مدينة غزة وشمالها... عائلات تستعيد الحياة على أنقاض المنازل
استمع إلى الملخص
- قصص الصمود والتحدي: تجسد قصص مثل أبو عاصف أبو ريالة وعبد الله قداس صمود العائلات الفلسطينية التي عادت إلى منازلها رغم الدمار، حيث قاموا بإصلاح ما يمكن إصلاحه ونصبوا خيامًا على الأنقاض.
- جهود إعادة الإعمار والتحديات: تعمل بلدية غزة على خطة طارئة لإدارة التعافي المبكر، تركز على فتح الشوارع وصيانة البنى التحتية، لكنها تواجه تحديات بسبب نقص المعدات والتمويل.
أفقد الاحتلال الإسرائيلي مدينة غزة وشمالها كل سُبل الحياة عبر تدمير البنى التحتية والأسواق والشوارع وكل القطاعات الحيوية والخدماتية من أجل جعلها غير صالحة للعيش، لكن السكان لم يستسلموا.
تحاول عائلات فلسطينية عادت من رحلات نزوح شاقة من جنوب ووسط قطاع غزة إلى مدينة غزة وشمالها استعادة بعض تفاصيل الحياة رغم عدم توفر أدنى المقومات بفعل تحويل الاحتلال هذه المناطق إلى أكوام من الحجارة والركام، بعدما طال القصف والتدمير غالبية المنازل والشوارع والطرقات.
اندفع فلسطينيو غزة منذ اللحظات الأولى لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ إلى منازلهم التي دمّر الاحتلال عدداً كبيراً منها، وألحق أضراراً جسيمة بأخرى، وباشروا إصلاح ما تبقى من جدران أو نصب خيام على الأنقاض، في رسالة تحدٍ وصمود تفيد بـ"أننا باقون في أرضنا ومنازلنا مهما كان الثمن، وسنُعيد تفاصيل الحياة التي اعتدنا عليها".
ويواجه سكان مدينة غزة وشمالها صعوبة كبيرة في الحصول على المياه الصالحة للشرب وتلك للاستخدام الآدمي، وتوفير لقمة طعام لأطفالهم، إضافة إلى صعوبة التنقل من مكان إلى آخر بسبب وعورة الطرق والشوارع التي أصبحت غالبيتها مغلقة نتيجة انتشار الركام في وسطها.
منذ الساعات الأولى لدخول اتفاق التهدئة حيّز التنفيذ، توّجه أبو عاصف أبو ريالة إلى منزله الذي يقع في منطقة اليرموك شرقي مدينة غزة بعدما نزح لأسابيع إلى مخيم النصيرات بالمحافظة الوسطى، وتفاجأ بحجم الدمار الذي أصاب المنطقة ومنزله الذي لحقت به أضرار كبيرة، وأصبح لا يصلح للسكن. أخذ أبو ريالة على عاتقه إصلاح بعض الأضرار في منزله للعودة إليه والعيش في كنفه برفقة أفراد عائلته الـ13. ويقول لـ"العربي الجديد": "أصيب منزلي البالغ مساحته 270 متراً مربعاً بأضرار جسيمة، ولم يبقَ منه سوى جدران قليلة فيها تشققات كبيرة. أصلحت ما يُمكن في غرفة واحدة ومطبخ وحمام وضعت عليها بعض الأغطية والشوادر على حسابي الشخصي كي أعيش في المنزل مع عائلتي".
ويروي أبو ريالة بقهر أنه كان يهتم بالتراث الفلسطيني وامتلك مقتنيات أثرية خصص لها غرفة في البيت، لكنها تدمّرت بالكامل خلال القصف. كما احترق نصف البيت تقريباً بعد إلقاء قنابل دخانية عليه. ويقول: "قبل أيام قصف الاحتلال منزلاً مجاوراً لمنزلي ما ألحق أضراراً جديدة في أجزاء عملت على إصلاحها. والآن أحاول إعادة إصلاحها".
ويذكر أن المنطقة لا تصلها المياه، في حين يحصل على مياه الشرب من شاحنة تأتي كل ثلاثة أيام. أما المياه الخاصة بالاستخدام الآدمي فيحصل عليها من بئر قريبة مقابل مال. وهو يُلخص الواقع بالقول: "الحياة مأساوية وصعبة نتيجة عدم توفر أدنى المقومات. ورغم ذلك عاد غالبية السكان إلى بيوتهم بأمل أن تتحسن الظروف في الأيام المقبلة".
قصة أبو ريالة تجسّد صمود عشرات العائلات الفلسطينية التي تركت منازلها قسراً، لكن قلوبها ظلّت معلّقة بالأماكن التي ترعرعت فيها. ويقول عبد الله قداس الذي عاد إلى مسقط رأسه في معسكر جباليا شمالي قطاع غزة بعد أيام قليلة من اتفاق التهدئة، بعد رحلة نزوح قاسية أُجبر على تنفيذها في منطقة الزوايدة وسط القطاع، ونصب خيمة قرب أنقاض منزله متحدياً قسوة الحياة وانعدام أدنى المقومات لأنه يشعر براحة في المكان، لـ"العربي الجديد": "الحياة هنا قاسية في ظل انعدام البنى التحتية وقلّة المياه المتوفرة. تأتي شاحنة مياه واحدة يومياً فأذهب كي أملاء غالونات منها. أما المياه الخاصة بالاستخدام الآدمي فشبه معدومة بسبب تدمير البنى التحتية. وقد عاد سكان قليلون إلى المنطقة".
يتابع: "رغم صعوبة الحياة هنا لكنها أسهل من النزوح لذا قررت العودة إلى المنطقة برفقة عائلتي المؤلفة من خمسة أفراد، ولن أتراجع عن ذلك. هناك شح في الطعام والدقيق المتوفر بسبب قلّة الباعة في المنطقة. نسمع أحياناً أصوات إطلاق نار من الاحتلال الذي يتواجد في المناطق الشرقية لمخيم جباليا، ونتمنى أن تتحرك الجهات المعنية لإصلاح البنى التحتية كي يستطيع الناس العودة للمنطقة، وتعود الحياة لها كما كانت في السابق".
أيضاً يؤكد وجيه فرينة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن قلبه مُعلق في حي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة الذي عاش فيه منذ نعومة أظفاره. وهو عاد إلى منزله بعدما انسحب الاحتلال، لكنه وجد أنه تحوّل إلى أكوام من حجارة لم تمنع نصبه خيمة على أنقاضه. ويقول: "عُدت بلا تردد في الأيام الأولى لانسحاب الاحتلال من المنطقة، ونصبت خيمة على أنقاض منزلي رغم تردي الأوضاع المعيشية وعدم توفر أدنى مقومات الحياة. أنا مقتنع بأن الظروف ستتحسن مع الأيام، وهذا ما يحدث فعلاً. تأتي يومياً شاحنة مياه حلوة، وأتوجه لتعبئة غالونين، وهكذا تمضي الأيام. أحدث الاحتلال دماراً كبيراً في المنطقة، وأصبح الشارع وعراً ويصعب التحرك فيه أو وصول مركبات إليه، ولا شبكات للاتصال بالهواتف المحمولة لأن الاحتلال قطعها. سنبقى هنا مهما كان الثمن بأمل أن تعود الحياة كما كانت عليه في الأعوام السابقة".
بدوره، عاد مجدي عبد الجليل من مخيم النصيرات وسط القطاع إلى منزله في حي الشيخ رضوان شمال غربي مدينة غزة، ووجد أن أضراراً جسيمة لحقت بالمنزل جراء القصف الإسرائيلي الذي طال المنطقة، وأن أجزاءً منه احترقت، فأخذ على عاتقه تنظيف المنزل وإزالة الحجارة منه، وإصلاح بعض الأجزاء. يقول لـ"العربي الجديد": "لا مأوى لي سوى هذا البيت، لذا قررت إصلاح أجزاء منه والعيش تحت سقفه مع عائلتي. لا شك في أن الحياة صعبة هنا لكنني لا أملك خيارات أخرى خصوصاً أنني أعيش في هذه المنطقة منذ سنوات طويلة، وأجد فيها الأمن والأمان". ويشير إلى أنه يقطع مسافات للحصول على المياه وأخرى للتسوق والحصول على خضار وطعام.
إلى ذلك، يعيش فارس عليان حياة صعبة في معسكر جباليا شمال القطاع بعدما عاد من رحلة نزوح شاقة في مدينة دير البلح بالمحافظة الوسطى، وذلك نتيجة عدم توفر أدنى مقومات الحياة في المنطقة التي يسكنها. ويقول لـ"العربي الجديد": "منذ أن عدت إلى المنزل وجدت أجزاءً منه مدمّرة بفعل القصف الإسرائيلي، ثم بدأت في اصلاح ما أمكن من الأضرار، ووضعت أقمشة وشوادر على غرفتين. حتى الآن الحياة قاسية فلا ماء وطعام ولا بنى تحتية صالحة، والمياه الحلوة تصلنا عبر شاحنة يومياً". يضيف "لم أتردد لحظة في اتخاذ قرار العودة إلى منزلي المدمر جزئياً برفقة عائلتي المؤلفة من 7 أفراد، رغم عدم توفر سُبل حياة مناسبة، وآمل في أن تتحسن الأوضاع في الأيام المقبلة. أدعو الجهات المعنية لإصلاح الطرقات والبنى التحتية من أجل تمكين السكان النازحين من العودة إلى المنطقة، وإعادة الحياة إليها".
وخلّف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة دماراً واسعاً طال كل ما له علاقة بالحياة. وتشير تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى تضرر نحو 90% من البنى التحتية كلياً أو جزئياً، وهدم الاحتلال نحو 300 ألف وحدة سكنية كلياً، و200 ألف أخرى بشكل بليغ أو جزئي، ما يجعل أكثر من مليون ونصف المليون مواطن بلا مأوى دائم.
وفي حديث سابق لـ"العربي الجديد"، أكد الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن البلدية تعمل حالياً ضمن خطة طارئة لإدارة مرحلة التعافي المبكر، وتركّز جهودها على فتح الشوارع الأساسية والفرعية، وصيانة خطوط المياه والصرف الصحي، وإزالة الأنقاض من المناطق السكنية. ويشير إلى أن البلدية أعدّت خطة متكاملة لإعادة تأهيل البنى التحتية وفق أولويات إنسانية وخدماتية، بالتعاون مع الجهات الدولية والمنظمات المانحة، لكنها تواجه عقبات كبيرة بسبب نقص المعدات والتمويل.
ويتحدث عن أن غالبية آليات البلدية ومعداتها دُمّرت خلال الحرب، فيما تعطلت أخرى نتيجة تقادمها وعدم توفر قطع الغيار اللازمة، حيث إن مخازن البلدية تكاد تكون خالية من الأدوات التشغيلية، ما يعرقل جهود إزالة الركام وإصلاح الشبكات الحيوية، مشدداً على ضرورة السماح بدخول الآليات والمعدات الثقيلة والوقود بكميات كافية لاستئناف العمل الإنساني والخدماتي.