استمع إلى الملخص
- يواجه المزارعون الفلسطينيون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم بسبب القيود الإسرائيلية، كما هو الحال مع فوزي حج عمر الذي فقد محصوله بسبب سرقة المستوطنين، حيث تتطلب الأراضي ضمن التصنيفات (أ) و(ب) تنسيقاً مسبقاً للوصول إليها.
- تهدف الاعتداءات إلى خلق بيئة طاردة للمزارعين الفلسطينيين، مما يهدد العلاقة التاريخية بين الفلسطينيين وأرضهم، مع تضرر أكثر من ألف شجرة زيتون.
تتواصل تعديات المستوطنين وسرقتهم محاصيل الزيتون الفلسطيني وأشجار أخرى بالضفة الغربية المحتلة، في عملية ممنهجة لتهجير المزارعين وقطع سبل عيشهم، حيث سجل منذ انطلاق الموسم 259 اعتداء ضد قاطفي الزيتون.
تتصاعد في الضفة الغربية المحتلة اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد المزارعين الفلسطينيين مع بدء موسم قطاف الزيتون إلى جانب الاعتداءات المستمرة طيلة العام. وقد تحولت سرقة ثمار الزيتون وتخريب الأشجار وسيلة ممنهجة للسيطرة على الأراضي وحرمان الأهالي من مصدر رزقهم الأساسي، في محاولة لفرض واقع استيطاني جديد يهدد الوجود الفلسطيني وقطاعاته الزراعية والاقتصادية الحيوية.
ظلّ الفلسطيني فوزي حج عمر (أبو فادي) على مدار شهر كامل يراقب أرضه من بعيد، من جبال بلدته المزرعة الشرقية شمال شرقي رام الله، وسط الضفة الغربية. يتكدر صفوه يومياً حين يشاهد بأم عينيه انتشار المستوطنين في أرضه، حيث يقطفون أشجار الزيتون التي زرعها مع أشقائه قبل 26 عاماً، فضلاً عن أشجار زيتون رومي (زيتون معمّر) ورثها عن والده.
أكثر من 400 شجرة زيتون على امتداد قرابة 40 دونماً، استثمر فيها فوزي، الرجل السبعيني، بالشراكة مع أشقائه، بالإضافة إلى زراعة العنب على امتداد نحو 15 دونماً. لكن بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، صار من الصعب أو حتى المستحيل الوصول إليها لقطف المحاصيل، كونها تقع غرب الشارع الاستيطاني المسمى شارع "60"، والذي يفصل الأراضي عن البلدة، وسط انتشار المستوطنين في تلك الأراضي، واعتداءاتهم المتكررة ضد المزارعين الفلسطينيين، والتي أدت إلى استشهاد شابين في يوليو/ تموز الماضي.
وعلى الرغم من أن تلك الأراضي تقع ضمن التصنيفات (أ) و(ب) وفق اتفاق أوسلو، أي إنها تتبع لسيطرة السلطة الفلسطينية، غير أنها صارت في حاجة إلى تنسيق مسبق للوصول إليها وقطف محصولها من الزيتون. والتنسيق يعني الحصول على تصريح مسبق من الاحتلال الإسرائيلي عبر الارتباط الفلسطيني (جهة التواصل الرسمية مع مؤسسات الاحتلال وجيشه).
ويؤكد أبو فادي لـ"العربي الجديد" أنه لم يكن يأمل الكثير من مسألة "التنسيق"، فهو يراقب يومياً عمليات سرقة أرضه، وكان يتوقع ألا يجد أي ثمرة على الأشجار، لكنه تفقد أرضه يومَي 27 و28 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كما باقي أهالي بلدته، بعد أن بلّغهم الارتباط الفلسطيني بالموعد.
بحسرة، يروي أبو فادي ما حلّ بأرضه، فقد سرق المستوطنون نحو 90% من ثمارها، ومن مختلف الأشجار المزروعة، ولا سيما الصغيرة الحجم التي تشكل العدد الأكبر من أشجار أرضه، نظراً إلى سهولة قطفها من دون الحاجة إلى السلالم أو المعدات، بينما اقتصرت سرقة الأشجار المعمّرة على الأطراف. ويقول: "لقد حُرمنا لفترة طويلة من الوصول إلى أرضنا وأشجارنا، واليوم نجدها قد نُهبت، علماً أنها كانت استثمار وشقى العمر. كنتُ أعتمد على موسمَي الزيتون والعنب من أجل تأمين لقمة العيش، وهو مورد فقدته منذ عامين، ولم يبقَ لي سوى ربع الإنتاج وربع الأراضي في منطقة مجاورة، وتحديداً في بلدة خربة أبو فلاح".
كانت أرض حج عمر وأشقائه تنتج سنوياً نحو 150 تنكة (صفيحة) زيتون (تتّسع االواحدة منها لـ15 كيلوغراماً)، لكن مع سرقة المستوطنين للثمار، وقلة الإنتاج هذا العام بسبب عوامل طبيعية، أنتج فقط تنكة واحدة، بعدما استطاع قطف بعض الثمار على مدى يومين.
ويشير إلى أن مماطلة الاحتلال في منح التصريحات المسبقة تحت ما يُسمى "التنسيق"، هدفها إعطاء المستوطنين الوقت الكافي لسرقة أراضي المزارعين الفلسطينيين. ويضيف: "في 14 أكتوبر الماضي، قرر الأهالي الذهاب بشكل جماعي إلى أراضيهم وقطف الزيتون، لكنهم تفاجؤوا بقرار من جيش الاحتلال يمنع ذلك، علماً أن الأراضي ليست مصنّفة ضمن المنطقة (ج) بحسب اتفاق أوسلو".
ويؤكد رئيس بلدية المزرعة الشرقية، محمد صابر، لـ"العربي الجديد"، أن ستة آلاف دونم غربي شارع "60" الاستيطاني، محرّم على الأهالي من أصل 16 ألف دونم، وهي المساحة الكلية للبلدة، أي إن 37.5% من أراضي البلدة حُرم منها الأهالي؛ علماً أنها تضم نحو 70% من أشجار الزيتون، والعديد من العزب الزراعية (البيوت الزراعية).
ويكشف صابر أن سرقة ثمار الزيتون تُرتكب كل يوم منذ بدء موسم القطاف، وليس ذلك فحسب، بل يقوم المستوطنون باستخدام العصي لضرب الأشجار وتخريب أغصانها، والهدف هو إيذاء الناس بأرزاقهم، كما يقول، وحرمانهم من الموسم الذي يشكل مورداً اقتصادياً مهماً للعائلات، إضافة إلى تخريب كل العزب الزراعية، وسرقة محتوياتها، وحتى المكوث والمبيت فيها. وبينما كان أهالي المزرعة الشرقية يتمتعون باكتفاء ذاتي من إنتاج الزيت والزيتون، كما يؤكد صابر، اضطر معظمهم هذا العام إلى شرائهما، ما يعني عبئاً إضافياً، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
تبدو سرقة ثمار الزيتون عملية ممنهجة ومنظمة من المستوطنين، حيث انتشرت الظاهرة في معظم المناطق التي تقع قرب المواقع الاستيطانية، سواء مستوطنات أو بؤر استيطانية أو حتى مجرد شوارع استيطانية. وفي 28 أكتوبر الماضي، أفاد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان، بأن جيش الاحتلال والمستعمرين نفذوا ما مجموعه 259 اعتداء ضد قاطفي الزيتون، منذ انطلاق الموسم في الأسبوع الأول من أكتوبر، بحسب وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا".
وأضاف، أن طواقم الهيئة رصدت تنفيذ جيش الاحتلال 41 حالة اعتداء، والمستعمرين 218 حالة، مبيناً أن هذه الاعتداءات راوحت بين الاعتداء الجسدي العنيف، وحملات الاعتقالات، وتقييد الحركة ومنع الوصول، والتخويف والترهيب، وإطلاق النار المباشر كما حدث في محافظة طوباس، وأن الاعتداءات تركزت في محافظات رام الله (83 اعتداء)، ونابلس (69)، تلتها الخليل (34). وكشف شعبان أن 125 عملية اعتداء تعرضت لها الأراضي المزروعة بالزيتون في الموسم الحالي، منها 46 عملية قطع وتكسير وتجريف لأراضٍ مزروعة بالزيتون أدت إلى تخريب ما مجموعه 1,070 شجرة زيتون.
ويؤكد مدير عام العمل الشعبي في الهيئة، عبد الله أبو رحمة، لـ"العربي الجديد"، أن المستوطنين يسابقون الزمن منذ بداية أكتوبر، للوصول إلى أكبر قدر من حقول الزيتون، لتنفيذ اعتداءاتهم وسرقة الثمار. ويقول: "نشاهدهم في مواقع كثيرة، وعلى جوانب الطرقات، يضعون مركباتهم ويتسلقون الأشجار، ويسرقون الثمار، إلى جانب التكسير ووضع المواد السامة على جذوع الأشجار، ما أدى إلى تضرر أكثر من ألف شجرة خلال الموسم الحالي، بينما تضررت 37 ألف شجرة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم".
ويلفت أبو رحمة إلى أن جيش الاحتلال والمستوطنين يرتكبون هذه التجاوزات لمعرفتهم بأهمية موسم الزيتون بالنسبة إلى المزارعين الفلسطينيين الذين ينتظرونه بفارغ الصبر، كونه مصدر رزقهم الأساسي. ويهدف المستوطنون بذلك إلى خلق بيئة طاردة للمزارع الفلسطيني، كي يترك أرضه، وفقاً لقول أبو رحمة، حيث تنقطع تلك الصلة التاريخية بين الفلسطيني وأرضه، وتنعدم تلك العلاقة المميزة بينهما على الصعد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.