فلسطينيّو مخيم اليرموك مهددون بفقدان أملاكهم جراء الاستيلاء والتزوير
استمع إلى الملخص
- تعقيدات ملكية العقارات تتزايد بعد ربط المخيم بمحافظة دمشق، مما يضيف مخاطر قانونية، خاصة مع سيطرة عناصر مليشيات على بعض المنازل. مشاريع البنية التحتية لا تخدم المنازل الصالحة للسكن، مما يعكس تجاهل حقوق الأهالي.
- يؤكد محافظ دمشق على خطة شاملة لإعادة تأهيل المخيم، تشمل تحسين الخدمات. يشدد خبراء القانون على ضرورة حماية ممتلكات الفلسطينيين عبر قنوات شكاوى رسمية والتحقق من العقود.
في أزقة مخيم اليرموك جنوبي دمشق، يختلط قلق اللاجئين الفلسطينيين مع ذكريات سنوات النزوح والحصار، بعد أن باتت أملاكهم مهددة بخطر البيع المزوّر والاستيلاء غير القانوني. وتأتي تحذيرات لجنة المخيم مؤخراً لتسلّط الضوء على تزايد عمليات شراء وبيع المحال والمنازل بعقود مزوّرة، ما يضع اللاجئين أمام مواجهة مباشرة مع شبكات تستغل غياب أصحاب الحقوق لنهب ممتلكاتهم.
وفي بيانها، أكدت لجنة مخيم اليرموك ضرورة أن تراجع كل المكاتب العقارية سواء القائمة أو الجديدة، مكتب الدراسات التابع للأمن الداخلي في شارع فلسطين بجانب بلدية اليرموك، لتعبئة الاستمارات المطلوبة. وأوضحت أن استكمال هذه الإجراءات يُعد خطوة لحماية حقوق المالكين واستعادة ما جرى الاستيلاء عليه، مشددة على ضرورة قيام المكاتب الجديدة بالمراجعة قبل بدء أي نشاط عملي، وعلى أهمية التسجيل الإلزامي للمكاتب العقارية، وفتح قنوات شكاوى رسمية، وزيادة الشفافية عبر نشر قوائم العقارات المسجلة. ونبّهت اللجنة إلى أن استمرار البيع بعقود مزوّرة قد يفتح الباب أمام نزاعات قضائية طويلة الأمد، ويعرقل استعادة المالكين لممتلكاتهم.
وتقول مهى السعد، من لاجئي المخيم لـ"العربي الجديد": "كنا نأمل أن تعود الحياة تدريجياً بعد سنوات النزوح، لكن رؤية البعض يبيعون ممتلكات عائلاتنا بعقود مزوّرة تجعلنا نفقد الثقة. نخشى أن نخسر منازلنا التي عشنا فيها سنوات طويلة".
ويضيف اللاجئ عبد الله رزق: "لا أحد يثق بالمكاتب العقارية حالياً، والأهالي يخشون استغلالهم. نحتاج إلى إجراءات واضحة تضمن حقوقنا وتوقف هؤلاء المحتالين".
ويؤكد المحامي المتخصص في القانون العقاري، شادي الصالحان لـ"العربي الجديد" أن البيع بعقود مزوّرة يُعتبر جريمة كاملة الأركان بموجب القانون السوري، وأن أي تعامل بهذه العقود يُعد باطلاً ويعرّض جميع الأطراف للمساءلة القانونية. ويشدد على ضرورة تسجيل المكاتب العقارية رسمياً، والتحقق من صحة المستندات قبل إبرام أي صفقة، باعتبارها الطريقة الوحيدة لضمان حقوق الأهالي ومنع النزاعات الطويلة، خصوصاً في المناطق التي شهدت نزوحاً واسعاً وغياب أصحاب العقارات، كما حصل في مخيم اليرموك".
ومنذ العام 2018، وثقت تقارير حقوقية حالات استيلاء وبيع عقارات الغائبين عن المخيم، والتي امتدت لاحقاً إلى مخيمات فلسطينية أخرى، مثل خان الشيح وسبينة والنيرب. ورغم التحذيرات المتكررة، لم تكن استجابة الجهات القضائية والأمنية كافية لوقف شبكات التزوير بشكل كامل، ما دفع لجنة مخيم اليرموك إلى إصدار تحذيرات دورية للأهالي.
يُعد مخيم اليرموك أكبر تجمع للفلسطينيين في سورية، وقد تعرّض خلال سنوات الحرب لحصار طويل ودمار واسع ونزوح جماعي، ما ترك العديد من المنازل والعقارات فارغة من مالكيها. واستغلت بعض الجهات هذه الظروف لفرض نفوذها أو الاستيلاء على الأملاك، ما جعل الملكية العقارية من أكثر الملفات تعقيداً في المخيم، حيث يتقاطع البُعد القانوني بالسياسي والإنساني، وسط غياب حل شامل يضمن استعادة الأهالي لحقوقهم كاملة.
وتزداد تعقيدات ملف ملكية العقارات في المخيم بعد قرار ربطه بمحافظة دمشق وإلغاء صفة المخيم الخاصة به، ما حوّل اليرموك إلى حي عادي خاضع للسلطات المحلية، وأوقف أعمال رفع الأنقاض التي كانت تشرف عليها اللجنة المحلية. ويضيف هذا التغيير بُعداً جديداً للمخاطر التي يواجهها سكان المخيم، إذ يمكن أن تؤدي عمليات البيع الوهمية والعودة المحتملة للأهالي إلى نزاعات قانونية معقدة بشأن الملكيات، خصوصاً في ظل وجود منازل تسيطر عليها عناصر من المليشيات أو مَن لهم صلة بالسلطات الأمنية. وبحسب تقديرات غير رسمية، كان المخيم يضم نحو 360 ألف فلسطيني قبل الثورة، بينما تشير بيانات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى وجود 144 ألف فلسطيني مسجل لديها داخل المخيم.
ويشير السكان والناشطون إلى أن مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية، مثل خزان المياه وشبكات الكهرباء، لا تخدم منازل المخيم الصالحة للسكن، بل يجري توجيهها لمناطق أخرى، ما يعكس استمرار تجاهل حقوق الأهالي ويضاعف معاناتهم اليومية.
ويرى محافظ دمشق، ماهر مروان إدلبي، أن مخيم اليرموك يحتفظ برمزيته كأحد الأحياء الأصيلة في العاصمة، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن إعادة تأهيل المخيم جزء من خطة شاملة للمحافظة، وأن "الفلسطيني السوري هو جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، وقد تعرّض، كما السوريين، للظلم خلال السنوات الماضية، ولا سيما أهالي مخيم اليرموك". ويوضح المحافظ أن خطة العمل تشمل إزالة الأنقاض والردم، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، وتعبيد أو ترميم شارعَي اليرموك وفلسطين، وتفعيل خط النقل الداخلي، معلناً أنه من المقرر إعادة افتتاح فرن داخل المخيم، وتركيب محوّل كهربائي جديد لتسهيل عودة الحياة تدريجياً إلى المنطقة.
ويشدد خبراء في القانون والحقوق على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، أبرزها فتح قنوات رسمية للشكاوى، والتحقق من صحة العقود قبل أي عملية بيع أو شراء، ونشر قوائم بالعقارات المسجلة، وتكثيف التوعية القانونية. ويؤكد الخبراء أن الإرادة الأمنية والقضائية الجادّة هي الضمانة الوحيدة لحماية ممتلكات الفلسطينيين في مخيم اليرموك، واستعادة حقوقهم المسلوبة.