استمع إلى الملخص
- التحديات التي تواجه التجمعات البدوية: تعاني التجمعات من اعتداءات المستوطنين، مثل قطع المياه وسرقة المواشي، وضغوط من المستوطنات المحيطة، مع تهديدات بالإخلاء والهدم دون جدوى قانونية.
- الدعوات للتحرك والدعم: يطالب الناشطون بدعم الحكومة الفلسطينية والمجتمع الدولي للتجمعات البدوية عبر الدعم المالي وتدويل القضية، مع التركيز على المسار القانوني الدولي لحماية حقوق البدو.
تتجه خطوات سلطات الاحتلال الإسرائيلي المرتبطة بمخطط E1 الذي يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويقطع التواصل الطبيعي بين المدن والقرى، ليمهّد ربط محافظة القدس بمستوطنة معاليه أدوميم المقامة على أراضي القدس، عبر تهجير تجمعات بدوية يبلغ عددها 46 تجمعاً، باعتبارها الحلقة الأضعف في مواجهة التوسع الاستيطاني، وهو ما ينذر بترحيل الآلاف من سكان تلك التجمعات.
وكانت حكومة الاحتلال قد صدّقت رسمياً في 20 أغسطس/ آب الماضي، على إعادة تفعيل مخطط "E1" الاستيطاني، بعد سنوات من التجميد تحت ضغوط دبلوماسية دولية، لتبدأ خطوات عملية نحو بناء 3400 وحدة استيطانية في المنطقة الفاصلة بين القدس المحتلّة، وذلك لا ينفصل عن مشروع "نسيج الحياة" الاستيطاني الذي يهدف إلى إنشاء شبكة طرق وأنفاق للسيطرة على حركة الفلسطينيين في الضفة وعزلها عن سطح الأرض، إلى باطنها، ما يعني أنّ ذلك يستلزم تهجيراً كاملاً للتجمعات البدوية، وعددها 46 في محيط القدس، بحسب ما يؤكد المشرف العام لمنظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة، حسن مليحات في حديث مع "العربي الجديد".
وتنتشر هذه التجمعات وفق مليحات، في شمال القدس وشرقها وجنوب غربها، أبرزها في المنطقة الشرقية حيث تقع تجمعات جبل البابا ووادي الحوض ووادي الجمل. وتُصنّف هذه المنطقة بالأخطر لكونها تشكّل حاجزاً جغرافياً بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم" المقامة على أراضي القدس، كذلك فإنها خلال الأسابيع الماضية تلقت عدّة إخطارات بالإخلاء.
أما في الجهة الجنوبية الشرقية للقدس، فتظهر تجمعات أخرى محاذية لمناطق أبو ديس والعيزرية والسواحرة الشرقية، ومنها وادي أبو هندي وأبو نوار ومنطقة الجبل والهذالين. ويعيش في هذه المواقع بدو وسكان من بلدة السواحرة شرق القدس، كما يبيّن مليحات.
ويمتد الجزء الأكبر من التجمعات على جانبي الطريق الرابط بين القدس وأريحا، حيث يتصدّر الخان الأحمر المشهد بصفته الأكثر استهدافاً. وخلال الأشهر الأخيرة تُقام في محيط الخان الأحمر ثلاث بؤر رعوية جديدة تستهدف محاربة البدو في مصدر رزقهم، كما يشير مليحات.
ويقول مليحات: "شمال شرق القدس يشهد بدوره سلسلة من التجمعات قرب حزما، منها الكسارات والعراعرة وأبو غالية. وإلى الشمال الغربي، تقع تجمعات بين بلدتي بيت حنينا وبير نبالا المقدسيتين يقطنها نحو مائة عائلة، تسلّمت قبل أسبوعين إخطارات إخلاء، فضلًا عن بدو العويضات شمال بئر نبالا، وتجمعات أخرى قرب قرية الجيب شمال غرب القدس. ويؤكد مليحات أن هذه المواقع تُصنّف جميعها في دائرة الخطر المباشر.
ويعيش آلاف البدو في تلك التجمعات منذ عام 1967 دون أي بدائل مطروحة أمامهم إن نُفّذت أوامر التهجير. ويشدّد مليحات على أن "مصير هؤلاء مجهول، لأنهم ليسوا طارئين على المكان، بل أصحاب وجود أصيل".
ويؤكد مليحات أن الاعتداءات الاستيطانية تضاعف من قسوة الواقع، إذ يواصل المستوطنون مهاجمة التجمعات البدوية، وقطع المياه عنها، وسرقة المواشي، ما أدى إلى خسائر كبيرة في المزروعات من القمح والشعير والخضروات وفقدان مقومات الحدّ الأدنى من الحياة. ويشير إلى أن مستوطنات "معاليه أدوميم" و"كيدار"، إلى جانب بؤرة رعوية جديدة قرب حاجز "الكونتينر"، تشكّل الضغط الأبرز على حياة البدو. ويبرز مليحات أن لا جدوى قانونية من مواجهة هذه الإخطارات بالهدم والترحيل، لأن المسألة ليست قانونية كما يروّج الاحتلال، بل سياسية في جوهرها، حيث تُصنَّف أراضي البدو باعتبارها "أراضي دولة"، رغم انها أراضٍ محتلّة وفق القانون الدولي.
ويلفت مليحات إلى أنه قبل الحرب على غزة كان يتجاوز عدد التجمعات البدوية في محيط القدس 56 تجمعًا، لكن اعتداءات المستوطنين بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أدت إلى تهجير أكثر من عشرة تجمعات، أبرزها البقعة مطلع العام الماضي، إضافة إلى تجمعات قرب مستوطنة "راموت".
وفي الآونة الأخيرة يتلقى عرب الكعابنة شمال شرق القدس إخطارات بترحيل عشرات العائلات عن منازلها وحظائرها. أما على صعيد الدعم، فيشدّد مليحات على ضرورة أن تضع الحكومة الفلسطينية ملف التجمعات البدوية في القدس على سلّم أولوياتها، من خلال توفير دعم مالي مباشر للأسر التي فقدت مصادر رزقها.
ويرى مليحات أن "الأهالي لم يعد لديهم ما ينفقونه على احتياجاتهم، ومن غير المقبول أن يبقى هذا الملف معطّلًا". إلى جانب ذلك، يطالب مليحات بتحرك سياسي ودبلوماسي عاجل لتدويل القضية، عبر سفراء فلسطين والمؤسسات الرسمية. ويشدّد على أهمية اللجوء إلى المسار القانوني الدولي، باعتبار هذه التجمعات مقامة على أرض محتلة ينطبق عليها القانون الدولي.
بدوره، يوضح رئيس مجلس قروي الخان الأحمر، عيد الجهالين، في حديث مع "العربي الجديد"، أنهم يعيشون ظروفاً صعبة، وسط غياب أي دور فعلي للحكومة الفلسطينية، بينما يسيطر المستوطنون على المنطقة وتتحرك حكومتهم من خلفهم لحمايتهم ودعمهم بشكل كامل.
ويكشف الجهالين عن أنهم تلقوا قبل نحو أسبوع إخطارًا من المحكمة العليا للاحتلال ينصّ على إخلاء الخان الأحمر، وبذلك فقد تُنفَّذ أوامر هدم الخان الأحمر خلال نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. ومنذ عام 2018، يُهدّد تجمع الخان الأحمر بالهدم، حيث أصدرت محكمة الاحتلال أوامر بهدمه في 24 مايو/ أيار و5 سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، لكنّ التضامن الدولي والفعاليات الشعبية حالت دون ذلك.
وعما ورد في قرار المحكمة، يشير الجهالين، إلى أنه جاء بهذه الصيغة: "أنتم غير قانونيين، وعليكم أوامر هدم، وعليكم الإخلاء بأنفسكم، وإذا لم تغادروا حتى نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، فسيجري التعامل مع الأمر"، مشيراً إلى أنهم يتوقعون دفعهم بالقوة نحو هجرة المكان، وهو ما يرفضه السكّان. ويلفت الجهالين إلى أنّ تهجير البدو اليوم يشكّل نموذجًا يواجهه العديد من التجمعات البدوية في الأغوار ومسافر يطا، لكن الخان الأحمر يكتسب أهمية خاصة، فهو يضم نحو 350 نسمة، ويحتوي على مدرسة فيها حوالى 200 طالب وطالبة من مختلف التجمعات، ومسجد.
ويشير الجهالين إلى أن حوالى 3 آلاف مواطن فلسطيني بدوي يعيشون في المنطقة ضمن مخطط E1 وخارجها، وأن فقدان الخان الأحمر يعني فقدان كل التجمعات البدوية في المنطقة. وتنتشر البؤر الرعوية في محيط الخان الأحمر، وعددها 9، ويؤثر ذلك مباشرةً بمواشي الأهالي التي تتعرض للسرقة ولا تُطلَق في الأراضي، ومع ذلك لا يحصل المزارعون على دعم من وزارة الزراعة، بحسب ما يوضح الجهالين.
وبحسب الجهالين، تضاعف الظروف الاقتصادية الصعبة من معاناة الأهالي، خصوصاً مع منعهم من العمل في الداخل المحتلّ، مشيراً إلى أنهم تلقوا في السابق وعوداً بتوفير وظائف في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنها في المؤسسات الأمنية، لكن ذلك لم ينفذ، كذلك فإن محاولات توظيف خريجات الجامعة في مدارس الصمود بالتجمعات البدوية لم تُترجم إلى واقع.