عيد الأضحى في دمشق.. لقاءات تعيد الأمل وسط العادات المتوارثة

06 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 15:27 (توقيت القدس)
تفتح دمشق أبوابها لفرحة طال انتظارها (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في عيد الأضحى، تفتح دمشق أبوابها للفرح بعد سنوات من الغياب، حيث يتوافد الناس إلى المساجد لأداء الصلاة وزيارة القبور، ثم تبدأ الزيارات العائلية وتبادل التهاني.
- العيد في دمشق يمثل فرصة لإعادة لمّ شمل العائلات، حيث تجتمع الأسر في الأحياء القديمة، وتستعيد الذكريات، وتقدم الحلويات التقليدية مثل المعمول.
- رغم التحديات، يحافظ العيد على طقوسه، حيث يتبادل الجيران الحلويات، وتُقدّم الأضاحي، ويملأ الأطفال الساحات بالضحكات، مما يعكس جوهر العيد كفرصة للفرح ولمّ الشمل.

في صباح عيد الأضحى، تفتح دمشق أبوابها لفرحة طال انتظارها، وسط أجواء تنبض بالأمل بعد سنوات من الغياب والفقد. ومع الساعات الأولى من النهار، يتوافد الدمشقيون إلى المساجد لأداء صلاة العيد، فتمتلئ الساحات بالمصلين وتعلو التكبيرات، ثم تنطلق العائلات لزيارة القبور، في طقسٍ يحرصون عليه؛ وفاءً لأحبّتهم الذين رحلوا، وطلباً للرحمة لهم.

في قلب العاصمة، يجتمع الآلاف في باحات الجامع الأموي، أحد أقدم المساجد في العالم الإسلامي، ليستعيدوا في أجوائه روحانية العيد، قبل أن تبدأ الزيارات العائلية التي تشكل أحد أهم ملامح المناسبة، إذ تتوافد الأسر إلى منازل الأقارب والأصدقاء، وسط تبادل التهاني وذكريات الماضي التي تأبى أن تغيب.

أجواء مفعمة بالمحبة في دمشق (العربي الجديد)
أجواء مفعمة بالمحبة في دمشق (العربي الجديد)

عيد الأضحى...لقاء الأحبة 

بالنسبة للبعض، لا يقتصر عيد الأضحى على أداء الطقوس المعتادة، بل يحمل معه لحظات استثنائية تعيد لمّ شمل العائلات بعد سنوات من الغياب القسري. في أحد أحياء دمشق القديمة، جلست منيرة الخالدي، البالغة من العمر 70 سنةً، أمام منزلها تنتظر اللقاء الذي حلمت به طويلاً، وحين دخل أحفادها من الباب، اختلطت ضحكاتهم بدموعها، وقالت بصوت مفعم بالحنين: "لم أصدق أن هذا اليوم سيأتي... العيد لا يكتمل دونكم".

تحاول الجدة، التي تقيم في حيّ المهاجرين الدمشقي، احتواء اللحظة؛ فتقدّم لأحفادها المعمول المحشو بالتمر الذي اعتادت تحضيره في ليالي العيد، ثم تبدأ بسرد قصص الطفولة كما اعتادت، كأنها تعيد إليهم ذكريات لم يعيشوها، لكنّهم سمعوا عنها مراراً عبر مكالمات الفيديو.

العيد فرصة للقاء الأحبة وتبادل الزيارات (العربي الجديد)
العيد فرصة للقاء الأحبة وتبادل الزيارات (العربي الجديد)

أما ابنتها يارا قدور، البالغة من العمر 38 سنةً، التي عادت إلى دمشق لقضاء العيد، فتقول لـ"العربي الجديد": "عندما رأيت أمي تحتضن أحفادها، شعرتُ أن العيد استعاد معناه الحقيقي... العودة ليست مجرد رحلة، بل استعادة لحياة افتقدناها طويلاً". بدورها، تعبر آية العبد الله، الطفلة ذات الثماني سنوات التي ولدت خارج سورية، عن فرحتها بزيارة دمشق لأول مرة، وتقول لـ"العربي الجديد": "كنت أتواصل مع جدتي عبر الفيديو، لكن الآن أنا هنا، أعيش اللحظات التي كانت تحكي لي عنها. دمشق مليئة بالمفاجآت، من الحلويات الدمشقية إلى الملابس الجديدة التي اخترتها مع جدتي".

تفاصيل صغيرة

رغم الظروف التي تمرّ بها البلاد، يبقى العيد في دمشق محافظاً على طقوسه المتوارثة. في الأحياء القديمة، يتبادل الجيران أطباق الحلويات التقليدية، فيما تستمر عادة تقديم الأضاحي وتوزيعها على المحتاجين في مشهد يجسّد قيم التضامن الاجتماعي. أما الأطفال، فيرتدون ملابس العيد الجديدة، ويتجولون بين الحارات في مشاهد تعبر عن فرحة بريئة، رغم كل التحديات.

يحافظ الدمشقيون على عادات العيد رغم التحديات (العربي الجديد)
يحافظ الدمشقيون على عادات العيد رغم التحديات (العربي الجديد)

وتستعيد بعض العائلات الدمشقية لحظات اللقاء بعد سنوات من الفُرقة، إذ يقول سائر المحمود، البالغ من العمر 50 سنة وربّ أسرة، لـ"العربي الجديد": "العيد هو فرصة للتواصل، لإعادة اللحمة بين أفراد العائلة، حتى بين أولئك الذين تفرّقوا لسنوات. نجتمع صباح العيد حول مائدة الإفطار التقليدية، ونستعيد الطقوس القديمة مثل زيارة القبور وذبح الأضاحي، ثم توزيعها على المحتاجين، تماماً كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا".

يلم العيد شمل العائلات بعد سنوات الغياب (العربي الجديد)
يلمّ العيد شمل العائلات بعد سنوات الغياب (العربي الجديد)

عيد الأضحى في دمشق ليس مناسبة دينية فحسب، بل هو فسحة للفرح واستعادة العلاقات التي غيّبتها الظروف. ورغم كل التحديات، تبقى تفاصيله نابضة بالحياة، إذ القلوب تتشبّث بالأمل، وترفض أن تفقد تقاليدها التي تشكل جزءاً من هويتها الاجتماعية والثقافية.

لا تكتمل فرحة العيد في دمشق دون المشاهد الحيّة للساحات التي تتحوّل إلى مساحات مليئة بالألوان والضحكات، إذ تتوافد العائلات إلى المنتزهات والحدائق العامة لقضاء وقت ممتع. في ساحات باب توما والمزة وحديقة تشرين، يعلو صوت الأطفال وهم يتنقلون بين الألعاب المختلفة، من المراجيح التقليدية إلى عربات القطن الحلو التي تحمل نكهة الطفولة وذكريات الأعياد الماضية.

العيدُ، بالنسبة للأطفال، فرصة للانطلاق واللعب بحرية، فيملؤون الساحات بضحكاتهم، ويتسابقون في ركوب الدراجات الصغيرة، ويشاركون في العروض التي ينظمها الفنانون الشعبيون، من عروض الدمى إلى ألعاب الخفّة، ما يضفي على الأجواء مزيداً من البهجة والحيوية.

العيد بالنسبة للأطفال هو فرصة للانطلاق واللعب بحرية (العربي الجديد)
العيد بالنسبة للأطفال فرصة للانطلاق واللعب بحرية (العربي الجديد)

أما الكبار، فيفضّلون الجلوس في المقاهي المطلّة على الساحات، يتبادلون الأحاديث ويتأملون أطفالهم وهم يلهون، في مشهد يجسّد جوهر العيد بصفته فرصةً للفرح ولمّ الشمل العائلي، وسط أجواء بسيطة، لكنّها مفعمة بالحياة والدفء.

المساهمون