أكراد الساحل... ذاكرة مهمّشة ومقاومة منسيّة

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:27 (توقيت القدس)
(بهرام حاجو)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عانى الكُرد في جبل الأكراد من تهميش متعمد من الأنظمة السورية، خاصة نظام البعث، الذي سعى لتذويب الهوية الكردية عبر سياسات الإقصاء الثقافي والتعليمي. رغم ذلك، حافظ الكُرد على هويتهم من خلال العشائر والعائلات البارزة.

- يتمتع جبل الأكراد بموقع استراتيجي مهم ويربط بين اللاذقية وحلب، ويُعتبر من أغنى المناطق زراعياً في الساحل السوري، مما يجعله قادراً على أن يكون سلة غذائية للمنطقة إذا استُثمر بشكل صحيح.

- انخرط الكُرد في الثورة السورية منذ بداياتها عام 2011، وشاركوا في الحراك المسلح ضد النظام، مما أدى إلى استهداف الجبل بالقصف. يواصل الكُرد مقاومة محاولات تغيير هويتهم، معبرين عن فخرهم بانتمائهم الكردي.

شكّل الوجود الكُردي في الساحل السوري، وتحديداً في منطقة جبل الأكراد شرق محافظة اللاذقية، جزءاً غير مرئي من المشهد السوري لسنوات طويلة، بفعل التهميش المتعمد من الأنظمة المتعاقبة، لا سيما نظام البعث، الذي مارس سياسات الإقصاء والتذويب الثقافي بحق الجماعات غير العربية. ورغم هذا التهميش، فإنّ الكُرد في هذه المنطقة انخرطوا في معارضة النظام السوري منذ بدايات الثورة السورية عام 2011، وسجّلوا حضوراً نوعياً في الحراك المسلح ضد النظام، وتشكيل فرق وكتائب عسكرية.
يقع جبل الأكراد شرق اللاذقية، ويمتد حتى أطراف جسر الشغور، ويضم قرابة مائة قرية، تُقدَّر نسبة الكُرد فيها بأكثر من 80%، بحسب شهادات محلية. ويُعتقد أن عدد الكُرد في هذه المنطقة يتراوح بين مائة إلى 150 ألف نسمة، ينتشرون في قرى مثل السرمانية، دوير الأكراد، سلمى، مرج خوخة، الكندّة، الكبينة، وغيرها من القرى الواقعة إدارياً ضمن محافظات اللاذقية، إدلب، وحماة.
رغم وجودهم الممتد تاريخياً في المنطقة، والذي يُعتقد أنه يعود إلى عهد صلاح الدين الأيوبي، سعت السياسات الرسمية لتذويب الهوية الكُردية. الجيل الجديد من سكان الجبل لا يتحدث اللغة الكُردية، بعد أن فُقدت تدريجياً عبر ستة أجيال، نتيجة التهميش التعليمي والثقافي، باستثناء بقاء بعض المفردات المتداولة محلياً.

ساهمت سياسة القمع في تغييب الحياة السياسية والتنظيمية الكردية في الجبل. ففي 1982، نفّذ نظام حافظ الأسد حملة اعتقالات واسعة استهدفت النخب والمثقفين، ما أدى إلى إضعاف الروابط السياسية

البناء العشائري والعائلي والاستراتيجي للجبل

تتكوّن البُنية العشائرية لجبل الأكراد من أربع عشائر رئيسية وأكثرها في جبل الأكراد هي عشيرة الشيخان والموشان والكيخيا وهي تشكل قرابة الــ50% من مجموع السكان، إضافة إلى عشائر أخرى. وأبرز العائلات المعروفة سلو، حمو، قاسمو، باجيكو، زمو، جنديكو، علو وغيرها، ما يؤكد تجذّر الهويّة الكردية رغم محاولات الطمس.
سلّط الصحافي عبد الباسط أحمد، والشيخ المعمّر وليد حمدو الزهوري، الضوء على الأهمية الاستراتيجية والزراعية والتاريخية لجبل الأكراد، وما تعرّض له من تهميش متعمّد من السلطات السورية عبر عقود. وبتعبير عبد الباسط فإن "الجبل يُمكن أن يطعم الساحل السوري بأكمله". مضيفاً حول أهمية الجبل التي تتجاوز الموقع الجغرافي إلى كونه "من أغنى المناطق زراعياً في الساحل السوري، وتتراوح ارتفاعاته بين 300 إلى 1600 متر، وهو ما يمنحه تنوّعاً مناخياً فريداً يسمح بزراعة الفاكهة والخضار والحبوب بكفاءة عالية. تنتج أراضيه التفاح والخوخ والدراق والمشمش والسفرجل والكرز، إلى جانب التين والعنب والتوت. كما تنتشر زراعة المكسرات مثل الصنوبر واللوز والفستق، إضافة إلى الحمّص والفول والبصل والثوم. لو جرى استثماره كما يجب، لأصبح هذا الجبل سلة غذائية تكفي الساحل بأكمله" وعن الناحية الاستراتيجية للجبل كونه يُشكل صلة وصل للطريق بين اللاذقية وحلب، ونقطة تطل على قلب البلاد، أكد أحمد أن موقع الجبل لا يقل أهمية عن إنتاجه الزراعي، مضيفاً "الجبل يبعد حوالي 55 كيلومتراً عن مدينة اللاذقية، ويشرف على سهل الغاب الممتد من ريف حماة وحتى ريف إدلب، ويمر الطريق الواصل بين اللاذقية وحلب عبر تخومه. إحدى قممه تطل مباشرة على قرية عكو، ومنها يمكن رصد تحركات في المنطقة الوسطى والشمالية، وهو ما جعل الجبل محل أطماع عسكرية منذ بداية الثورة". أما الزهوري فيطلب بعض الوقت ليجمع قواه قائلاً "حرمونا من لغة أجدادنا، ولم نتمكن من تعليم أبنائنا اللغة الأم، أيُّ إجرام ارتكبه الأسدان، وفق كل ذلك أريد لنا أن نبقى فقراء وجهلة" ويُضيف الزهوري حول ممارسات النظام السوري السابق قائلاً "تعمّد النظام أن يُبقي الجبل على الهامش. لا مدارس جيدة بعد المرحلة الإعدادية، ولا دعم زراعي حقيقي. شبابنا اضطروا للهجرة إلى المدن بحثاً عن لقمة العيش. مياه نهر الوادي الأزرق، التي كانت تسقي أراضينا، حُوّلت إلى مشاريع سياحية في سلمى وصلنفة. أُريد لنا أن نبقى فقراء وجهلة، وبالتالي فإن الإقصاء البنيوي والحرمان التنموي والتهميش التعليمي واضح جداً، رغم تمتع المنطقة بمقومات طبيعية وسياحية مهمة".

القمع ما قبل الثورة وغياب الحياة السياسية

ساهمت سياسة القمع في تغييب الحياة السياسية والتنظيمية الكردية في الجبل. ففي 1982، نفّذ نظام حافظ الأسد حملة اعتقالات واسعة استهدفت النخب والمثقفين، ما أدى إلى إضعاف الروابط السياسية والتنظيمية داخل الجبل، وحرمان المنطقة من كوادرها المتعلمة، خصوصاً أن الاعتقالات والضرب على الهويّة كانت إحدى الأسباب الخفية لممارسات الأسد الأب ضد سكان الجبل، خصوصاً أن الأسد كان يعتبرهم جزءاً من المجتمع السنّي الذي يتوجب أن يتحول إلى عدو وهمي وافتراضي لترسيخ أركان حكمه.

تقول الحناجر الكردية من الساحل السوري: في قلب الجبل الذي أرادوا له أن يصمت، ما تزال الحكايات تُروى بلغة لم تُنسَ تماماً، وحناجر تُعبر عن الكردية من دون النطق بها

"نحن جزء من الثورة بكل فخر"

قال الزهوري: أخبروا العالم أننا "كرد وقاتلنا بما نملك. فصبّ النظام نيرانه علينا، حين اندلعت الثورة، وقف أبناء الجبل في وجه كتائب النظام بإمكانات بسيطة. انخرط أبناء الجبل مبكراً في الاحتجاجات، وسرعان ما تحوّلت مشاركتهم إلى عمل مسلح عقب القمع الوحشي من قبل النظام. لم تكن معنا دبابات أو طائرات، بل بنادق وكثير من الإصرار. هزمنا الشبيحة مراراً في معارك الأرض، فلجأ النظام إلى القصف الجوي والصاروخي، مستعيناً بسلاح الجو الروسي لتكثيف القصف الصاروخي، وأحرق الغابات بحجة أننا نختبئ فيها. كانت تلك الغابات ثروتنا الحراجية الوحيدة". ويكشف الصحافي عبد الباسط أحمد أن استهداف الجبل لم يكن عشوائياً، بل ضمن خطة طويلة الأمد لتفكيك بنيته السكانية والاجتماعية "كُنا وما زلنا جزءاً من الثورة، وقدّمنا عشرات الشهداء وأول شهيد كردي من جبل الأكراد هو هارون وسوف في قرية السرمانية، حيث أعدم ميدانياً، وتم تشكيل كتائب محلية مثل كتيبة دوير الأكراد، وتوحدت معظم الكتائب لاحقاً ضمن جسم عسكري موحد، والتي شكل الكرد ما نسبته 90% من مقاتليها" وهو ما دفع النظام لاستعمال كل أشكال الحرب الشرسة ضدنا حيث "تعرّض الجبل لقصف وحشي، إذ دُمّرت أكثر من 90% من القرى. ووفقاً لعبد الباسط فإن "الجبل يقاوم تغيير هويته، لكن المحاولات كانت مستمرة لإفراغه وإضعافه. بعض الجهات تحاول اختراقه عبر الدعم المشروط، مقابل الولاء، لكن كثيراً من أبناء الجبل يرفضون التفريط بكرامتهم رغم شدة الظروف" ويختم الزهوري حديثه بالتذكير ببُعدٍ لطالما تجاهله الكثيرون "هذا الجبل ليس فقط أرضاً زراعية أو ساحة حرب. هو شاهد على حضارات عظيمة مرت من هنا. مرّت عليه حضارات ميدية كردية وسريانية ورومانية وبيزنطية، وهناك مواقع أثرية كثيرة لم تُكتشف بعد. حتى الروايات الرسمية التي ربطت الجبل بالكنعانيين تخالف ما نعرفه من روايات الآباء والأجداد، الذين توارثوا قصصاً عن المعارك بين الميديين والآشوريين هنا".

من التهميش إلى الفاعلية الجديدة

وبحسب عبد الباسط: الأولوية الآن لزيادة الاهتمام بالريف الكردي الذي دمره الأسد الابن، أما عن علاقتهم ككرد وموقفهم من إقليم كوردستان قال عبد الباسط إن "غالبية أبناء جبل الأكراد يشعرون بالفخر والانتماء والتقدير لكردستان العراق. مع العلم أنهم لم يزوروها أبداً، ولكنهم يملكون حباً فطرياً لكردستان ويحبّون أيضاً الشيخ بارزاني الأب والابن" ويختتم عبد الباسط رسالته: "يريد أبناء جبل الأكراد بغالبيتهم البحث عن أصولهم المتجذرة في التاريخ الكردي، لكنهم لا يجدون باباً للوصول إلى ذلك".
تقول الحناجر الكردية من الساحل السوري: في قلب الجبل الذي أرادوا له أن يصمت، ما تزال الحكايات تُروى بلغة لم تُنسَ تماماً، وحناجر تُعبر عن الكردية من دون النطق بها، عن أرضٍ قاومت النسيان وقارعت الظلم، عن أناسٍ لم يخونوا انتماءهم رغم الفقر والضغط والحصار وقسوة الحرب. جبل الأكراد ليس مجرد تضاريس منسية، بل ذاكرة حية، تنبض بالكرامة والولاء والحنين إلى هويّة حوربت لكنها لم تُهزم. يقول كرد الساحل، أو الكرد في جبل الأكراد، هذه دعوتنا المفتوحة إلى الكرد في العالم، أنصفونا، كي لا يُعاد دفن تاريخنا مرّة تحت أنقاض الحرب وسياسات الأسدين، ومرّة في صمت الجغرافية المنسيّة.

المساهمون