عيد الأضحى في الضفة الغربية... العدوان الإسرائيلي يقصي الفرحة

06 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 07:18 (توقيت القدس)
قلة سيتمكنون من تقديم الأضاحي في الضفة الغربية، 3 يونيو 2025 (مأمون وزوز/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير العدوان الإسرائيلي على عيد الأضحى: غياب مظاهر العيد في الضفة الغربية بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة الناتجة عن العدوان الإسرائيلي على غزة، مما أدى إلى نزوح آلاف العائلات وفقدان مصادر الدخل.

- التحديات الاقتصادية: يعاني السكان من تدهور اقتصادي حاد وارتفاع الأسعار، مما يصعب تقديم الأضاحي وشراء مستلزمات العيد، حيث فقد العديد مصادر رزقهم مثل محمد صبري وجمال العملة.

- التأثير النفسي والاجتماعي: تعاني العائلات النازحة من تشتت وفقدان الأمان، مما أثر على الأطفال، حيث تحاول سحر الرخ خلق الفرح رغم الأجواء المحبطة والوضع الأمني غير المستقر.

تغيب فرحة عيد الأضحى عن أهالي الضفة الغربية في ظل عدوان إسرائيلي مستمر وبطالة في ظل ارتفاع الأسعار، ليحرم الأطفال أبسط حقوقهم

تغيب مظاهر عيد الأضحى المعتادة هذا العام عن مدن الضفة الغربية ومخيماتها، مقارنةً بالعام السابق، في ظل ظروف أمنية واقتصادية خانقة خلفها استمرار عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. لا حلويات ولا زينة، بل اقتصار على الشعائر الدينية، وسط تشتت آلاف العائلات بين النزوح بسبب عدوان الاحتلال الإسرائيلي على مخيمات شمال الضفة الغربية وفقدان مصادر الدخل. وفي ظل هذا الواقع، يحاول البعض خلق أجواء من الفرح للأطفال.
محمد صبري، من مخيم نور شمس شرق مدينة طولكرم شمالي الضفة الغربية، متزوج وأب لطفلين، كان يعمل في محل لبيع الفاكهة والخضار. وتعد فترة العيد موسم بيع جيد بالنسبة إليه، إذ يشتري الناس الفاكهة لضيافة العيد، لكن تغير كل شيء هذا العام. يقول: "أجواء فرحة العيد غير موجودة، باستثناء الشعائر الدينية. سنقدم القهوة السادة من دون كعك"، لافتاً إلى أن "والدي في العناية المركزة بعدما سمع عن نية الاحتلال هدم بنايتنا في مخيم نور شمس".
يضيف صبري: "خلال الأعياد السابقة، كنا نعد الكعك ونشتري الحلويات وملابس للأطفال. اليوم لا نفكر بفرحة العيد، بل كيف نعيش، وكيف تمر هذه الأيام وتنتهي الأزمة". فقد مصدر رزقه بعدما خسر محله نتيجة استمرار عدوان الاحتلال على مخيم نور شمس منذ نحو أربعة أشهر. يقول: "أُجبرنا على النزوح. كنا نعيش سعداء كأسرة طبيعية. الآن أصبحنا مشتتين، ومن دون شيء".
يتابع صبري: "كنا نعيش في منزل مكون من أربعة طوابق مع أشقائي، لكن قوات الاحتلال أخطرت بهدم المبنى. في يوم وليلة اخرجونا من منازلنا وأصبحنا نازحين، كل واحد منا في حيّ مختلف من طولكرم وضواحيها، بعدما كنا تحت سقف واحد". حتى شقيقاته المتزوجات داخل المخيم أُجبرن على النزوح، وسط أعباء مالية ثقيلة. ويقول: "فضلاً عن تكاليف الإيجار، وضعنا أصبح صعباً من كل النواحي". والده المريض ومبتور القدمين، بحاجة إلى رعاية خاصة. يقول: "وجودنا معًا ضروري لرعايته، لكننا تفرقنا".
سحر الرخ (48 عاماً) من مخيم جنين شمالي الضفة الغربية، وهي تعمل منشّطة مع الأطفال من مختلف الأعمار والفئات، وفي أكثر من مجال، تؤكد في حديث لـ"العربي الجديد" أن أجواء العيد هذا العام اختلفت تماماً، وخصوصاً بالنسبة إلى الأطفال. تضيف: "الآن نعيش في بيت غير بيتنا المعتاد، وفي مكان غير مكاننا، سواء في مراكز نزوح أو بيوت مستأجرة". 

حتى طقوس وداع الحجاج، التي كانت مناسبة اجتماعية مميزة، تغيرت، كما تؤكد الرخ، قائلة: "كنا نتجمع في أحد بيوت مخيم جنين ونودع الحجاج. أما هذا العام، فقد سافر الحجاج من دون وداع".
ورغم النزوح، تحاول الرخ، من خلال تجربتها منشّطةً وجدّة، أن تخلق بعض الفرح لأطفالها وأحفادها. وتقول: "حالياً، تتجمع النساء في مراكز النزوح، ويعملن على إعداد الكعك للأطفال النازحين، في محاولة لإيجاد الفرح، والإصرار على العيش". وتؤكد أن معاناة الأهالي اليوم أكبر، قائلة: "النازحون لا يحتاجون إلى ملابس للعيد فقط، بل ملابس لليوميات. خرج النازحون من منازلهم من دون أن يأخذوا معهم شيئاً. في السابق، كنا نشتري للأطفال ملابس العيد، واللحوم وغيرها. اليوم، أصبحت هذه الحاجات مفقودة".
تقول الرخ: "نسير في السوق ولا نشعر بالفرح، لا زينة، ولا أجواء عيد، والأصعب أننا نعيش في مدينة جنين ونرى مخيم جنين ولا نستطيع دخوله. الأسر تشتتت بعدما كانت تعيش معاً". تتابع الرخ: "الأطفال لا يصنعون الذكريات. فقدوا ألعاب العيد في أحياء مخيم جنين، وأحبطوا... حتى الأنشطة للأطفال أصبحت محاصرة، كذلك لم يعودوا يطلبون شيئاً من أهلهم، كأنهم كبروا قبل أوانهم. حتى إن الأهالي أنفسهم محبطون".

تراجع في إعداد حلويات العيد، 2 يونيو 2025 (مصعب شاور/فرانس برس)
تراجع في إعداد حلويات العيد، 2 يونيو 2025 (مصعب شاور/فرانس برس)

فقدان مصدر الدخل 

يقول جمال العملة أو أبو حامد (55 عاماً)، وهو من قرية بيت أولا شمال الخليل جنوبي الضفة الغربية، إن معاناته تضاعفت بعد السابع من أكتوبر، خصوصاً بعد فقدانه عمله في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، كغيره من أبناء البلدة التي تعتمد على العمل هناك لقربها الجغرافي. 
العملة، المكونة أسرته من ثمانية أفراد، يقول لـ"العربي الجديد": "كنا نستعد لأجواء العيد، ونعد الحلويات والزينة. أما اليوم، فلم نعد نفعل شيئاً سوى البحث عن الأساسيات وتوفير لقمة العيش"، مشيراً إلى أن الأولويات تغيرت، "والعامل اليوم يفتقد الدعم". يضيف: "لا يوجد مصدر دخل، ولا أستطيع الوفاء بالتزاماتي. لم أعد أشتري أو أجهز شيئاً للعيد كما في السابق. نحاول فقط توفير المستلزمات الأساسية للحياة. حاولت بشكل متكرر البحث عن عمل وتوفير دخل بديل من خلال تربية الدواجن، لكنني خسرت بسبب غياب الرقابة". ويقول إن "ما يجري في غزة يجعل مصيبتنا أهون، وخسارتنا لا تُقارن بخساراتهم".
أما الأضاحي، فلم تعد كما في السابق بالنسبة إلى العملة. يقول: "كل عام، كنا نضحي في عيد الأضحى. أما هذا العام فلا نستطيع لأننا ببساطة نبحث عن الأساسيات اليومية، ولا قدرة لنا على الاستعداد للعيد".

أسعار مرتفعة

هبة فالح من مدينة رام الله، كانت تخطط لتقديم أضحية في عيد الأضحى، لكنها عدلت عن القرار بسبب ارتفاع أسعار اللحوم، خصوصاً الخراف، في ظل ضيق الحال. تقول لـ"العربي الجديد": "فضلت تأجيل الأضحية هذا العام لأتمكن من توفير الحاجات الأساسية وملابس العيد لأطفالي". وترى أن الأولوية في الظروف الحالية يجب أن تكون لتأمين احتياجات العائلات في العيد، "فبدلاً من البحث عن أضاحٍ مرتفعة الثمن، يجب أن نبحث عمّن يحتاجون إلى المساعدة. صحيح أن الأضحية مهمة، لكن الأساسيات للناس أهم".

من جهته، يواجه علام ماضي، صاحب محل أحذية في مدينة رام الله، تحديات اقتصادية متزايدة عشية عيد الأضحى، وسط تراجع ملحوظ في حركة المتسوقين. يقول لـ"العربي الجديد": "يكتفي الكثير من الناس بشراء الأساسيات فقط". ويعزو هذا التراجع إلى عوامل عدة، أبرزها "قلة رواتب موظفي السلطة الفلسطينية وعدم انتظامها، علماً أنها تحرك الأسواق"، بالإضافة إلى "البطالة التي ضاعفت من معاناة الناس".
ويؤكد ماضي أن الأسواق بدت وكأنها "فارغة من حركة متسوقي العيد"، وهو ما دفعه إلى التكيف مع الواقع قائلاً: "اضطررت إلى استبدال بضاعتي من أحذية كنت أبيعها بأسعار مرتفعة إلى أخرى أرخص، بعضها من الصين، لمواكبة الحركة الشرائية الضعيفة. ورغم ذلك، فإن الحركة الشرائية لا تزال قليلة".
ويصف رئيس تجمع دواوين وعائلات نابلس، الناشط الاجتماعي، سمير خياط (78 عاماً)، الواقع الذي تعيشه الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم بـ"المزري" من ناحيتين، أمنية واقتصادية. ويقول لـ"العربي الجديد": "لا يوجد استقرار، المدن كلها مليئة بالحواجز التي تعوق حركة المواطنين. ومن الناحية الاقتصادية، الوضع سيئ جداً، بسبب بطالة العمال في الداخل المحتل وعدم انتظام رواتب موظفي القطاع العام في السلطة الفلسطينية".
ويؤكد أن "الوضع الأمني غير مستقر"، مشيراً إلى اقتحامات متكررة من قبل قوات الاحتلال لأسواق المدن في الضفة الغربية، حتى في أثناء وجود المتسوقين، ما أدى إلى تراجع الأمان وتعطيل الحياة اليومية.
ويرى خياط أن ما يجري في قطاع غزة من "حرب وتجويع وتهجير" ترك أثراً نفسياً كبيراً على أهالي الضفة الغربية، إلى جانب "ما يجري في طولكرم وجنين من عدوان وتهجير لأهالي المخيمات". ويشدد على أن "أهالي الضفة وغزة شعب واحد، ويجب أن يكون شعورنا موحداً في الأعياد وغيرها"، مؤكداً أن "لا احتفالات ولا أجواء عيد كما في السابق، فالظروف التي تحدث في غزة والضفة من دمار واجتياحات وأزمة اقتصادية فرضت علينا جميعاً أن نختصر مظاهر العيد بأمور بسيطة جداً".

المساهمون