مسنّو سورية ضحايا هجرة الأبناء وتجاهل السلطات

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:57 (توقيت القدس)
الوحدة تطارد المسنين في سورية، 14 ديسمبر 2024 (آريس ميسينيس/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني المسنّون في سوريا من الوحدة والعزلة بسبب هجرة الأبناء، مما أدى إلى تفكك الأسر وتراجع الدور التقليدي للعائلة، ويعتمدون على اتصالات وحوالات غير ثابتة.
- الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية يزيدان من معاناة كبار السن، حيث يعجزون عن الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، وتعتمد الحوالات المالية من الأبناء المهاجرين على دعم الجمعيات الأهلية المحدود.
- التحولات الاجتماعية وضعف القطاع الصحي فاقما معاناة المسنّين، مع تراجع الأدوار التقليدية للأسرة واعتماد الشباب على الهجرة، مما جعل المسنّين الأقل رعاية في المجتمع.

يعاني آلاف المسنّين في مدن وبلدات سورية من الوحدة والعجز والمرض والفراغ، بعد أن غادر الأبناء إلى دول الجوار أو أوروبا بحثاً عن الأمان أو العمل، في ظل ضعف شبكات الحماية وتراجع الدور التقليدي للعائلة، لا سيما أن ظاهرة الهجرة اتسعت خلال السنوات الأخيرة بشكل لافت. ومع تكرار موجات النزوح والهجرة، بدأت الأسر السورية تتفكك، فخلال سعي الشباب لتأمين مستقبلهم، أو الهرب من التجنيد الإلزامي، ومن تبعات الحرب، تركوا آلاف الآباء والأمهات خلفهم في الأحياء الشعبية، ينتظرون مكالمات هاتفية شحيحة بين الحين والآخر، أو حوالات مالية غير ثابتة، بينما يواجه معظمهم أمراضاً مزمنة تزيد من اعتمادهم على الآخرين. 
في حي الدريبة الشعبي بوسط مدينة جبلة، يسكن العم أبو أحمد (55 سنة) بمفرده في غرفة صغيرة منذ سنوات، بعد أن هاجر جميع أبنائه إلى الخارج، وهو يعاني من آلام المفاصل، ولا يستطيع المشي إلا بصعوبة، كما يعاني من صعوبات كبيرة في الكلام، ويؤكد جيرانه لـ "العربي الجديد" أنه يعيش منعزلاً، وبالكاد يخرج إلى المسجد بمساعدة بعض الشبان.
بدوره، يعيش عبد الرحيم عدلة (65 سنة) وحيداً في اللاذقية منذ أكثر من سبع سنوات، بعد وفاة زوجته وسفر أولاده، ويقضي وقته بين الصيد البحري والمسجد، بينما ينغلق على حاله في المنزل لساعات طويلة من دون مؤنس. ورغم الاتصالات الهاتفية التي يتلقاها من أولاده بين فترة وأخرى، إلا أن معاناة الشيخوخة بدأت تُتعبه، وأكثر ما يخشاه أن يموت وحيداً، ولا يشعر بوفاته أحد، وأمنيته أن يعود أولاده بعدما انتهت الحرب، لكنه يستدرك: "لكل منهم ظروفه، وأنا أعذرهم".
وإلى جانب العزلة، يشكّل الفقر أحد أبرز العوامل التي تعمّق أزمة كبار السن في سورية، فمع تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع أسعار الأدوية والعلاج، بات معظم المسنّين عاجزين عن الحصول على الرعاية الطبية المنتظمة، ولا يغطي راتب التقاعد الاحتياجات الأساسية، بينما الحوالات المالية من الأبناء المهاجرين تتفاوت بين أسرة وأخرى، ولا تشكّل في أغلب الأحيان حلاً دائماً.

مسن سوري يحتفل بإسقاط نظام الأسد، دمشق، 13 ديسمبر 2024 (بلال الحمود/فرانس برس)
مسن سوري يحتفل بإسقاط نظام الأسد، دمشق، 13 ديسمبر 2024 (بلال الحمود/فرانس برس)

تجتهد نابغة طوقتلي (57 سنة) مع زوجها المدرس المتقاعد لتأمين احتياجات الحياة اليومية، وأهمها أدوية الضغط، وتكاليف زيارات المشافي التي تصفها بالمرهقة، وقد غادرت آخر بناتهما سورية قبل عامين، لتلحق بشقيقتيها اللتين تزوّجتا في تركيا وأوروبا. وتؤكد طوقتلي، لـ"العربي الجديد"، أن "العزلة التي تشعر بها، وهدوء المنزل بعد هجرة الأبناء صعبة. لم أكن أتخيل أن يكون نصيب بناتي جميعهن الغربة، لكن ظروف الحرب فرضت علينا هذا، والآن أنتظر زيارتهن، وأفتقدهن كثيراً".
دور رعاية المسنين قليلة العدد في سورية، وتُقدّم خدمات متواضعة مقارنة بالحاجات الكبيرة، كما يرفض كثير من كبار السن الانتقال إليها بسبب النظرة الاجتماعية التي تعتبر ذلك نوعاً من الوصمة. وتبذل بعض الجمعيات الأهلية جهوداً لتحسين أوضاع المسنّين عبر زيارات منزلية، وتأمين سلال غذائية، وتقديم الدعم النفسي، لكن هذه المبادرات تعتمد غالباً على تبرّعات غير مستقرة، ما يجعل استدامتها صعبة.

يقول الموظف في جمعية البر والخدمات الاجتماعية، خالد عجيل، لـ"العربي الجديد"، إنّ "عدد المسنين الذين يحتاجون إلى دعم يفوق طاقة جميع الجمعيات، وبعضهم يعيشون في بيوت متهالكة، والبعض يحتاجون إلى رعاية طبية يومية لا يمكنهم توفيرها. ظاهرة هجرة الشباب خلقت أزمة عميقة لا ينتبه إليها كثيرون، وهي زيادة المحتاجين إلى الرعاية من المسنين والأطفال". 
من جانبها، ترى اختصاصية علم الاجتماع هدى نجار أن معاناة المسنين في سورية لا ترتبط بتبعات الحرب فقط، بل بالتحولات الاجتماعية العميقة في بنية الأسرة السورية. وتوضح لـ"العربي الجديد": "الأدوار التقليدية للأسرة الكبيرة تراجعت، بينما أصبح الاعتماد على الهجرة هو الخيار الأول لكثير من الشباب، فالضغوط المعيشية ساهمت في جعل الأبناء أقل قدرة على إعالة أسرهم الممتدة، كما أن الجيل الأكبر يجد نفسه أمام واقع جديد لا يشبه ما عاشه سابقاً، حين كان المسنّ محور العائلة، أما اليوم فهو غالباً الشخص الأقل رعاية. ومع ضعف القطاع الصحي وتدهور الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة السورية للمسنين، يواجه كثيرون منهم في ما تبقى من أعمارهم ظروفاً حياتية وصحية صعبة مع حاجتهم إلى الرعاية المتواصلة".