مخيمات الضفة... العدوان والنزوح يبددان أجواء رمضان
- أدى النزوح إلى تشتت العائلات وفقدان الروابط الاجتماعية، حيث يعيش النازحون في مناطق متفرقة، مما يفاقم من معاناتهم النفسية والاجتماعية، ويشعرون بالحنين إلى أجواء رمضان في المخيمات.
- تظهر بعض المبادرات المجتمعية لدعم النازحين، مثل إعفاء بعض العائلات من دفع الإيجار، مع دعوات لتكثيف الجهود الدولية والمحلية لإعادتهم إلى بيوتهم ووضع برنامج وطني شامل لدعمهم.
للعام الثاني على التوالي، يعيش نازحو مخيمات شمال الضفة الغربية (جنين، ونور شمس، وطولكرم)، شهر رمضان بعيداً عن منازلهم، وسط غياب الأمن المعيشي والاجتماعي، في ظل ظروف صعبة، بينما يزداد حنينهم وشوقهم لأجواء العبادة واللمّة الرمضانية بمنازلهم في المخيم. وشنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة عسكرية في مخيم جنين في 21 يناير/ كانون الثاني 2025، وبعدها على مخيم طولكرم في من الشهر ذاته ومخيم نور شمس في 7 فبراير/ شباط 2025، ما أسفر عن نزوح نحو 47 ألف شخص، واستشهاد وجرح واعتقال عشرات، كما هُدمت ودُمّرت آلاف الوحدات السكنية كلياً وجزئياً والبنى التحتية والشوارع في المخيمات.
يصف الصحافي عصري فياض لـ"العربي الجديد"، وهو أحد النازحين من مخيم جنين، حلول رمضان الثاني بعيداً عن المخيم بعد 14 شهراً من النزوح بأنه "امتداد لنكبة جديدة تتفاقم فيها المعاناة يوماً بعد يوم". يضيف: "يعيش نازحو مخيم جنين أوضاعاً اقتصادية قاسية إذ تضطر معظم الأسر إلى دفع إيجارات شهرية تتراوح بين 300 و500 دولار، في وقت يعاني فيه أرباب العائلات من البطالة أو العمل المتقطع، وقد تراجعت المساعدات الإنسانية بشكل ملحوظ مقارنة برمضان الماضي، حيث لم تتلقَ العائلات سوى صندوق تمويني واحد بعد انقطاع استمر نحو خمسة أشهر. ولا أفق واضحاً لإنهاء معاناة النازحين واستمرار تدهور أوضاعهم المعيشية".
ويعيش محمد الشلبي (53 سنة)، النازح من مخيم جنين إلى سكنات الجامعة العربية الأميركية جنوب شرقي جنين، رمضان الثاني بعيداً عن منزله، ويضف ما جرى بأنه "طرد بالقوة وليس نزوحاً"، ويقول لـ"العربي الجديد": "حمل شهر رمضان شعوراً بالغصة والحنين، خاصة إلى صلاة التراويح في مسجد مخيم جنين الكبير، حيث اعتدت الصلاة يومياً قبل النزوح. رؤية المسجد قرب المخيم من دون القدرة على الوصول إليه يترك ألماً عميقاً في نفسي".
ويستعيد الشلبي أجواء رمضان في مخيم جنين حيث كانت الساحات والشوارع تمتلئ بالحياة بعد الإفطار، ويجتمع الأهالي استعداداً لصلاتي العشاء والتراويح وسط حركة نشطة للأطفال والشبان والعائلات، في مشهد يفتقده اليوم داخل السكنات التي يصفها بأنها "بلا روح المخيم". كما أدى النزوح إلى تشتت أفراد عائلة الشلبي بين مناطق مختلفة، ما صعّب الزيارات العائلية خاصة في ظل شح الرواتب وقلّة فرص العمل.
ورغم أنّ علاقات جديدة نشأت بين النازحين، يؤكد الشلبي أن الترابط الاجتماعي لا يشبه ما كان في المخيم، في حين تزداد الأوضاع المعيشية صعوبة مع تراجع المساعدات مقارنة بالعام الماضي، إذ لم تتلقَ العائلات سوى طرود تموينية محدودة، بينما لا يكاد راتبه التقاعدي يغطي احتياجات أسرته وأبنائه الطلاب.
معظم النازحين فقدوا مصادر رزقهم المرتبطة بأعمالهم داخل المخيم، واضطروا إلى دفع إيجارات لا تغطيها التعويضات المحدودة من الحكومة او "أونروا"
ويوضح نائب رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم جنين مؤنس غريب، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "أوضاع النازحين سيئة للغاية، إذ يعيش نحو 21 ألف نازح ظروفاً قاسية بعد أكثر من عام على التهجير، وتتوزع العائلات بين سكنات الجامعة العربية الأميركية جنوبي جنين ومدينة جنين ومحيطها، إضافة إلى قرى بعيدة، ما زاد الأعباء المعيشية وأضعف الروابط الاجتماعية.
ويؤكد أن "معظم النازحين فقدوا مصادر رزقهم المرتبطة بأعمالهم داخل المخيم، واضطروا إلى دفع إيجارات مرتفعة لا تغطيها التعويضات المحدودة من الحكومة أو وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في وقت تكاد تغيب المساعدات الرمضانية باستثناء طرود غذائية بسيطة لا تسمن ولا تغني من جوع". ويطالب غريب الحكومة الفلسطينية بأن "تتحمّل مسؤولياتها وتعمل جدياً لتكثيف الضغط الدولي من أجل إعادة النازحين إلى بيوتهم في أقرب وقت، خاصة أن لا مبررات أمنية كما يدعي الاحتلال".
وبالنسبة إلى رئيسة جمعية نور شمس الخيرية لتأهيل المعوقين نهاية الجندي، وهي نازحة من مخيم نور شمس إلى ضاحية إكتابا في مدينة طولكرم، يمثل حلول رمضان للعام الثاني خارج المخيم واحدة من أكثر التجارب قسوة على النازحين، "فهم فقدوا طقوس الشهر وروابطه الاجتماعية إلى جانب فقدان البيت والاستقرار". تضيف في حديثها لـ"العربي الجديد": "تعيش العائلات في تشتت بين عدد من الضواحي في المدينة والقرى، ما يجعل الزيارات العائلية مكلفة في ظل انعدام الدخل، بينما أصبح التواصل عبر الهاتف والإنترنت بديلاً اضطرارياً عن اللقاءات المباشرة".
يواجه آلاف النازحين من مخيمي نور شمس وطولكرم أعباء الإيجار والمواصلات والكهرباء والعلاج من دون مصادر دخل
وتشير إلى أن "الحياة الرمضانية في المخيم كانت ترتكز على زيارات الجيران وتبادل الطعام والصلاة في المساجد. وكان مخيم نور شمس يضم سبعة مساجد تمتلئ بالمصلين في التراويح وليالي القدر، بينما يشعر النازحون اليوم بغربة حتى داخل المصليات القريبة، ما حرم كثيراً من كبار السن من الوصول إلى مساجدهم المعتادة. كان النازحون يأملون في قضاء رمضان الثاني في بيوتهم حتى لو كانت مدمرة، لكن النزوح استمر مع غياب الأمان المعيشي والاقتصادي".
وتؤكد أن "المساعدات بقيت محدودة ومؤقتة، واقتصرت على طرود غذائية أو قسائم بقيمة 200 و300 شيكل (70 و100 دولار)، فيما لم تحصل العائلات سوى على دفعة إيجار واحدة من الحكومة الفلسطينية بلغت 3000 شيكل منذ بداية النزوح، هكذا يواجه آلاف النازحين من مخيمي نور شمس وطولكرم أعباء الإيجار والمواصلات والكهرباء والعلاج من دون مصادر دخل، ومعاناة النزوح لا يدركها إلا من يعيشها".
ويقول سليمان الزهيري، وهو من مخيم نور شمس، لـ"العربي الجديد": "دخل أهالي المخيم رمضان الثاني على التوالي وهم نازحون ويعيشون ظروفاً معيشية صعبة ومعقدة للغاية في ظل تراجع برامج الإغاثة وغياب دعم الإيواء منذ الأشهر الثلاثة الأولى للنزوح، ما اضطر كثيرين إلى بيع مدخراتهم ومقتنياتهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية". ويشير الزهيري إلى أن "رمضان يخفف المعاناة مؤقتاً بفعل المساعدات والطرود الغذائية الشحيحة، لكن القلق يزداد بعد انتهائه مع استمرار البطالة ونقص المساعدات، حتى الأدوية الأساسية في عيادات وكالة أونروا. النزوح بدد أجواء رمضان التي تشمل الألفة والسهر حتى الفجر وامتلاء المساجد والشوارع، بعدما تشتت العائلات في مناطق مختلفة، كما تسببت عمليات الهدم التي طاولت أكثر من ألف منزل وتضرر آلاف أخرى، إلى جانب الحرق والدمار الواسع، في فقدان البيوت والذكريات، بينما يعيش النازحون اليوم في مساكن مؤقتة أو غير مكتملة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة".
ويوضح رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم نور شمس نهاد الشاويش، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن أوضاع النازحين من المخيم بلغت مستوى بالغ الصعوبة بعد مرور أكثر من عام على النزوح، وقد تضاعفت احتياجاتهم وباتت تشمل كل جوانب الحياة، وفي مقدمها الإيواء والعلاج والتعليم. العائلات التي كانت تعيش في بيئة اجتماعية واحدة داخل المخيم أصبحت مشتتة في مناطق مختلفة، حيث يعيش الأب في مكان والابن أو الأخ في مكان آخر، ما تسبب بأضرار اجتماعية ونفسية عميقة إلى جانب المعاناة المعيشية".
وبحسب الشاويش اقتصرت مساعدات الحكومة الفلسطينية على دفع إيجارات العقارات للنازحين لثلاثة أشهر فقط في بداية النزوح، بينما تراكمت الديون على كثير من الأسر التي تعيش حالياً في منازل مستأجرة أو لدى أقارب أو في مراكز إيواء، مثل مدرسة الموحدين بمدينة طولكرم التي لا تزال تؤوي نازحين منذ عام. ويوضح أن "معظم العائلات النازحة استنفدت مدخراتها، خاصة من كانوا يعملون في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، أو يعتمدون على رواتب محدودة، في ظل التزامات فواتير الكهرباء والمياه والمواصلات والتعليم والعلاج".
ويُشير إلى أن بعض المرضى يحتاجون إلى أدوية شهرية باهظة تصل إلى مئات أو آلاف الشواكل بسبب نقص الأدوية في المؤسسات الصحية الحكومية أو وكالة "أونروا". ويذكر أيضاً أن نحو 80% من العائلات باتت تعتمد على وجبات التكيات خلال شهر رمضان، بعدما كانت هذه المساعدات تقتصر سابقاً على الأسر الأشد فقراً، ويؤكد أن النزوح دمّر اقتصاد مخيم نور شمس، كما فقد النازحون أجواء رمضان وصلوات التراويح في مساجد المخيم التي ارتبطت بذكرياتهم العائلية والشهداء.
ويرى الشاويش أن "القضية تحتاج إلى برنامج وطني متكامل لإغاثة النازحين يشمل الإيواء والصحة والتعليم والدعم النفسي، مع ضرورة توفير أجوبة سياسية واضحة حول مستقبلهم، ويؤكد أن المطلب الأساسي للنازحين هو العودة إلى بيوتهم، فهم لا يريدون مساعدات بقدر الرجوع إلى المخيم والعيش فيه مهما كانت الظروف".
وتروي عزة جمال بركة، وهي معلمة لغة إنكليزية وأم لخمسة أطفال، لـ"العربي الجديد"، حكاية نزوحها من مخيم طولكرم شمال الضفة الغربية إلى ضاحية إكتابا - عزبة أبو بلال في مدينة طولكرم، حيث تعيش للعام الثاني بعيداً عن منزلها، وتقول: "يحمل شهر رمضان هذا العام في النزوح مشاعر الحزن والاغتراب أكثر من أجواء العبادة والفرح التي كنا نعيشها في المخيم. حياتنا قبل النزوح كانت بسيطة لكنها مستقرة وكريمة، إذ كنا نعيش وسط علاقات اجتماعية متينة وأجواء رمضانية مليئة بالزينة والأنشطة واللمّة العائلية، بينما تحوّل رمضان اليوم إلى مناسبة يطغى عليها القلق والحنين والضيق الاقتصادي".
وتوضح أنها أمضت الأشهر الأولى من النزوح مع عشرات الأقارب في منزل واحد، ثم انتقلت إلى منطقة جبلية بعيدة، ما جعلها تشعر بالعزلة والخوف على أطفالها، خصوصاً بعدما اعتادوا على اللعب بحرية في أزقة المخيم".
كما فقدت عزة مصدر رزقها بعد توقف المعهد التعليمي الذي كانت تديره ويضم عشرات الطلاب، وأصبحت بلا عمل في ظل صعوبة التنقل وتشتت طلابها، ما أثرّ معنوياً واقتصادياً على العائلة. وتقول: "أصعب ما يعيشه النازحون في رمضان هو افتقاد اللمّة العائلية وموائد الإفطار المشتركة، إذ تفرقت العائلات بين القرى والضواحي ولم يعد التواصل ممكناً إلا عبر الهاتف وتطبيقات التواصل الاجتماعي".
وتختصر عزة معاناة النزوح بالقول: "عندما يُقتلع الإنسان من بيته يفقد الأمان والاستقرار"، وتؤكد أن حلمها اليوم لم يعد يقتصر على العودة إلى مدن الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، التي كانت تحدث أبناءها عنها، بل أصبح يبدأ بالعودة إلى المخيم نفسه بوصفه محطة للذاكرة والانتماء، مع الأمل في أن تنتهي معاناة النازحين ويعودوا إلى بيوتهم.
ويوضح مدير طوارئ مخيم طولكرم فادي مصلح، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنه اضطر للنزوح من المخيم إلى ضاحية إكتابا مثل آلاف السكان، الذين نزحوا إلى مدينة طولكرم والقرى المحيطة، حيث يعيشون أوضاعاً معيشية قاسية بين بيوت قيد الإنشاء وخيام ومراكز إيواء أو في مساكن مستأجرة مكتظة بعدة عائلات. ويشير إلى أن "كثيرين فقدوا مصادر رزقهم المرتبطة بعملهم في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، فيما يواجه بعض المستأجرين معاناة كبيرة بسبب تراكم الديون، مع ارتفاع الإيجارات إلى نحو 1500 شيكل (نحو 500 دولار) واشتراط كفلاء أو دفعات مسبقة من قبل بعض أصحاب العقارات".
ويؤكد مصلح أن النازحين يسعون فقط إلى تأمين لقمة العيش، ويشير إلى أن المساعدات المعلنة لم تصل إليهم. ومع حلول رمضان الثاني بعيداً عن مخيم طولكرم، يؤكد فقدان اللمّة العائلية وتشتت العائلات في عدد من مناطق محافظة طولكرم، ويشير إلى أن أجواء رمضان وزينته وسهراته بعد الإفطار تحوّلت إلى ذكريات مؤلمة لا تعوض.
ومع كل الألم الذي أصاب فلسطينيي الضفة الغربية، خاصة النازحين، تظهر مبادرات مجتمعية للتكافل بين حين وآخر، كان آخرها مبادرة أطلقها نضال زريفة من مدينة طولكرم، حينما قرر هذا العام، مع حلول شهر رمضان إعفاء 14 عائلة نازحة تقيم في عمارة سكنية يملكها وتضم 14 شقة من دفع الإيجار، كنوع من توجيه المساعدة للنازحين بوصفهم الأكثر حاجة في الظروف الحالية.
ويوضح زريفة في حديثه لـ"العربي الجديد" أن "متوسط إيجار الشقة الواحدة لديه يبلغ نحو 1300 شيكل شهرياً، ومعظم المستأجرين موظفون يتقاضون نحو 60% من رواتبهم فقط، بما لا يتجاوز2200 شيكل شهرياً لعائلات تضم أربعة أو خمسة أفراد، وهو مبلغ يكفي بالكاد لتأمين الاحتياجات الأساسية".
ويؤكد زريفة أن "قرار الإعفاء قوبل بفرحة كبيرة وغير متوقعة من قبل العائلات النازحة، والمبادرة انطلقت من مبدأ التكافل الاجتماعي مع النازحين الذين يواجهون أوضاعاً اقتصادية سيئة جداً". ويشير إلى وجود عائلات عاجزة عن توفير وجبة الإفطار لأطفالها ويدعو أصحاب العقارات إلى إعفاء النازحين من الإيجارات لمدة شهر أو شهرين سنوياً على الأقل من أجل تخفيف معاناتهم.