عائدو النبطية... حياة فوق الركام وخشية من التصعيد جنوبي لبنان
فيما فضّل كثيرون من سكان محافظة النبطية جنوبي لبنان التريّث قبل العودة إلى قراهم وبلداتهم بعد حربٍ إسرائيلية مدمّرة، بدا لافتاً في جولة لـ"العربي الجديد" حجم الخراب الذي طاول المنازل والمؤسسات والطرقات وشتّى مقوّمات الحياة، فيما سُجّلت حركة خجولة لبعض العائدين، وسط تمنياتٍ في أن تكون هذه آخر الحروب.
رغم استمرار أصوات المدفعيّة والتفجيرات في محافظة النبطية ومحيطها في جنوب لبنان، بدأت بعض قرى المحافظة تستعيد بحذرٍ شديد مظاهر الحياة اليومية. فالعودة ما تزال مقرونة بالخوف من توسّع الحرب الإسرائيلية التي تجدّدت في 2 مارس/ آذار الماضي وما تزال مستمرة في بعض البلدات الجنوبية رغم وقف إطلاق النار، فيما يواجه العائدون تحدّي إعادة بناء حياتهم وتأمين مصادر رزقهم، وسط دمارٍ واسع طاول المنازل والمحالّ التجارية والبنى التحتية.
جال فريق "العربي الجديد" في عددٍ من قرى قضاء النبطية جنوبي لبنان، بينها جبشيت وحاروف وتول والكفور، وهي بلدات متجاورة تعرّضت لأضرارٍ جسيمة في خلال الحرب الأخيرة، حيث ما تزال الحركة خجولة رغم عودة عددٍ من الأهالي.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
مخاطر وقلق دائم
في ساحة بلدة جبشيت في جنوب لبنان يبدو بوضوح الدمار الكبير الذي لحق بمحالٍّ تجارية تُعدّ الشريان الاقتصادي الأساسي للبلدة، كما طاولت الغارات الإسرائيلية مركز الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية الإسلامية، ما أدّى إلى استشهاد عددٍ من المسعفين.
أمام ملحمةٍ في ساحة البلدة، كان عماد جابر يزيل الغبار الناجم عن أعمال رفع الركام، ويقول لـ"العربي الجديد": "ما تزال عملية رفع الأنقاض قائمة في الساحة، ما يؤدّي إلى تطاير الغبار بشكل يومي". ويضيف: "فتحنا المحل أخيراً، لكن الوضع تأزّم في 23 يوليو/ تموز الماضي، ما دفع بعض الأهالي إلى مغادرة البلدة مجدداً". وإذ لا يُخفي جابر تخوّفه من عودة الحرب، يأمل في أن تتحسّن الحركة قريباً، وأن تستعيد الساحة حيويتها.
وفي أحد محالّ بيع الهواتف الخلوية، تقف حوراء منتش داخل محلّ يكاد يخلو من الزبائن. وتتحدث إلى "العربي الجديد" عن الأضرار التي لحقت بالمحل، والتي دفعتها إلى تغطية واجهته بالنايلون، بانتظار بدء أعمال الكشف على الأضرار. ولم تقتصر خسائرها على المحل، إذ دُمّر منزلها في البلدة بالكامل، ما اضطرّها إلى البقاء في المنزل الذي استأجرته مع عائلتها في منطقة كفرجرة بقضاء جزين (جنوب)، قائلةً: "الوضع ما يزال خطِراً، ولا نعلم إن كنّا سننزح مرّة أخرى".
أمّا نور عبيد، صاحبة محلّ للمونة وبيع البقوليات، فقد أعادت فتح متجرها في 26 يوليو الماضي، بعد أسبوعٍ كامل أمضته في تنظيفه، والتخلّص من البضائع التالفة، وإزالة الزجاج الذي تناثر بفعل عصف الغارات على ساحة البلدة. وتقول لـ"العربي الجديد": "لم أُحصِ بعد حجم الأضرار والخسائر، ولم أشترِ بضاعة جديدة بانتظار اتّضاح مصير الاتفاق الأمني، أو ما يُسمّى بالهدنة. اكتفيتُ بتنظيف المحل، ووضع النايلون مكان الواجهة الزجاجية".
وفي أحد محالّ الألبسة، تقف نور ترحيني التي أوكل إليها صاحب المحل إعادة فتحه، بعدما افتتح بدوره محلّاً آخر في بلدة برجا بقضاء الشوف (جبل لبنان) في خلال فترة نزوحه. وتقول لـ"العربي الجديد": "اضطرّ صاحب المحل إلى افتتاح متجرٍ في برجا ليتمكّن من تأمين رزقه خلال الحرب، فيما عدتُ إلى جبشيت بطلبٍ منه لإعادة فتح المحل، وقمت بتنظيفه وإزالة الغبار عن الثياب". وتضيف ترحيني: "أنا متفائلة، ولا أشعر أنّ الحرب ستعود. كلّ يوم ألتقي أشخاصاً جُدداً يقصدون المحل، وخصوصاً أولئك الذين خسروا منازلهم وأغراضهم الشخصية، ويحتاجون إلى ملابس جديدة".
وخلال وجودها في المحل، كانت مريم فحص تشتري بعض الملابس، وتحدّثت إلى "العربي الجديد" عن معاناة عائلتها التي دُمّرت منازل أفرادها بالكامل، قائلةً: "نعيش حالة قلق دائم. نمكث أياماً في البلدة، لكن عندما يشتدّ القصف في محيطنا، ولا سيّما من جهة بلدة كفرتبنيت وتلة علي الطاهر، ننزح مجدّداً إلى بلدة جدرا في قضاء الشوف". وتتابع: "لدينا مجرشة قمح، ويحاول أبنائي البدء بموسم الحصاد لتعويض ما فاتنا، لكن الموسم هذا العام ضعيف مقارنةً بالعام الماضي، ونأمل في أن تهدأ الأوضاع في لبنان في أقرب وقت".
من جهته، يتحدّث رئيس بلدية جبشيت حسين فحص إلى "العربي الجديد" عن الحصيلة الأولية لأضرار الحرب، موضحاً أنّ 137 وحدة سكنية دُمّرت بالكامل، إضافة إلى نحو 60 محلّاً تجارياً، فيما تضرّرت نحو 1500 وحدة سكنية بدرجات متفاوتة، تراوحت بين الأضرار الجزئية والخفيفة، فضلاً عن تضرّر نحو 100 محلّ تجاري بشكلٍ جزئي.
وعن استضافة العائلات النازحة، ولا سيّما من القرى الحدودية، يوضح فحص أنّ جبشيت كانت تؤوي قبل الحرب نحو 50 عائلة نزحت من القرى الحدودية في جنوب لبنان واستقرّت فيها في أعقاب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 (حرب الإبادة الجماعية في غزة)، وقد عادت نحو 30 عائلة منها إلى بلداتها بعد وقف إطلاق النار الأخير. لكنّ التحدّي الأكبر اليوم، بحسب فحص، يتمثّل في أزمة السكن داخل البلدة، إذ إنّ عدداً كبيراً من منازل الأهالي دُمّر أو تضرّر، ما دفع كثيرين إلى الإقامة مؤقتاً لدى أقاربهم، أو في شققٍ يملكها أفراد من عائلاتهم، أو في منازل تعود لأشخاص يقيمون خارج البلدة أو خارج لبنان. ويرى أنّ إيجاد مساكن بديلة يُعدّ إحدى أبرز المشكلات في مرحلة ما بعد الحرب.
ظروف معيشية معقّدة
وفي حاروف، تبدّلت ملامح البلدة تحت وطأة الغارات الإسرائيلية التي خلّفت دماراً واسعاً في الأبنية والمحالّ التجارية. وعلى طول الأوتوستراد (الطريق السريع) الذي يربط البلدة بكلٍّ من تول والكفور، تبدو غالبية المحالّ مقفلة، بعدما كان هذا الشريان الحيوي يعجّ بالحركة ويستقطب المتسوّقين من مختلف قرى قضاء النبطية، ولا سيّما إلى المحالّ الصناعية والتجارية.
وفي خلال جولة "العربي الجديد"، كانت حاروف تودّع أحد أبنائها في مشهدٍ يُلخّص واقع البلدة التي يحاول سكانها استعادة حياتهم، بينما ما زالوا يدفعون أثمان الحرب وآثارها اليومية. يقف حسين أيوب أمام محلّ لتصليح إطارات السيارات، وما إن يُسأل عن أحوال البلدة حتى تدمع عيناه. فقد أدّت إحدى الغارات إلى استشهاد شقيقه، فيما نجا هو بأعجوبة. يقول لـ"العربي الجديد": "لا أعلم كيف نجوتُ. اليوم أشعر بفراغٍ كبير، فقد كان أخي يشاركني العمل في المحل، أمّا الآن فأكمل الحياة والعمل وحدي". ويضيف: "حتى اليوم، لم يعد جميع السكان إلى البلدة. لقد رمّمتُ الكراج المتضرّر، لكنّ أحداً لم يأتِ للكشف على الأضرار. أمّا بالنسبة لأفراد عائلتي فيحاولون التأقلم مع أصوات الغارات والمدفعية، لكن لا أعلم إلى متى سنحتمل هذا الوضع".
وتقول هنادي شبيب إنّها عادت إلى حاروف في منتصف يونيو/ حزيران الماضي بعد أشهرٍ من النزوح، وتقف اليوم في محلّ لبيع الهواتف، تحاول إعادة تشغيله. وتخبر "العربي الجديد" أنّها تبدأ اليوم من الصفر بعد حربٍ قاسية، موضحةً أنّ العودة لم تكن سهلة، إذ ما تزال الظروف المعيشية والاقتصادية شديدة الصعوبة. وتلفت إلى أنّ حركة المارّة في البلدة تكاد تكون معدومة، قائلةً: "في اليوم الواحد بالكاد يدخل زبونٌ أو اثنان". وتشير شبيب إلى أنّ الشبكة العامة للكهرباء لم تُصلّح بالكامل بعد، ما يضطرّ الأهالي إلى الاعتماد على اشتراكات المولّدات الخاصة، إلا أنّ هاجس الحرب ما يزال يرافق السكان، إذ تُعيد أصوات المدفعية ليلاً الخوف إلى النفوس، وفقاً لقولها.
وفي مبنى متضرّر، أصرّ الشاب علي نصّار على افتتاح دكّانة صغيرة مقابل جبّانة البلدة التي تعرّضت لغاراتٍ إسرائيلية. ويوضح أنّ عائلته دفعت ثمناً باهظاً في خلال الحرب، تمثّل باستشهاد شقيقه، وتدمير منزل العائلة، إضافةً إلى تضرّر متجرهم الكبير (سوبر ماركت)، ومحلّه المخصّص لتصليح السيارات. ويشير نصار إلى أنّه يملك ثلاثة محالّ تجارية، تضرّرت كلّها بدرجاتٍ متفاوتة، لافتاً إلى أنّ الحجارة والركام تساقطا داخل الـ"سوبر ماركت"، ما اضطرّه إلى إجراء إصلاحاتٍ بسيطة تتيح له استئناف العمل بالحدّ الأدنى. ويختم بالقول إنّ كثيراً من الأهالي ما زالوا متردّدين في ترميم منازلهم أو محالّهم، بسبب استمرار المخاوف من اندلاع جولةٍ جديدة من الحرب.
حالة ترقّب واستنفار
رغم عودة بعض المحال إلى العمل، ما تزال بلدة تول في جنوب لبنان تحمل ندوب الحرب في شوارعها وأحيائها. وبين الأبنية المتضررة، يحاول أصحاب المصالح إعادة فتح أبوابهم والبدء من جديد. يقف محمد عطوي أمام محلّه المدمّر، فيما كان في الجهة المقابلة، يُجهّز محلاً ليكون بديلاً مؤقتاً يمكّنه من استئناف عمله. وعلى مقربةٍ منه، كان أطفاله يلهون بين التراب والحجارة، في مشهدٍ تختلط فيه قسوة الحرب بمحاولات التشبّث بالحياة. ويقول عطوي لـ"العربي الجديد": "تجاوزت خسائري مائة ألف دولار أميركي، ورغم ذلك متمسّك بالبقاء في البلدة؛ فهذه أرضنا، وسنبقى فيها ونُعمّرها". ورغم محاولات استعادة الحياة، يؤكّد عطوي أنّ الأهالي يعيشون في حالة ترقّب واستنفار، بسبب المخاوف من تجدّد الحرب، قائلاً: "لا نريد أيّ حرب، وكلّ ما نريده أن يعيش الجميع بأمان".
وفي مشهدٍ يكاد يبدو سريالياً، أعاد ثلاثة أصحاب متاجر فتح أبواب محالّهم داخل مبنى تعرّض لأضرارٍ جسيمة، وباتت حالته الإنشائية توحي بأنّه قد يكون مهدّداً بالانهيار في أيّ لحظة. وتضمّ الطوابق الأرضية للمبنى صيدلية و"سوبر ماركت" ومحلّاً لبيع الأدوات المنزلية والورود، في مشهدٍ يعكس إصرار أصحابها على البقاء والعمل، رغم الدمار الذي يحيط بهم.
ويقول محمد حيدر، صاحب السوبر ماركت، إنّ المبنى تعرّض لأضرارٍ جسيمة من جرّاء الحرب، مشيراً إلى أنّ حجم الدمار كان يمكن أن يكون أكبر بكثير لو انفجر الصاروخ الذي أصاب المبنى. ويؤكّد أنّ الخوف من استمرار التوتّر الأمني لم يمنعه من إعادة فتح متجره، إذ باشر العمل رغم الإقبال المحدود وتردّد الأهالي في العودة إلى حياتهم الطبيعية، قائلاً: "الناس ما زالت متخوّفة، لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ لا بدّ أن نفتح ونحاول استعادة أعمالنا". ويؤكّد حيدر لـ"العربي الجديد" أنّ الظروف ما تزال غير مستقرة، وأنّ الأهالي يعيشون بين الرغبة في إعادة إعمار ما تهدّم والخشية من تجدّد الحرب، ويضيف: "لدينا عائلات ومصالح، ولا نستطيع أن نخاطر بكلّ ما نملك، لكنّنا في الوقت ذاته، نحاول التمسّك بأرضنا ومواصلة حياتنا".
وبكلماتٍ وجيزة، اختصر جاره علي سعيد، وهو من بلدة يحمر الشقيف بقضاء النبطية، المشهد بالقول: "الصمت أفضل من الكلام في مثل هذا الوضع". وفي خلال الحرب، نزح سعيد إلى منطقة إقليم الخروب (جبل لبنان)، قبل أن يعود إلى بلدة تول حيث كان يقيم، ويعيد فتح متجره، إذ يواصل تنظيفه وإعادة ترتيبه، تمهيداً لاستئناف العمل بصورةٍ طبيعية. ويشير إلى أنّ الأوضاع الأمنية والاقتصادية خلقت لدى كثيرين شعوراً بأنّ كلّ شيءٍ من حولهم ينهار.
محاولات لاستعادة الحياة
أمّا في بلدة الكفور، فتبدو بعض الأحياء أقرب إلى قريةٍ مهجورة، إذ لم يعد معظم السكّان إليها بعد. وبين المحالّ القليلة التي استعادت نشاطها، أعادت أماني كريّم فتح مطعمها المتخصّص ببيع الدجاج والسندويشات، في محاولةٍ لاستعادة حياتها الطبيعية بعد أشهرٍ من النزوح. وتروي أنّ الأيام الأولى بعد العودة كانت صعبة، إذ اضطرّت إلى التخلّص من كلّ البضاعة الموجودة في المحل بعدما تلفت في خلال الحرب. وتشير كريّم إلى أنّ الأضرار التي لحقت بمنزلها ومحلّها كانت محدودة مقارنةً بما شهدته محال ومنازل وبلدات أخرى.
وتضيف: "نحاول أن نكمل حياتنا، لكنّ الخوف يسيطر على الأهالي، إذ ما من أحد يعلم ما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلاً، أم أنّ التصعيد قد يتجدّد في أيّ لحظة". وتوضح كريّم أنّ خدمات المياه عادت إلى البلدة، فيما لا تزال الكهرباء تنقطع بشكلٍ متكرّر، كما أنّ عودة السكان ما تزال خجولة، إذ فضّل كثيرون التريّث قبل اتخاذ قرار العودة النهائية. وتختم بالقول: "نتمنّى أن تكون هذه آخر الحروب، وأن يتمكّن كلّ شخصٍ من العودة إلى منزله، والعيش بأمان".