مهاجرون أفغان يتحدون الموت هرباً من البطالة والفقر

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:42 (توقيت القدس)
شبان أفغان على الحدود الإيرانية، 6 إبريل 2026 (محسن كريمي/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يهاجر الشباب الأفغاني بشكل غير شرعي إلى إيران بحثاً عن فرص عمل بسبب الأزمة المعيشية، رغم المخاطر الكبيرة في الصحراء وعلى الحدود، والتي غالباً ما تنتهي بمآسٍ مثل الوفاة أو الإصابات الخطيرة.
- الظروف الاقتصادية الصعبة تدفع الشباب للمخاطرة بحياتهم، بينما تشديد إجراءات دول الجوار يزيد من صعوبة وكلفة الرحلات، مع مخاطر مثل العطش والجوع والاعتقال.
- الأسر الأفغانية تسمح لأبنائها بالهجرة لعدم وجود بدائل، ووسائل التواصل الاجتماعي تعزز رغبة الشباب في الهجرة رغم المخاطر، كما حدث مع معاوية سردار.

عثرت قوات الأمن الأفغانية خلال الأيام الأخيرة، في صحراء ولاية نيمروز، على جثامين 12 شاباً لقوا حتفهم خلال محاولتهم الهجرة بطريقة غير مشروعة إلى إيران بحثاً عن فرص عمل لكسب لقمة العيش، في مشهد بات متكرراً، ما يعكس مأساة مئات الأشخاص الذين اختاروا هذا الطريق المحفوف بالمخاطر نتيجة أزمة معيشية طاحنة.
وفي وقت سابق، عثرت القوات الأفغانية على جثامين شبان آخرين في المنطقة نفسها، فيما يتعرض آخرون لإصابات متباينة خلال محاولات عبور الحدود، وسط شهادات حول إطلاق النار تأتيهم من قوات حرس الحدود الإيرانية. وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يبدو السفر عبر طرق غير شرعية خياراً بقدر ما يعتبر مخرجاً اضطرارياً من واقع معيشي شديد التردي.
يقول الناشط الاجتماعي عبد القادر زرمتي لـ"العربي الجديد"، إن "أسباب توجه الشبان الأفغان نحو الدول المجاورة عبر تلك الطرق الخطرة قد تتباين بين شاب وآخر، وبين أسرة أخرى، ومنطقة وأخرى، لكن ما يجمعهم عادة هو عدم توفر فرص العمل التي تساعدهم على تأمين احتياجاتهم واحتياجات أسرهم. آلاف الشبان يبحثون عن وظائف، لكنّ أحداً منهم لا يجد فرصة عمل، بينما الظروف المعيشية للعائلات صعبة، ليجد الكثيرون أنفسهم مرغمين على التفكير في السفر إلى بلد آخر بحثاً عن العمل، حتى لو كان ذلك على حساب حياتهم".
يضيف زرمتي: "تزداد صعوبة الأوضاع مع تشديد دول الجوار إجراءاتها إزاء المهاجرين الأفغان، ما يجعل رحلة الهجرة أكثر كلفة، وأكثر خطورة، فالشاب الذي يسلك الطرق غير الشرعية يواجه مخاطر متعددة تبدأ من مخاطر الصحراء، حيث يمكن أن يلقى حتفه بسبب العطش أو الجوع أو الحرارة الشديدة، وفي حال الوصول إلى الحدود، يواجه خطر الاعتقال، أو الإصابة أو الموت في أثناء محاولة العبور. غالبية الشباب يعرفون جيداً خطورة الطريق الذي يسلكونه، وبعضهم يدركون احتمال تعرضهم للموت، لكن الظروف التي يعيشونها تدفعهم إلى المجازفة، مهما كان حجم الخطر".

مهاجرون أفغان مرحلون من إيران، مارس 2026 (فرانس برس)
مهاجرون أفغان مرحلون من إيران، مارس 2026 (فرانس برس)

بدوره، يؤكد الأكاديمي وقاية الله شمس أن أوضاع الأسر المتردية من بين الأسباب التي تجبر الشبان على الهجرة، ويقول لـ"العربي الجديد": "الأسر تسمح لأبنائها بالذهاب في هذا الطريق رغم أنها تعرف حجم المخاطر التي تنتظرهم، ربما لأنها في غالبية الحالات لا تملك بديلاً آخر، فالأب أو الأم يخشيان بالطبع أن يفقدا ابنهما في طريق الهجرة، لكنهما أيضاً يخشيان أن يؤدي بقاؤه من دون عمل إلى بقاء الأسرة كلها في فقر. تقبل الأسر المخاطرة على أمل أن يتمكن ابنها من الوصول إلى إيران، والعثور على عمل، وإرسال جزء من دخله لتوفير احتياجات أهله".
ويضيف الأكاديمي الأفغاني أن "الواقع المزري يجعل الهجرة في نظر الكثير من الشبان أشبه بالبوابة إلى حياة جديدة أكثر راحة، بينما تكون الحقيقة عادة مختلفة تماماً، فالمهاجر قد يموت في الصحراء من العطش أو الجوع أو الحرارة، أو يواجه مخاطر الغرق عند سلوكه الطرق البحرية، أو يتعرض للقتل أو الإصابة على الحدود، أو يقع ضحية المهربين وعصابات الاتجار بالبشر".
ويوضح شمس أن "دوافع الهجرة لا تقتصر على الفقر وحده، فهناك شبان ينتمون إلى أسر ميسورة نسبياً، لكنهم يتأثرون بما يشاهدونه عبر وسائل التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع فيديو لأصدقاء وأقارب يعيشون في الخارج، وتخلق هذه الصور أحياناً انطباعاً بأن الحياة في خارج البلاد أكثر رفاهية، وأن الهجرة يمكن أن تمنحهم دخلاً أفضل، ومكانة اجتماعية أكبر. بعض الشبان يقارنون حياتهم بحياة أصدقائهم في الخارج، ثم يحاولون إقناع أسرهم بالهجرة من خلال الاستشهاد بتجارب آخرين غادروا البلاد، وحققوا دخلاً جيداً. لكن المشكلة أن قصص النجاح تحظى باهتمام أكبر من قصص الفشل، ولا أحد يتحدث عمّن ماتوا في الطريق، أو تعرضوا للاستغلال أو الاعتقال".

خدعت مقاطع على منصات التواصل الاجتماعي الشاب معاوية سردار (27 سنة) من ولاية ننغرهار، فأقنع والده بأن يسافر عبر إيران إلى تركيا، ومنها إلى دولة أوروبية، واقترض الأب من أقاربه ما يعادل 5 آلاف دولار كي يبدأ الشاب رحلته في يوليو/تموز 2025، إلى الحدود الإيرانية الأفغانية، ومن هناك أخذه مهربون إلى الحدود التركية، وحين حاول العبور وقع في قبضة حرس الحدود التركي، والذي أطلق النار على من حاولوا العبور، كي يتمكن من توقيفهم.
يقول معاوية لـ"العربي الجديد": "رأيت الموت بعينيّ، وقُتل أربعة من رفاقي، وأصبت بجروح عدة، ثم وقعت في قبضة الأتراك، ورغم الألم والجراح، لم يتركوني إلا حين عبرت إلى الأراضي الإيرانية، وحينها ذهبت إلى المكان الذي كان فيه المهرب، ثم رجعت من جديد إلى أفغانستان بعد رحلة شاقة كان الموت فيها شبه محتوم".