أيها الكرد: من أنتم؟

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:24 (توقيت القدس)
سوريون أكراد يحتفلون بعيد النوروز في حلب (21/3/2025 فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشجع النص على فهم الهوية الكردية بعيدًا عن الصور النمطية، من خلال البحث والتقصي لفهم الأكراد كأفراد وليس فقط كجزء من التاريخ أو النقاش السياسي.
- يسلط الضوء على التحديات التي يواجهها الأكراد في سوريا والعراق وإيران وتركيا، ويدعو لفهم هذه التحديات من منظور إنساني، والبحث عن القواسم المشتركة مع العرب والفرس والأتراك.
- يدعو لتعزيز السلم الأهلي عبر التعلم المستمر والحوار، مؤكدًا أن التفاهم المتبادل يبني مجتمعًا متماسكًا، ويشجع على الاعتراف بالجهل والسعي لمعرفة الآخر لبناء مستقبل مشترك.

هل تساءلتَ يوماً حقّاً من هم الكرد، لا كما ذكروا في التاريخ، بل كناس مرّوا إلى جوارك في الشارع، كصاحب بقالة في الحي، كزميل دراسة أو سائق تاكسي، كحبيب سابق ربما. هل تساءلت يوماً من أيّ حكاية خرجوا إلى الكون؟ حين بحثت يوماً عن الأكراد، إلى أيّ مرجعيات عدت؟
أحتكمتَ للتاريخ المصفى في كتب المدارس، أم للحكايات التي رواها لك أبوك وأعمامك عن الأكراد؟ هل اعتمدت على معارفك المتوارثة لتجيب، أم زرت حلب، عامودا، الحسكة، وجلست على مقعد خشبي في مقهى شعبي وسألت وجهاً كردياً أمامك: من أين جئتم؟ ولماذا سميتم أكراداً؟ هل أخلصت يوماً في بحثك إلى الدرجة التي يتحوّل فيها من فضول سريع إلى تقصّ حقيقي؟
كم مرّة سأل السوري: من هم هؤلاء الأكراد؟ كم مرّة سأل، لا من باب التخوّف أو الاتهام، بل من باب الرغبة في الفهم. لماذا يريدون دولة لهم؟ ماذا يعني أن يكون لك وطن لم يعترف به أحد في الخرائط؟ هل سأل عن الأكراد في العراق، في إيران، في تركيا، عن العائلات التي تشظّت بين أربع دول وحدود أربعة، وعن اللغة الواحدة الموزعة بين جوازات مختلفة؟ هل سأل إن كان الأكراد أقرباء فعلاً، أيحبون بعضهم بعضاً، أم تمزقهم هم أيضاً العصبيات والولاءات؟ أيرتاحون لجيرانهم العرب والأتراك والفرس، أيقدرونهم؟ أم يحملون مثلنا مزيجاً معقداً من كل ذاك؟
هل سأل السوري نفسه، ولو مرة واحدة بإخلاص، عن لغة الأكراد، عن أغانيهم، عن حكايات الجدات عندهم، عن خبزهم اليومي، كيف يخمر، بأي طقس منزلي يحتفي به، وعلى أي نار. أهم رعاة أم فلاحون، متدينون أم علمانيون، مسلمون أم مسيحيون. كيف يحفظون أنسابهم. على أي خط أفق يقفون حين يصلّون، وأين هي قبلتهم الروحية والمعرفية.
كيف يشتمون. ما الشتيمة التي تجرحهم. ما النكتة التي تسيل دموعهم إن سمعوها.
ماذا يحفظ السوري من اللغة الكردية. هل حفظ شعراً لغير سليم بركات. هل يعرف من سليم بركات غير مرجعياته الدرويشية. أم ما زال يركن بطمأنينة كسولة إلى تلك المرجعيات، مفصحاً ككلنا أن ليس للكرديّ إلا الريح.
ها نحن الآن ندخل عامنا السوري الثاني متعثرين بمجزرتين ووعد بحرب مع شمالنا. وها نحن أيضاً نمضغ بلا كلل مفردتين اثنتين حتى امتصصنا سكرهما. السلم الأهلي. نقولهما ونعلم أنه ليكون لنا واحد، علينا أن نقبل التعلّم من جديد، وألا نخجل من السؤال مرة بعد مرة. أن نعيد النظر، لا قراءة التاريخ مفاضلين بين حقوق العرب وحقوق الكرد، بل بحثاً عن مفردات مشتركة لنتعارف بها. أن نبحث عن الأخوّة التي ربطتنا برحاها في جذور هذا المكان الذي اسمه سورية.
لم يرهبني يوماً وصمي بالمثالية. أريد من الكلام أن يكون مثالياً، ومن الحكايات أن تقطّر عذوبة، علّنا نقدر حجم الأحلام التي نطحنها كل يوم باللامبالاة وبالجهل. ليكن هذا الكلام مثالياً علّه يقلّص من كم الدم الذي سال، والحرائق التي ما زالت مشتعلة في خرائط السياسة.
يُصنع السلم الأهلي في غرف التفاوض، يكرّس بالقوانين وبالأسلحة، لكنه يطهى على مهل أيضاً، في البيت، في المدرسة، في القصص التي نحكيها حين يمر اسم الكردي، أو أي وجه أو لون من وجوه هذه الذات المعقدة، التي تبدأ بالعربي وتمشي نحو الكردي والآشوري والأرمني والشركسي.
يأتي السلم الأهلي من الشجاعة أن تقول لا أعرف عن هؤلاء ما يكفي. لم يخبرني أحد عنهم، لم أقرأ في كتبي درساً عنهم، لم يخبروني عن أنفسهم إلا البكاء. أريد أن أعرفهم أكثر. أريد أن أعرفهم أصلاً.

المساهمون