عادات رمضان المتوارثة غائبة عن السوريين
- تراجعت موائد الإفطار الجماعية واقتصرت على الجمعيات الخيرية، بينما أثرت الهجرة على التجمعات العائلية، حيث تفرقت العائلات بين دول مختلفة، مما قلل من التواصل المباشر.
- تحولت حلويات رمضان إلى رفاهية، وبدأت العائلات تفضل التبرع المالي أو السلال الغذائية، بينما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في تعويض التواصل وتعزيز الفردية.
تغيّرت ملامح شهر رمضان في سورية بتأثير الأوضاع الاقتصادية الصعبة والهجرة التي فرّقت العائلات وبدّلت أنماط الحياة، فغابت أو تراجعت عادات اجتماعية كانت تشكّل روح الشهر، ومن بينها الزينة الرمضانية التي كانت تملأ الشرفات والمحلات.
في حي الصليبة وسط مدينة اللاذقية غربي سورية كانت رائحة الطعام قبل أذان المغرب تختلط بأصوات الجيران وهم يتبادلون أطباق "السكبة"، وهو طعام المنزل الذي يوزع على الجيران، كرسالة مودة وتكافل. تقول ابتسام فندو (52 سنة) لـ"العربي الجديد": "كنا نطبخ زيادة عن حاجتنا من أجل السكبة، وننتظر أن يطرق أحد الأطفال الباب كي يُعيد لنا الطبق مع حلوى أو صنف مختلف. اليوم نعدّ بالكاد ما يكفينا نتيجة ارتفاع الأسعار. صرنا نحسب حساب كل كيلو خضار وكل قطعة لحم، ولم يعد هناك فائض نرسله إلى الجيران. أشتهي أحياناً أن أطرق باب جارتي وأعطيها طبقاً كما كانت تفعل أمي لكن الظروف تغيّرت".
وكانت الأحياء الشعبية في اللاذقية تنظم موائد إفطار جماعية في الشارع يشارك فيها القادرون وغير القادرين، واليوم تراجعت هذه المبادرات، باستثناء ما تنظمه بعض الجمعيات الخيرية. ويقول ماهر عبدو (43 سنة)، وهو صاحب محل بقالة: "كنّا نغلق الشارع قبل المغرب، وكل بيت يُخرج طاولة صغيرة ونجلس معاً. الآن معظم الشباب سافروا والبيوت نصفها مغلق. رمضان كان مناسبة للّمة الكبيرة. إخوتي وأخواتي وأولادهم كانوا يجتمعون في بيت والدي، لكن اثنين من إخوتي اليوم في ألمانيا، وأختي في تركيا، وصرنا نتبادل صور الإفطار عبر الهاتف. حتى العزائم العائلية خفّت، فكلفة دعوة عشرين شخصاً على الإفطار باهظة".
يجلس الحاج حسن شموط (63 سنة) وزوجته هذا العام على طاولة الإفطار من دون أبنائهم الأربعة الذين هاجروا إلى أوروبا ودول الخليج، ويقول لـ"العربي الجديد": "أفتقد لمّة العائلة وضجيج أحفادي الذين أشتاق لهم في رمضان".
ومن بين العادات التي خفّ حضورها أيضاً المسحراتي الذي كان يجوب الأزقة قبيل الفجر بطبلته وأهازيجه. من ريف دمشق، يقول محمود خضرة (27 سنة) لـ"العربي الجديد": "في طفولتي كنت أنتظر المسحراتي كي أطلّ من الشرفة وأناديه. اليوم أسمع بالكاد صوته، ومن بين الأسباب تغيّر طبيعة السكن أيضاً، فكثير من الناس انتقلوا إلى مبانٍ حديثة أو أحياء جديدة، ولا يعرف فيها الجار جاره، ولم تعد العلاقات كما كانت في الحارات القديمة".
وتحوّلت حلويات رمضان من قطايف وعوّامة ومشبّك إلى رفاهية لدى بعض العائلات. تقول هند زينب (57 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال من بانياس بريف طرطوس: "كنا نشتري الحلويات يومياً، والآن مرة أسبوعياً، وأحياناً نصنعها في البيت كي تكون أوفر".
ويوضح منذر عدلة، وهو صاحب محل لبيع الأدوات المنزلية في اللاذقية، لـ"العربي الجديد"، أن "مبيعات الفوانيس والزينة انخفضت مقارنة بالسنوات السابقة، لأن الناس باتت تركز على الضروريات، والزينة لم تعد أولوية كما أن فاتورة الكهرباء أصبحت مكلفة".
ومع تراجع عادة "سكبة رمضان" التقليدية باتت عائلات تفضّل التبرع بمبالغ مالية أو سلال غذائية عبر جمعيات خيرية. تقول رولا عباس (30 سنة) من حمص لـ"العربي الجديد": "لم أعد أستطيع إرسال أطباق كثيرة، لكنني أحرص على المساهمة في حملة لإفطار الصائمين وأتبرع باستمرار".
ويؤكد المدرس سامر خليلو لـ"العربي الجديد"، أن "التحوّلات الاقتصادية والهجرة الداخلية والخارجية أعادت تشكيل العلاقات الاجتماعية، ووسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مزدوجاً، فهي عوّضت من جهة جزءاً من التواصل بين العائلات المتباعدة، ومن جهة أخرى عزّزت الفردية، فالإفطار أصبح يُصوّر ويُنشر أكثر مما يُشارك فعلياً مع الجيران".
وفي بعض المناطق الريفية لا تزال بعض العادات حاضرة، لكن بوتيرة أخف. تقول أم علي من ريف مدينة جبلة: "لا نزال نتبادل الأطباق، لكن ليس كما في السابق. نحاول أن نحافظ على ما تبقى من عاداتنا، فرمضان اجتماع ومحبة، وحتى لو كان الإفطار بسيطاً، المهم أن نبقى معاً".
ويعبر كثير من السوريين عن حنين واضح لرمضان القديم، ليس بسبب تنوّع الطعام فحسب، بل بسبب الشعور العام بالأمان والاستقرار. من حلب، يشرح محمد عنداني (46 سنة) ذلك الاشتياق بالقول: "كنّا نشعر أن الحارة كلها عائلة واحدة. اليوم كل بيت منشغل بهمّه، والجار لا يعرف أحد عن جاره ما يأكل أو كيف حاله فالحياة أصبحت أكثرا تعقيداً وصعوبة".
رغم ذلك يحاول السوريون إعادة تعريف الشهر بما يتناسب مع واقعهم، فبعض العائلات تقلّص عدد الأصناف، لكنها تحرص على اجتماع أفرادها حول المائدة، وآخرون يعوّضون غياب الأقارب بمكالمات فيديو جماعية وقت الإفطار. وبين غلاء الأسعار، وضغوط الحياة اليومية، والبيوت الفارغة بسبب الهجرة يتكيّف السوريون مع شهر الصيام بطريقتهم الخاصة.