سورية: اعتقال 3 متهمين بانتهاكات المستشفيات العسكرية يفتح ملف الجرائم الطبية

29 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 19:51 (توقيت القدس)
مستشفى تشرين العسكري في دمشق، 10 يناير2025 (بكر القاسم/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- ألقت قوى الأمن الداخلي السورية القبض على ثلاثة متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة في المستشفيات العسكرية، ضمن حملة تستهدف مسؤولين متورطين في جرائم ضد المعتقلين، مع مطالبات بتحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة.
- التحقيقات كشفت تورط الموقوفين في تعذيب المعتقلين والمرضى، واعترف أحدهم بالمشاركة في قمع المتظاهرين. تستمر الجهود لتوثيق الجرائم وإحالة المتورطين للقضاء.
- شدد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على أهمية التوقيفات لكشف دور المستشفيات في القمع، داعياً لتحقيقات مستقلة وربطها بالعدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي.

أعلنت قوى الأمن الداخلي السورية، اليوم الأربعاء، إلقاء القبض على ثلاثة من أبرز المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة داخل المستشفيات العسكرية خلال فترة حكم النظام السابق، في خطوة تُضاف إلى سلسلة من عمليات التوقيف التي تستهدف مسؤولين أمنيين وعسكريين وطبيين متهمين بالتورط في جرائم بحق المعتقلين، وسط مطالب حقوقية بضمان تحقيقات مستقلة ومحاكمات تستند إلى معايير العدالة الدولية.

وقالت قوى الأمن الداخلي إن الوحدات المختصة في وزارة الداخلية ألقت القبض على العميد الطبيب علي محمد عاصي، المدير السابق لمستشفى حمص العسكري، وماهر عبدو قنب، العنصر السابق في الشرطة العسكرية بمستشفى تشرين، ومحمد علي منصور، الذي خدم سابقاً في الأمن العسكري والفرقة 18 قبل نقله إلى مستشفى حمص العسكري.

وأضافت قوى الأمن الداخلي أن "التحقيقات، المدعومة بالأدلة والقرائن ومقاطع الفيديو، أظهرت تورط الموقوفين في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين والمرضى داخل المستشفيات العسكرية، شملت ممارسة التعذيب الممنهج، ولا سيما بحق المحالين من سجن صيدنايا". وبحسب بيان الوزارة، أقرّ محمد علي منصور خلال التحقيقات بمشاركته في قمع متظاهرين سلميين، والتورط في اعتقال وإخفاء عدد من الشبان قسراً على حاجز باب الدريب بمدينة حمص عام 2014، قبل انتقاله إلى مستشفى حمص العسكري، حيث شارك، وفق البيان، في تعذيب المعتقلين والمرضى. وأكدت الوزارة أن التحقيقات لا تزال مستمرة لاستكمال توثيق الجرائم المنسوبة إلى الموقوفين وكشف جميع المتورطين تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص.

وفي تعليق على هذه التطورات، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن أهمية هذه التوقيفات تتجاوز توقيف أفراد بعينهم، لأنها قد تكشف الدور الذي أدته بعض المستشفيات العسكرية ضمن منظومة القمع التي اعتمدها النظام السابق. وأضاف أن القانون الدولي يحظر التعذيب والقتل والإخفاء القسري والحرمان التعسفي من الحرية، ويلزم السلطات بإجراء تحقيقات سريعة ومستقلة كلما توفرت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع مثل هذه الجرائم. وأوضح أن "استخدام المستشفيات العسكرية، إذا ثبت، في احتجاز المعتقلين وتعذيبهم أو حرمانهم من العلاج أو إخفاء مصيرهم، قد يجعلها جزءاً من منظومة الانتهاكات، وليس مجرد مرافق شهدت تجاوزات فردية". وأضاف أن "هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين، كما قد تشكل جرائم حرب إذا ارتبطت مباشرة بالنزاع المسلح".

وفي ما يتعلق بالأدلة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، شدد عبد الغني على أن التسجيلات المصورة وإفادات الموقوفين "تمثل خيوطاً تحقيقية مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية الجنائية، إذ ينبغي التحقق من أصالتها وسلامة حفظها وسياقها، فضلاً عن التأكد من أن الاعترافات أُدلي بها طوعاً وبحضور الضمانات القانونية، وعدم انتزاعها تحت الإكراه أو التعذيب". وأشار إلى "ضرورة تدعيم هذه المواد بأدلة مستقلة، تشمل شهادات الضحايا والعاملين السابقين، وسجلات المستشفيات والوفيات والتحويلات، والوثائق العسكرية، والأدلة الرقمية، والفحوص الطبية والجنائية، بما ينسجم مع المعايير الدولية، وفي مقدمتها بروتوكول إسطنبول الخاص بالتحقيق في ادعاءات التعذيب".

ودعا عبد الغني السلطات السورية إلى "إجراء تحقيق قضائي مستقل ومتخصص، وتأمين الأرشيف والسجلات الطبية والعسكرية، واعتماد استراتيجية ملاحقة لا تقتصر على المنفذين المباشرين، وإنما تمتد إلى كل من أصدر الأوامر أو وفر الغطاء أو ساهم في إخفاء الجرائم أو تزوير السجلات، مع ضمان حماية الضحايا والشهود وحقوق المتهمين، وربط هذه الإجراءات بمسار العدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي".

وتأتي هذه التوقيفات في سياق حملة أوسع أعلنتها السلطات السورية خلال الأشهر الماضية، شملت توقيف نحو 40 طبيباً وضابطاً ورؤساء أقسام طبية سابقين، على خلفية اتهامات بالقتل العمد والتعذيب وتصفية معتقلين، إضافة إلى التحقيق في مزاعم تتعلق بعمليات انتزاع أعضاء من معتقلين. ويرى حقوقيون أن نجاح هذه الملفات سيقاس بقدرة القضاء على إجراء محاكمات مستقلة وشفافة تستند إلى أدلة موثقة، بما يضمن إنصاف الضحايا ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، وصولاً إلى ترسيخ مسار العدالة الانتقالية في سورية.