحمد بالإعدام بتهمة التعامل مع فصائل المعارضة السورية، رغم أن المحكمة لم تستمر سوى دقائق، ورغم تأكيده للقاضي أنه اعترف تحت التعذيب. يضيف: "كان السجانون يذيعون أسماء المعتقلين المحكومين بالإعدام بعد منتصف الليل، وينقلونهم إلى قسم خاص، وكنا نسمع الأصوات طوال الليل، وعند الفجر نراهم يغسلون أيديهم بعد القتل، والإعدامات زادت وتيرتها بعد عام 2022، وقبيل سقوط النظام بنحو 15 يوماً، توقفت الإعدامات، وكان هناك استنفار كبير، وسمعنا في هذه الفترة أصوات شاحنات، وأبواب سجون تُفتح وتُغلق في الطوابق السفلية. لا ندري إن كانوا قد نقلوا معتقلين من السجن، أو قاموا بتصفيتهم، أو حدث شيء آخر، وهناك معتقلون أجانب فقدوا قبل أيام قليلة من التحرير".
يشكل ملف معتقلي صيدنايا الوجه الأكثر قسوة لعنف النظام السابق، وغالبية الناجين يعانون تبعات جسدية ونفسية حتى اليوم
ويؤكد: "عرفنا بالتحرير حين سمعنا أصوات التكبير. لم نكن نجرؤ على الاقتراب من النوافذ خشية انتقام السجانين، لكن الأصوات كانت تقترب، وظننت في البداية أنه عصيان لمعتقلين في جناح آخر، لكن عندما فتح الباب، وشاهدنا الثوار، كان الشعور لا يوصف. شعرت بأنني وُلدت من جديد، لكن لم تكن لدي القوة الجسدية للذهاب إلى منزلي، فنقلني الأهالي إلى مشفى المواساة بدمشق، وبقيت هناك خمسة أيام أتلقى العلاج، ثم خرجت واجتمعت بأولادي وزوجتي".
رغم مرور عام على حياة الحرية بعد نحو خمس سنوات من السجن، لا تزال استعادة الحياة الطبيعية صعبة، ويوضح الحمد: "عندما وصلت إلى المنزل، وجدت أن زوجتي رفعت دعوى طلاق، وكادت تتزوج من رجل آخر، وكان أولادي قد تشتتوا. جمعت أسرتي من جديد، وأعدت زوجتي، لكن لا تزال هناك غصة كبيرة في قلبي. أعمل حالياً في بسطة لبيع المحروقات، لأن جسدي لا يقوى على أي عمل صعب، رغم أنني لم أتجاوز 38 سنة، وأتلقى علاجاً نفسياً، وأنا مثقل بالديون. أعيش صدمة في حياتي الجديدة، وطوال العام الماضي تلقيت المساعدة مرة واحدة. أريد عملاً يؤمّن لأولادي الأربعة حياة كريمة، لكن لا أحد يدعمني. يأتي كثيرون، ويسمعون قصتي، ثم يرحلون، وزارتني الكثير من المنظمات من دون فائدة".
في شهادة أخرى، يصف الشاب أحمد محمود الحوراني لحظات التحرر من سجن صيدنايا بعد سنتين قضاهما في المعتقل بأنها كانت مثل الحلم، ويستذكر بعض المآسي التي عاشها، مؤكداً أنها تعادل عمراً كاملاً؛ سواء لجهة قلة الطعام والمياه، أو الضرب والإهانات، وكانت الساعات تمر بطيئة، وكل ساعة منها تعادل سنة، بحسب وصفه.
يقول الحوراني لـ"العربي الجديد": "كان المعتقلون ممنوعين داخل السجن من الكلام، وأي كلمة تجعل السجانين يتدافعون لضربنا بقسوة، وفي أحد الأيام، سمع أحد السجانين صوتاً في المهجع، ففتح الباب وجاء يسأل عمن أصدر هذا الصوت؟ حينها عمّ الصمت والخوف، لأننا نعلم أن حفلة تعذيب طويلة ستبدأ، وستشمل الجميع. لكن أحد المعتقلين الشبان تطوع بالاعتراف، رغم أنه ليس الفاعل، فطلب منه السجان الاقتراب، ووضع لسانه على نافذة السجن، ثم أغلق النافذة الحديدية على لسانه فقطعه، وبدأ ينزف بغزارة. هذا واحد من مواقف كثيرة لا تخرج من رأسي".
رغم مرور عام على خروجه من السجن، لا يزال الحوراني يعاني من مضاعفات كثيرة، أبرزها ليونة العظام بسبب سوء التغذية، ويضيف: "جسدي منهك، وأشعر بالتعب والإرهاق رغم أنني أتناول الأدوية، وخضعت لعلاج الجرب لمدة ثمانية أشهر بعد مغادرة السجن، وعلى المستوى النفسي لا تزال الكوابيس مزروعةً في مخيلتي. عدت للعمل في مهنتي القديمة، وهي تركيب ألواح الطاقة الشمسية، بعد أن استدنت مبلغاً من المال، وأملي بعد أن يتحسّن وضعي المادي أن تتاح لي فرصة الزواج وتأسيس عائلة".
ومن إدلب، يقول الناجي عبد الحميد السرماني لـ "العربي الجديد": "كنت أعيش في المنطقة المحرّرة، وكنت متوجهاً إلى لبنان، وحينها أُوقفت، وعندما فحصوا سجلي ظهر تقرير يتهمني بالإرهاب، فاعتقلوني. قضيت قرابة أربع سنوات في سجن صيدنايا، وكانت سنوات شديدة القسوة، إذ كنت أتمنى الموت يومياً؛ فقد كان أرحم مما نعيشه، وفي كل يوم ضرب، وتعذيب، وإهانات، وجوع. كنّا ننتظر دور الإعدام كلما أعلنوا عن نقل سجناء للإعدام على أمل أن يكون خلاصاً من العذاب".
ويؤكد: "لم نكن نتوقع أن نخرج من سجن صيدنايا. كان الشعور غريباً إلى درجة لا تُصدَّق. كنّا نأمل أن يأتي اليوم الذي يسقط فيه النظام، وكنّا نعتقد أنه إذا بقينا ثابتين فسيأتي يوم يكتب الله لنا فيه الخلاص. في ليلة التحرير سمعنا صوت إطلاق نار، وقد كنّا معزولين عن العالم، ولا نعرف شيئاً عما يحدث خارج الزنزانة، ثم اشتدّ إطلاق النار، وسمعنا أصوات خلع أبواب، فدبّ فينا الرعب. خشينا أن يكون هناك عصيان، أو هجمة من عناصر السجن، وهؤلاء لا يعرفون الرحمة، وحياة السجين لا قيمة لها عندهم".
يضيف السرماني: "لم أكن أصدّق ما يجري، وحتى اليوم، أحياناً لا أستطيع تصديق أنني خرجت من السجن، ويصعب علي النوم. عشت لحظات لا تُنسى عندما شاهدت أولادي وأهلي مجدداً. لكن مشاهد التعذيب والقتل لا تفارق ذاكرتي، ولا أستطيع النوم من دون دواء، وأخشى أن أستيقظ فأجد نفسي في السجن من جديد. أعاني من آلام كسر في الظهر وآثار كسور متعددة بسبب التعذيب، وأتلقى العلاج حتى الآن، وكل ما أرجوه أن أتعافى كي أعود إلى عملي، وأتمكن من إعالة أسرتي".
ينحدر الشاب فهد العماوي من بلدة دير بعلبة بريف حمص، وقد اعتُقل في عام 2019 خلال محاولة الانشقاق عن قوات النظام السابق، وتنقّل بين عدة أفرع أمنية، لينتهي به المطاف في سجن صيدنايا. ويؤكد أن الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 كان يوم ولادته الجديدة، إذ لم يكن يتوقع الخلاص من المعتقل.
يقول العماوي لـ"العربي الجديد": "تعرّضت للكثير من التعذيب في السجن، لا سيما في أول أيامي، حين تُركت لمدة ثمانية أيام في المنفردة. السجن لم تكن فيه رعاية صحية، وكان معظم السجناء يصابون بأمراض مثل السل والجرب، وفي زيارة نادرة لطبيب السجن، أخبرته عن ألم في رأسي بعد أن ضربني أحد السجانين بالحائط، فطلب الطبيب من أحد السجانين إعطائي حبة دواء، وعندها ضحك السجان، وطلب مني أن أجثو على الأرض، وضربني على رأسي بالعصا قائلاً هذا علاجك".
رغم خروجه من السجن، لا يزال العماوي يعاني من نوبات خوف، وقد بدأ حياة جديدة عبر الزواج، لكنه لا يملك منزلاً، وأوضاعه المعيشية سيئة، ويتكفل شقيقه بإعالته، وهو يأمل أن يجد عملاً يناسب وضعه الصحي في أقرب وقت.