في أحد أروقة معرض الكتاب المستعمل، المقام بحديقة عرصة الأرجوان في مدينة الدار البيضاء، تستقبل مكتبة يوسف بورة زوارها بما يقارب عشرة آلاف عنوان في الأدب والفكر والتاريخ والعلوم الإنسانية والكتب المدرسية. وبين رفوفها، لا تقتصر الحكاية على بيع الكتب، بقدر ما تمتد إلى لقاءات يومية تتجدّد بين قراء ما زالوا أوفياء لرائحة الورق وذاكرة الكتب.
وسط الحركة المتواصلة لزوار المعرض، كان يوسف بورة منشغلاً بترتيب الكتب واستقبال دفعات أخرى منها ما تزال تصل تباعاً. وبينما كانت عيناه تتنقلان بين العناوين، أطلّ صديق يعرفه منذ سنوات، فاستقبله بابتسامة عريضة وصافحه بحرارة قائلاً: "أهلا بصديقي المحامي... عاشق الكتاب". ولم يأتِ المحامي وحيداً، بل اصطحب ابنتَيه، اللتين سرعان ما انطلقتا تتأملان عناوين الكتب، وتقلبان صفحاتها، بحثاً عن كنز ورقي بين الرفوف.
اسم يوسف بورة ليس غريباً عن القراء أو رواد معرض الكتاب المستعمل، المتواصل إلى غاية 10 أغسطس/آب الجاري، تحت شعار "الثقافة التي تجمعنا"، بتنظيم من نادي القلم المغربي وإشراف مختبر السرديات والخطابات الثقافية، بل يكاد يكون أحد الوجوه التي منحت هذه التظاهرة الثقافية ملامحها، ورسخت حضورها في ذاكرة عشاق الكتاب. فمن موقعه مديراً للمعرض ورئيساً لجمعية الكتبيين (باعة الكتب) البيضاويين، لم ينظر إلى الكتاب المستعمل بوصفه سلعة تُتداول، بل بصفته إرثاً ثقافياً يستحق أن يُصان.
وعلى امتداد سنوات، كرّس جهده للدفاع عن هذا الإرث، حتى أصبح مرجعاً يقصده الباحثون عن كتاب نادر، أو طبعة نفدت من الأسواق أو مخطوط مفقود، أو عنوان استعصى العثورُ عليه. هذا الارتباط بالكتاب تشكل عبر مسار طويل وشاق بدأ في مدينة الدار البيضاء، حيث وُلد يوسف بورة سنة 1962، وتلقى تعليمه في مدارسها، حالماً بأن يشق طريقه نحو فرنسا للدراسة. غير أن ضيق ذات اليد أطفأ ذلك الحلم مبكراً، ودفعه إلى اختيار مسار آخر. فبدل أن يعبر أبواب الجامعة، افترش الأرض في سوق القريعة بدرب السلطان، يعرض الكتب المدرسية مع كل موسم للدخول المدرسي.
كانت تلك البداية وسيلة لتأمين لقمة العيش، لكنها سرعان ما تحولت إلى بوابة قادته إلى عالم الكتاب. ومنذ عام 1986، لم يغادر ذلك العالم، بل تعمّقت صلته به عاماً بعد عام، حتى أصبح واحداً من أبرز الكتبيين في المغرب، واسماً ارتبط بالدفاع عن الكتاب المستعمل ضد كل محاولات الطمس والنسيان.
لا يخفي يوسف بورة أن مهنة الكتبيّ "شاقة وممتعة في الآن نفسه". فهي، في نظره، تتطلب صبراً طويلاً في مواجهة ضعف الإقبال على الكتاب، وارتفاع تكاليف اقتنائه، وتقلبات السوق، لكنها، في المقابل، تمنح صاحبها ثراءً معرفياً وإنسانياً لا ينضب. ويلخص فلسفته في هذه المهنة بعبارة يردّدها كثيراً: "يحتاج الكتبيّ إلى عمر نوح ليقرأ، ومال قارون ليقتني الكتب، وصبر أيوب ليواصل هذه المهنة وسط ما تعترضها من إكراهات وتحديات".
ورغم هذه الصعوبات، لا يخفي بورة تطلعه إلى مزيد من الاهتمام الرسمي بالكتاب المستعمل والكتبيين، مؤكداً أن هذه المهنة تؤدي دوراً ثقافياً لا يقل أهمية عن دور المكتبات ودور النشر، مناشداً الجهات الوصية ووزارة الشباب والثقافة والتواصل إلى إيلاء مطالب الكتبيين ما تستحقه من اهتمام، معرباً عن أمله في أن يتحوّل هذا الإنصات إلى إجراءات ومبادرات عملية تعزّز مكانة الكتاب المستعمل، وتوفر للكتبيين الظروف الكفيلة بمواصلة رسالتهم الثقافية في خدمة القراءة وصون الذاكرة المكتوبة.
ويرى أن الكتبي يظل الحلقة الأضعف في منظومة تداول الكتاب، إذ ينشط داخل سوق غير مستقرة تفتقر إلى التنظيم، رغم أنه الأقرب إلى واقع الكتاب وحركة تداوله وإلى نبض القراء واحتياجاتهم. ويضيف أن محدودية الإمكانات المادية للكتبيين تحول دون تطوير هذه المهنة بما يواكب التحولات التي يشهدها قطاع النشر، فيما يظل اشتغال أغلب الكتبيين في فضاءات شعبية، مؤشراً على حجم التهميش الذي يطاول الكتاب بوصفه منتجاً فكرياً وثقافياً.
ورغم هذه الإكراهات، يؤكد بورة أنّ الكتبيين يواصلون أداء دور ثقافي وريادي لا غنى عنه، من خلال الإسهام في نشر المعرفة وترسيخ ثقافة القراءة من خلال تقريبها من كل الفئات، وتمكين تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، ولا سيّما ذوي الدخل المحدود، من اقتناء الكتب والمراجع بأسعار في المتناول، كما يظلون مقصداً للفنانين والمبدعين والباحثين، الذين لا يخفون فرحتهم حين يعثرون بين رفوف الكتب المستعملة على طبعة نادرة أو كتاب ظلوا سنوات طويلة يحلمون باقتنائه.
فتح الكتاب أمام يوسف بورة آفاقاً أوسع مما كان يتخيل. فما بدأ وسيلةً لكسب الرزق، تحول مع مرور السنوات إلى رحلة يومية في عوالم الفكر والثقافة. وبين آلاف العناوين التي عبرت يديه، نهل من الفلسفة والتاريخ والأدب والعلوم والسياسة، وجاب عبر الصفحات ثقافات الشعوب ولغاتها. ولم تعد القراءة بالنسبة إليه مجرد هوايةٍ، بل غدت أسلوباً لفهم الذات والإنسان والعالم.
ولعل يوسف بورة نفسه يلخص هذا التحوّل، الذي صنعه الكتاب في مسيرته، في سيرته الذاتية الموسومة "جراح"، إذ يقول: "اكتشفت الأهمية الحقيقية لهذه الأصناف المعرفية، بل إنها ساعدتني على معرفة نفسي ومعرفة الآخرين، وصرت أستطيع التعرف على ملامح شخصيات الناس من خلال ما يقرأون". ويكشف هذا الاعتراف كيف تجاوز الكتاب دوره مصدراً للرزق، ليغدو وسيلة لاكتشاف الذات والآخر، ومدخلاً إلى ثقافات الشعوب وعوالمها.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، التي تجعل من الكتاب فضاءً للمعرفة والحوار قبل أن يكون سلعة للتداول، يشيد بورة بالدور الذي يضطلع به نادي القلم المغربي ومختبر السرديات والخطابات الثقافية في تعزيز إشعاع معرض الكتاب المستعمل والارتقاء بمكانته الثقافية.
ويوضح أن البرنامج الثقافي، الذي تحتضنه الخيمة الثقافية على امتداد أيام المعرض، ويستقطب نخبة من الكتاب والروائيين والنقاد والباحثين الشباب، أسهم في ترسيخ مكانة المعرض بوصفه فضاءً للحوار وتبادل الأفكار، لا مجرد سوق لتداول الكتب.
ورغم أن الكتاب المستعمل لم يمنح بورة ثراءً مادياً، فإنه وهبه ثراءً من نوع آخر؛ ثقافة واسعة، وخبرة راكمها عبر السنين، ومحبة كسبها من أجيال من القرّاء. لذلك؛ لا يقيس نجاحه بعدد الكتب التي يبيعها، بل بعدد القراء الذين يعودون إليه. وبين هؤلاء جميعاً، يواصل الرجل ما بدأه قبل أكثر من أربعة عقود، متشبثاً بمهنته ورسالته، رغم التحولات التي شهدها عالم القراءة والكتاب.