مراكز ترحيل اللاجئين خارج أوروبا... الدنمارك تصطدم بتحذيرات حقوقية

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:09 (توقيت القدس)
تشديد دنماركي على الحدود مع ألمانيا، 6 يناير 2016 (شون غالوب/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تواجه خطة الدنمارك لإنشاء مراكز استقبال للاجئين خارج الاتحاد الأوروبي تحديات حقوقية، حيث يحذر مجلس أوروبا من مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان مثل سوء المعاملة والاحتجاز التعسفي.
- تدافع رئيسة الحكومة الدنماركية عن نقل مراكز اللجوء خارج أوروبا لتخفيف الضغط على الدول الأوروبية، وتحظى الفكرة بدعم بعض الأحزاب البرلمانية ومبادرات داخل الاتحاد الأوروبي.
- يثير المشروع مخاوف من إضعاف حقوق طالبي اللجوء وتغيير نظام اللجوء الأوروبي، وتواجه الدنمارك تحديات في إقناع الشركاء الأوروبيين وضمان الالتزام بالمعايير القانونية.

تواجه خطة الدنمارك لإنشاء مراكز استقبال وترحيل لاجئين خارج حدود الاتحاد الأوروبي اختباراً جديداً، بعدما حذر أخيراً مجلس أوروبا من مخاطر محتملة على حقوق الإنسان. ويأتي التحذير الذي جاء على شكل رسالة نشرت بعض مقتطفاتها صحف دنماركية، السبت الماضي، في وقت تجعل فيه رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن نقل إجراءات اللجوء والهجرة إلى خارج أوروبا إحدى أهم أولويات حكومتها. وفي تلك الرسالة التي وجهها مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان مايكل أوفلاهيرتي إلى الدنمارك وألمانيا والنمسا وهولندا واليونان، أعرب عن قلقه من أن تؤدي هذه المشاريع إلى "انتهاكات تتعلق بسوء المعاملة، والاحتجاز التعسفي، وعدم حصول طالبي اللجوء والمهاجرين على ضمانات قانونية كافية". 

ولا يعارض مجلس أوروبا من حيث المبدأ بحث حلول جديدة لأزمة الهجرة، لكنه يؤكد أن "أي نموذج جديد يجب ألا يؤدي إلى نقل المسؤولية القانونية والإنسانية إلى دول خارج الاتحاد الأوروبي".

مراكز اللجوء من حلم دنماركي إلى مشروع أوروبي

ودافعت فريدركسن، في مقابلة مع صحف محلية وصحيفة فاينانشال تايمز، في 23 الشهر الماضي، عن فكرة نقل مراكز معالجة طلبات اللجوء إلى خارج أوروبا، معتبرة أن "النظام الحالي يشجع على رحلات الهجرة غير النظامية ويضع ضغطاً كبيراً على الدول الأوروبية". وقالت رئيسة الحكومة إن "المشروع السياسي الملموس الوحيد" الذي تريد التركيز عليه خلال ولايتها الجديدة هو إقامة هذه المراكز خارج القارة. 

وتلقى سياسات فريدركسن تأييداً من أحزاب برلمانية في معسكر يمين ويمين الوسط، وتحفظ ورفض من قبل اليسار ومنظمات وحركات متعددة، بينها المجلس الدنماركي للاجئين والفرع الدنماركي لمنظمة العفو الدولية. ولم تعد الفكرة دنماركية فقط، إذ حصلت مبادرات مشابهة على دعم داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما وافق البرلمان الأوروبي على خطوات تمهد لإمكانية إقامة مراكز استقبال ومغادرة في دول ثالثة، بالتعاون مع حكومات خارج الاتحاد. وتسعى الدنمارك إلى بناء نموذج يشمل مراكز لمعالجة طلبات اللجوء خارج أوروبا، إضافة إلى مراكز لإيواء الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم أو صدرت بحقهم قرارات ترحيل، لكن لا يمكن إعادتهم إلى بلدانهم لأسباب قانونية أو أمنية.

تحذير من "منطقة رمادية" قانونية

ويرى مجلس أوروبا أن الخطر الأساسي يكمن في احتمال ظهور منطقة قانونية غير واضحة، حيث قد يجد أشخاص أنفسهم خارج الأراضي الأوروبية لكنهم ما زالوا مرتبطين بقرارات تتخذها دول أوروبية. وأكد مفوض حقوق الإنسان أوفلاهيرتي، بحسب ما نشر السبت في كوبنهاغن، أن مسؤولية احترام الاتفاقيات الدولية لا تختفي بمجرد نقل الأشخاص إلى خارج الاتحاد الأوروبي. وطالب الدول المعنية باتخاذ إجراءات واضحة، من بينها إجراء تقييمات مسبقة للمخاطر، وضمان وجود رقابة مستقلة على هذه المراكز، وإبرام اتفاقيات ملزمة مع الدول المضيفة، إضافة إلى توفير الشفافية حول كيفية عمل هذه المنشآت.

مخاوف حقوقية من أن يؤدي نقل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة إلى إضعاف حقهم في الطعن القانوني، أو تعرضهم لظروف لا تتوافق مع المعايير الأوروبية

ويخشى منتقدو المشروع، سواء على مستوى البرلمان الأوروبي أو الأحزاب الدنماركية المعارضة للخطة ومجلس اللاجئين في الدنمارك، من أن يؤدي نقل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة إلى إضعاف حقهم في الطعن القانوني، أو تعرضهم لظروف لا تتوافق مع المعايير الأوروبية. ولا تأتي التحذيرات في فراغ، إذ أصبحت الدنمارك خلال السنوات الأخيرة إحدى الدول الأكثر تشدداً في سياسات الهجرة داخل أوروبا. وقد سبق للحكومة الدنماركية أن بحثت إنشاء مركز لمعالجة طلبات اللجوء في رواندا، قبل أن تتراجع عن المشروع عام 2022. لكن كوبنهاغن عادت لاحقاً إلى الفكرة ضمن إطار أوروبي أوسع، معتبرة أن "الحل يجب أن يكون جماعياً لا فردياً". ويبدو أن وزير الهجرة والاندماج الدنماركي، مورتن بودسكوف، ماض في محاولة تطبيق تلك الفكرة، بحسب تصريحات نقلها التلفزيون الدنماركي في أعقاب وصول الرسالة الأوروبية المحذرة من مراكز الاستقبال والترحيل خارج أوروبا، وباعتبارها بمثابة مخاطرة بانتهاك حقوق الإنسان.

وتتعاون الدنمارك في هذا الملف مع دول أوروبية أخرى، بينها إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني، التي تتبنى بدورها سياسة نقل بعض إجراءات اللجوء إلى خارج حدود الاتحاد. لكن المنظمات الحقوقية ترى أن هذا الاتجاه يهدد بتغيير طبيعة نظام اللجوء الأوروبي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على مبدأ حماية الأشخاص الفارين من الاضطهاد والحروب.

بين السيطرة على الهجرة والحفاظ على القيم الأوروبية

تقول الحكومة الدنماركية إن الهدف من هذه المشاريع هو الحد من الهجرة غير النظامية وإنشاء نظام أكثر تنظيماً، بينما يؤكد المعارضون أن أوروبا تخاطر بالتخلي عن مسؤولياتها عبر إرسال طالبي اللجوء إلى دول أخرى. ولا يقتصر الجدل على الدنمارك، فعدد من الدول الأوروبية يواجه السؤال نفسه: كيف يمكن إدارة تدفقات الهجرة المتزايدة من دون المساس بالاتفاقيات الدولية وحقوق الإنسان؟

ويأتي هذا النقاش في وقت تشهد فيه أوروبا تصاعداً في نفوذ الأحزاب اليمينية التي تجعل تشديد سياسات الهجرة محوراً رئيسياً في برامجها السياسية. وتريد حكومة فريدركسن أن تجعل مراكز الترحيل خارج أوروبا نموذجاً جديداً للسياسة الأوروبية، لكنها تواجه الآن تحدياً مزدوجاً: إقناع شركائها الأوروبيين، وضمان عدم تجاوز الحدود القانونية. ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع أوروبا بناء ما تراه نظام هجرة أكثر صرامة من دون أن تفقد المبادئ التي قامت عليها؟. بالنسبة إلى مجلس أوروبا، الإجابة تبدأ من نقطة واضحة: نقل الحدود الجغرافية لا يعني نقل المسؤولية القانونية. أما بالنسبة إلى الحكومة الدنماركية، فإن مستقبل السياسة الأوروبية للهجرة يتطلب تغييراً جذرياً في الطريقة التي تتعامل بها القارة مع اللجوء.