- التحديات القانونية والرقابية: رغم مصادقة تونس على اتفاقات دولية لمنع تشغيل الأطفال، إلا أن الفجوة بين القوانين والممارسة كبيرة، مع استثناءات تعيق التطبيق وعمليات تفقد محدودة، خاصة في المناطق الريفية.
- الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية: ارتفاع الفقر والانقطاع عن الدراسة يزيد من تعرض الأطفال للعمل، وغياب استراتيجية وطنية شاملة يفاقم مشاكل الفقر والجهل، مما يؤدي إلى ظواهر سلبية كالإدمان والعنف.
رغم أن القانون التونسي يمنع تشغيل الأطفال، تدفع الأزمة الاجتماعية آلاف القُصر إلى سوق العمل بحثاً عن مورد رزق في غياب الرقابة على مواقع العمل. ويمثل فصل الصيف ذروة تشغيل الأطفال في تونس، إذ ترتفع الحاجة إلى اليد العاملة الموسمية في الزراعة والسياحة والخدمات والتجارة، بينما تستغل بعض المؤسسات وأصحاب الأعمال غياب الرقابة لتشغيل أطفال بأجور زهيدة ولساعات عمل طويلة من دون أي تغطية اجتماعية أو حماية قانونية.
وكشفت دراسة أجراها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عام 2024، أن عدد الأطفال العاملين في تونس يقدر بنحو 215 ألفاً، من بينهم 136 ألفاً يزاولون أعمالاً خطرة، 50% منهم في القطاع الزراعي و20% في القطاع التجاري.
وتعتبر تونس من بين الدول الأولى التي صادقت على اتفاقات منظمة العمل الدولية المتعلقة بمنع تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة، وضبط شروط وحدود استخدامهم في الأعمال الاقتصادية، كما وفرت إطاراً قانونياً وطنياً وفق بناء تدريجي لنظام يحمي تشغيلهم بحسب قيم القانون الإنساني، ويتضمن الدستور فصولاً تتعلّق بحقهم في التعليم والصحة، ومجموعة قوانين، مثل قانون حقوق الطفل، وقانون منع الاتجار بالأشخاص، وقانون مناهضة العنف ضد المرأة.
وينص قانون حماية الطفل التونسي على أن منع الاستغلال الاقتصادي للطفل مسؤولية الدولة ويلزم السلطات بالتدخل كلما كان الطفل مهدداً في سلامته أو صحته أو تعليمه أو نموه الطبيعي. كما تعتبر استغلال الطفل في أعمال قد تضرّ بصحته أو تعليمه أو نموه حالات خطرة تستوجب تدخل قاضي الأسرة أو قاضي الأطفال والجهات المختصة. لكن القانون يحتوي على فصول تشرّع عمالة الأطفال دون سن السادسة عشرة، وتفتح باباً واسعاً للتأويل عبر خلقها جملة استثناءات لا تتلاءم مع ما أوردته الاتفاقات الأممية، وتتناقض مع باقي القوانين الوطنية.
ويتحدث رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل الدكتور معز الشريف، لـ"العربي الجديد" عن وجود فجوة كبيرة بين النصوص القانونية والممارسة في ما يتعلق بتشغيل الأطفال، ويعتبر أن "عمليات التفقد الميداني تبقى محدودة، خصوصاً في القطاع الفلاحي والاقتصاد غير المنظم، حيث يصعب رصد الأطفال العاملين، كما أن جزءاً كبيراً من حالات التشغيل يحصل داخل مشاريع عائلية أو في مناطق ريفية بعيدة عن أجهزة الرقابة". يتابع: "لا يقتصر خطر التشغيل على الحرمان من التعليم أو استنزاف الطفولة، بل يمتد إلى التعرض للحوادث المهنية والإصابات والأمراض المرتبطة بالحرارة، واستعمال المبيدات في القرى الفلاحية، فضلاً عن الاستغلال الاقتصادي والعنف الجسدي والنفسي".
ويوضح الشريف أن ظاهرة تشغيل الأطفال لا تتفاقم بسبب الفقر فقط، بل أيضاً بارتفاع نسب الانقطاع المبكر عن الدراسة في بعض المناطق، ما يجعلهم أكثر عرضة للاندماج المبكر في سوق العمل بدلاً من العودة إلى مقاعد الدراسة.
ويعتبر الشريف أن زيادة التحويلات المالية الشهرية لأكثر من 640 ألف طفل لا تكفي لتحسين ظروف عيشهم في غياب استراتيجية وطنية توضّح تصوّر الدولة لرعاية الأطفال وحمايتهم من تأثيرات الأزمات التي تمر بها البلاد. ويقول: "نسبة فقر الأطفال في تونس سجلت قفزة غير مسبوقة خلال الفترة بين عامي 2018 و2023 وصولاً إلى نسبة 26% نتيجة تأثيرات الأزمة الصحية العالمية وتداعيات الحروب على البلدان الناشئة".
ويوضح مدى تأثير فقر الأطفال على سلوكهم من خلال ظواهر جديدة تتعلّق بالإدمان والعنف وتعاطي المخدرات والقمار، إضافة إلى زيادة نسب التسرب المدرسي والارتداد إلى الأمية والاندماج المبكر وغير المحمي في سوق العمل. ويصنّف أطفال تونس بأنهم "فئة صامتة مغيّبة عن استراتيجيات الدولة، وقد تخلت السلطات الرسمية عن دورها في الرعاية ما جعل مبدأ تكافؤ الفرص بين أطفال تونس منعدماً، ويؤسس لفقر وجهل وراثي".
وتشير أحدث المعطيات الرسمية إلى أن عدد المنقطعين عن التعليم في تونس يناهز 100 ألف سنوياً، وهو أحد أبرز روافد عمالة الأطفال التي تدفع بالقُصّر إلى سوق عمل غير منظم، ويحرمهم من أبسط حقوقهم في التعليم والحماية. ومنذ عام 2025 تطبّق السلطات برنامجاً لتحسين عيش أكثر من 640 ألف طفل عبر تمكين أسرهم من تحويلات مالية شهرية بقيمة 10 دولارات في إطار خطة الأمان الاجتماعي التي يدعمها البنك الدولي.
وكشف المسح الذي نفذه المعهد الوطني للإحصاء ووزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة العمل الدولية في عام 2017، أن 6.4% من الأطفال الذين ينتمون إلى العائلات الأكثر فقراً يشاركون في أعمال اقتصادية، و3% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 سنة يُستغلون اقتصادياً. وتتفاوت النسب بحسب المناطق، إذ تبلغ نسبة الأطفال المشتغلين في المناطق الحضرية 3.5%، في حين تقدر نسبتهم بـ5% في الوسط الريفي.