الطبيبة سماح جبر: "التجويع" في غزة يزرع صدمة نفسية ستمتد لأربعة أجيال
استمع إلى الملخص
- توضح جبر أن التجويع القسري في غزة هو سياسة لكسر الإرادة الجماعية، واصفة الوضع بأنه "صدمة استعمارية" تؤثر على الحياة اليومية وتزيد من الاضطرابات النفسية للأجيال اللاحقة.
- تشير جبر إلى انهيار منظومة الدعم النفسي في غزة خلال الهجوم الإسرائيلي في أكتوبر 2023، مؤكدة أن المعاناة مستمرة رغم وقف إطلاق النار، حيث يؤثر الجوع على الجسد والذاكرة التاريخية.
تحذّر الطبيبة الفلسطينية المختصة بالصحة النفسية، سماح جبر، من أن سياسات التجويع الممنهج وحرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتهما إسرائيل في قطاع غزة، لا تخلّف دماراً آنياً فحسب، بل تزرع صدمة نفسية عميقة قد تمتد آثارها لأجيال متعاقبة. وتوضح جبر لـ"الأناضول"، أن الأضرار النفسية والاجتماعية الناجمة عن هذه الممارسات قد لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل يُرجّح أن تستمر لثلاثة أو حتى أربعة أجيال قادمة، لتتحول إلى "جرحٍ غائر" في الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني.
وتلفت جبر إلى أن الفلسطينيين في غزة عانوا طويلاً من سوء تغذية مزمن، مؤكدة أن "التجويع القسري" الحالي ليس نتيجة عرضية للحرب، بل هو سياسة مقصودة تستهدف "كسر الإرادة الجماعية".
وترى جبر، وهي إحدى أبرز المختصات الفلسطينيات في مجالها، أن العالم يشهد اليوم، في القرن الحادي والعشرين، واقعاً صادماً يتمثل بوفاة مدنيين بسبب انخفاض حرارة أجسادهم (Hypothermia) نتيجة حرمان الغذاء والمأوى. وتبيّن أن المأساة لا تقتصر على الجوع وحده، بل تشمل تراكماً طويل الأمد من العوامل النفسية القاسية، أبرزها العزلة القسرية، وانعدام حرية الحركة منذ عقود، إلى جانب التعرض المستمر للقصف المكثف على مدى أكثر من عامين، ما ولّد شعوراً متنامياً لدى الفلسطينيين بأنهم "خارج دائرة الاهتمام العالمي"، وأنهم تُركوا لمصيرهم.
"صدمة استعمارية" في غزة
منظومة الدعم الهشة "انهارت بالكامل" في غزة خلال الأسابيع الأولى من الهجوم الإسرائيلي
وتشير جبر إلى أن غزة، رغم الحصار الطويل، كانت تضم قبل الحرب عدداً من المبادرات والمؤسسات الداعمة للصحة النفسية، إلا أن هذه المنظومة الهشة "انهارت بالكامل" خلال الأسابيع الأولى من الهجوم الإسرائيلي الذي بدأ في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وتردف بأن كثيراً من زملائها العاملين في الصحة النفسية قُتلوا أو أُصيبوا أو نزحوا، فيما اضطر آخرون، تحت ضغط الحاجة، إلى الانشغال بتأمين الغذاء لأطفالهم بدلاً من ممارسة عملهم المهني. وتنقل جبر رسالة مؤثرة من زميلها الطبيب النفسي محمد سعيد كحلوت، قال فيها إنه يقلل طعامه إلى الحد الأدنى ليطعم أطفاله، موضحاً أن الجوع أفقده القدرة على العمل والاستماع إلى المرضى. وتعلق بالقول: "عندما يكون المعالج نفسه جائعاً، فإن الجوع لا يدمّر جسده فقط، بل يقوّض قدرته الوظيفية، ويؤثر بتوازنه النفسي والجسدي في آن واحد".
وتبيّن الطبيبة الفلسطينية أن الصدمة لا تقتصر على سكان القطاع، بل تمتد إلى الضفة الغربية والقدس؛ حيث لمست خلال جلساتها العلاجية شعوراً عاماً بوجود "تهديد وجودي شامل"، عمّقه الإفلات المستمر لإسرائيل من العقاب. وتشدد على أن فهم معاناة المرضى الفلسطينيين يتطلب إدراك السياق السياسي، لأن الألم النفسي لديهم لا ينفصل عن واقع "القهر البنيوي".
ورغم الحديث عن "وقف إطلاق النار"، توضح جبر أن المعاناة الإنسانية لم تنتهِ؛ إذ لا يزال نقص الغذاء والرعاية الصحية يحصد الأرواح. وتقول: "ما زال الناس يموتون بسبب أمراض لم تُعالج، والتهابات، وأمراض مزمنة كالسكري، والحاجة لغسل الكلى. الشتاء يفاقم المأساة، والناس يواجهون البرد وهم يعانون من سوء تغذية حاد".
وفي سياق تحليلها العلمي، تستشهد جبر بتجربة "مينيسوتا للجوع" (1944-1945)، التي درست آثار الجوع طويل الأمد، وأظهرت تدهوراً حاداً في السلوك النفسي والاجتماعي للمشاركين، وفقدانهم الدافع، وميلهم للعدوانية والاكتئاب. وتختم جبر حديثها بالقول: "الجوع لا يستهدف الجسد فقط، بل يترك أثره في الذاكرة التاريخية. عندما يعرف الأطفال أن آباءهم وأجدادهم عانوا التجويع، فإن علاقتهم بالطعام والمال والأمان ستختلف؛ وهذا الشعور بعدم اليقين سينتقل عبر الأجيال ويظهر في أساليب التربية ونظرة الإنسان إلى مستقبله لسنوات طويلة قادمة".
(الأناضول)