إجراءات السلطة الفلسطينية التجميلية... استعداداً لعرس لن يأتي!
استمع إلى الملخص
- في نوفمبر 2025، صدر قرار بشأن تنظيم انتخابات المجالس البلدية بشروط مثيرة للجدل، مثل الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، مما يعقد العملية الانتخابية ويثير الشكوك حول تقسيم الشعب الفلسطيني.
- القرارات الرئاسية تثير القلق بشأن تجزئة الشعب الفلسطيني وتعزيز التنازلات للسلطة الصهيونية، مما يتطلب توعية الرأي العام وحثه على مقاطعة الانتخابات بالشروط الحالية.
يبدو أن أهل المقاطعة في رام الله في عجلة من أمرهم، ويسلكون سلوك أم العروس، التّي تضيق عليها الطرقات والساحات لإعداد عروستها ليوم الزفاف، فهي تشتري ما هو لازم وغير لازم وغالبًا بلا تدبير أو تفكير، لأن يوم الزفاف قد اقترب، هذا حال أهل المقاطعة، إذ نفاجأ بصدور قرار رئاسي للبدء في إعداد "دستور مؤقت"، ولا ندري ما هي الأسباب الموجبة لذلك، ونفاجأ بعد ذلك بصدور قرار رئاسي آخر حول الانتخابات البلدية لكن بشروط سياسية، ربّما لأغراض سياسية ملتوية.
سوف نتناول هذين القرارين ببعض التفصيل، مع العلم أنّ الافتراض يقوم على أساس "سوء النية وراء هذه العجلة"، ذلك أن أهل المقاطعة قد اعتادوا على التصرف بعيدًا عن مصلحة شعبهم.
القرار الرئاسي والدستور المؤقت
صدر في أغسطس/آب 2025، قرار بعنوان مثير بشأن "المصادقة على النظام الداخلي للجنة صياغة الدستور المؤقت! للانتقال من السلطة إلى الدولة". بعد ذلك بقليل صدر القرار بشأن تسمية أعضاء لجنة صياغة "الدستور المؤقت للانتقال من السلطة إلى الدولة"، مكونةً من ثمانية عشر عضوًا. لم يورد المرسوم المذكور الأسباب الموجبة لصياغة "دستور مؤقت" جديد، علمًا بأنّ هناك "القانون الأساسي المعدل"، الذي اعتبر آنئذٍ دستورًا مؤقتًا للسلطة الفلسطينية، وليس دستورًا لكلّ الشعب الفلسطيني، إذ نصت مقدمته على: "المرحلة الانتقالية.. لتنظيم العلاقة بين السلطة والشعب"، لكن "الشعب"، حسب اتّفاق أوسلو، هو المكون من "أفراد" مقيمين "إقامة دائمة" في الضفّة الغربية، بما فيها القدس الشرقية (بشروط) وقطاع غزّة، ويستثنى بالضرورة فلسطينيو الشتات وفلسطينيو فلسطين.
رغم ذلك، وبغض النظر عن الأسباب الموجبة، لا بدّ من التأكيد على فقدان مُصدر القرار شرعيته منذ عام 2009، بعد أن انتهت فترة رئاسته الأولى ولم تتم إعادة انتخابه، وبالتالي فإن أيّة قرارات تصدر عنه تكون غير شرعية، ولا تستند إلى ممارسة معتمدة في الحركة الوطنية الفلسطينية، ولا إلى نص في مواد الميثاق الوطني الفلسطيني، ولا إلى قرارات المجلس الوطني. ويجب ألا ينطلي على أحد أن التعامل الدولي مع السيد محمود عباس يقع في خانة التعامل مع "الأمر الواقع"، الذي يكرّس التواصل من دون إسباغ الشرعية، ذلك أن الشرعية لا تأتي من الاعترافات الأجنبية، بل من الشعب، بانتخابات حرّة، أو بتوافقات وطنية شاملة وديمقراطية.
شرط "الإقامة" ثابت في التشريعات الفلسطينية الأخرى، مثل قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، وقانون مزاولة مهنة تدقيق الحسابات. وهذا يؤكّد على تمسّك سلطة أوسلو بتجزئة الشعب الفلسطيني
إضافةً إلى ما سبق ومن دون الانتقاص مما ورد أعلاه، وعلى فرض وضع/ صياغة الدستور، من سوف يعتمده؟ فمن المسلّم به حين طرح مشروع دستور دائم أو مؤقت على شعب ما عرضه على مجلس منتخب من الشعب كالبرلمان، سواء كان مجلسًا تأسيسيًا أو تشريعيًا. وعليه؛ من هي الجهة التّي ستعتمد الدستور وتصادق عليه في غياب المجلس التشريعي، وتجميد المجلس الوطني؟ وكلاهما غير موجودين منذ عهود بعيدة. وهل يكون مقبولاً؛ من الناحية العملية والفقهية، أن يصادق على مشروع الدستور من قبل الرئيس أو رئيس الحكومة أو الحكومة كلّها؟ إن حدث هذا، فإنّه يخالف مبدأ فصل السلطات، الوارد النص عليها في المادة الثانية من القانون الأساسي المعدل لعام 2003. ولو جرت انتخابات فمن هم المواطنون الذين يحقّ لهم الانتخاب لتشكيل المجلس التأسيسي للمصادقة على الدستور؟ هل هم الفلسطينيون الذين حددت مواصفاتهم اتّفاقية أوسلو (أي حوالي ثلث الشعب الفلسطيني)، أم فلسطينيو الميثاق الوطني الفلسطيني (أيّ كلّ الشعب الفلسطيني)؟ أم في مخيّل أهل المقاطعة شعب آخر؟
في الوقت الحالي ليس في مصلحة القضية الوطنية إجراء صياغات دستورية لا فائدة منها، في الوقت الذي يتعرض فيه شعبنا في قطاع غزّة الى إبادة جماعية وتجويع وتهجير، ويتعرض شعبنا في الضفّة الغربية الى اقتلاع ومحاصرة بالمستوطنات، وإرهاب ومطاردة مسلّحة من قبل المستوطنين. ذلك أنّ صياغة دستور لا تقدم حماية لشعبنا، ولا يزوده بالماء والغذاء والدواء.
إضافةً إلى ذلك، لن تشفع الحركة البهلوانية هذه؛ اصطناع كتابة دستور جديد، لأهل المقاطعة لدى البيت الأبيض، ذلك أن المطلوب ليس وثيقةً إضافيةً، بل المطلوب تنازل أكثر للصهيونية، إن ظلّ هناك ما يمكن التنازل عنه بعد أن وصلت سلطة المقاطعة إلى الدرك الأسفل من الإستحذاء والاستسلام. ولا نعلم حتى الآن ما هو الإصلاح الذي يطلبه زعيم البيت الأبيض، وهو، على أيّ حال، لا يقترح شيئًا من دون التشاور مع الجانب الإسرائيلي. فماذا تتوقع المقاطعة من إسرائيل؟
أما القرار الرئاسي بشأن الانتخابات البلدية وشروطها، فقد تكون أكثر خطورةً، لو استعرضنا هذا القرار بكل حسنّ نيّة (وهذا على سبيل الفرض الجدلي فقط) نجد أنّه صّدر في 2025/11/19، بقانون رقم 23 لسنة 2025، بشأن انتخاب مجالس الهيئات المحلية، إذ يتضح من عنوانه أنّه يتعلق بتنظيم انتخابات المجالس البلدية والقروية، وهذا يعني بالضرورة (أو من المفترض) أن حملات المرشحين الانتخابية ستركّز على اهتماماتهم المحلية الخاصّة بالمدينة والقرية. أي أنّ برامج المرشحين لن تعنى بالشؤون السياسية والقضايا الوطنية، بل ستركز على الاهتمامات المحلية من تطوير المدينة أو القرية، وترخيص المباني والمحلات التجارية، وتحديد المخالفات وسواها من الشؤون المحلية.
كما لا بدّ من التعرّض لبعض نصوص القانون لبيان القصد الحقيقي منه، خصوصًا أنّ بعض نصوصه تفضح؛ أولًا، الجريمة المرتكبة في أوسلو، من حيث تجزئة الشعب الفلسطيني، وتهديد وحدته. وثانيًا؛ لأنه ينتقل بالقانون من مستوى المدينة أو القرية إلى مستوى الدولة، بل إلى المستوى الدولي، وفي ذلك إقحام نصوص في غير موضعها، ما يثقل النص بما هو غير لازم. ثالثًا؛ والأهمّ، هو محاولة لتأبيد أوسلو بكل القيود التّي وردت فيها. وهذا مثار شكوك!!!
إذ قَسّمت اتّفاقية أوسلو الشعب الفلسطيني إلى ثلاثة أقسام، مستثنيةً فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، وفلسطينيي الشتات، كما استثنت؛ عمليًا، فلسطينيي القدس. واستقر العمل على أن فلسطينيي الضفّة وغزّة هم من يحق لهم الانتخاب في أي انتخابات تجري في الأراضي المحتلة، وعلى أي مستوى كان، وكان الشرط الحاسم للمرشح، سواء للعضوية أو للرئاسة، أن يكون "مقيمًا إقامةً دائمةً في الأراضي المحتلة"، وهكذا أكّد النص بحكم القانون على تجزئة الشعب الفلسطيني.
انسجامًا مع هذا الخط السياسي العام، أكّد القانون في المادة الثانية منه على حصر الحقّ في ممارسة حقّ الانتخاب في "أن يكون مقيمًا في حدود الهيئة المحلية لمدّة لا تقل عن ستة أشهر من تاريخ الانتخابات وعلى (لجنة الانتخابات المركزية) التحقق من صحة الإقامة، وطلب ما يلزم للتثبت منها"، قد يُقال أنّ النص لم يشترط الإقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنّما يشترط الإقامة في "حدود الهيئة المحلية" لمدّة ستة أشهر، لكن لا يمكن لشخص أن يقيم لستة أشهر متواصلةٍ في منطقة ما من دون من أن يقيم إقامةً دائمةً في الأراضي المحتلة. يُضاف إلى ذلك، أن اسم الناخب يجب أن يكون مدرجًا في سجل الناخبين النهائي، وهو السجل المعد من قبل لجنة الانتخابات المركزية، التّي لا أسماء لديها إلاّ أسماء المقيمين إقامةً دائمةً في الأراضي المحتلة.
لا بدّ من التنويه هنا أنّ شرط "الإقامة" قد أصبح شرطًا مستقرًا في التشريعات الفلسطينية الصادرة في ظلّ سلطة أوسلو، فقد ورد شرط "الإقامة" في المادة الثانية من قانون الانتخابات الأول الصادر عام 1995، وفي المادة الأولى من القانون رقم (9) لسنة 2005، وفي المادة الأولى من القانون رقم (1) لسنة 2007 (وقد ألغي هذا القانون لاحقًا). وشرط "الإقامة" ثابت في التشريعات الفلسطينية الأخرى، مثل قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية، وقانون مزاولة مهنة تدقيق الحسابات. وهذا يؤكّد على تمسّك سلطة أوسلو بتجزئة الشعب الفلسطيني.
لا بدّ من التأكيد على فقدان مُصدر القرار شرعيته منذ عام 2009، بعد أن انتهت فترة رئاسته الأولى ولم تتم إعادة انتخابه، وبالتالي فإن أيّة قرارات تصدر عنه تكون غير شرعية
لقد ورد في الفقرة الثانية من المادة (10) من القانون تعريف مؤداه: متى يعتبر الشخص فلسطينيًا؟ وأجاب القانون (وجوابة غير قانوني على أي حال) بأنّ الفلسطيني هو: أ- من كان مولودًا في فلسطين الانتدابية، وكان من حقّه أن يكتسب الجنسية الفلسطينية بموجب القوانين النافذة آنذاك. ب- مَن كان مولودًا في الضفة أو القطاع. ج- مَن كان أحد أسلافه ينطبق علية الشرط الوارد في (أ) و (ب)؛ أو كان زوجًا لفلسطينية أو زوجةً لفلسطيني. د- وأخيرًا ألا يكون قد اكتسب الجنسية الإسرائيلية.
من الواضح أنّ الفقرة الأخيرة قد أُقحمت إقحامًا غير موفق لأنّها لم تأت في سياق مناسب أو واضح، وثانيًا لم يبق من فلسطينيي النكبة إلّا القليل منهم، الذين قد لا يتمكنون من الوصول إلى صناديق الاقتراع بحكم العمر والحالة الصحية، أما أسلاف هؤلاء، فيحقّ لهم الاقتراع إذا كانوا مقيمين إقامةً دائمةً في الأراضي المحتلة، أما إن كان القصد استثناء فلسطينيي الداخل، فهو تحصيل حاصل كونهم لا يستوفون شرط الإقامة ابتداءً. فلماذا هذا الإقحام الذي لا مبرر له؟
أما ما يشترطه القانون على نحو متعسف وهجين ويثير الاستغراب فهو ما ورد في المادتين (16) و(19) منه، إذ اشترطت الأولى لقبول القائمة الانتخابية أنّ على مرشحي القائمة إعلان "أنّهم يلتزمون ببرنامج منظّمة التحرير الفلسطينية، وبالتزاماتها الدولية، وقرارات الشرعية الدولية"! كما اشترطت المادة (19) على أن يرفق مع النموذج الذي تعدّه لجنة الانتخابات المركزية للمرشح "إقرارًا من المرشح بالتزامه ببرنامج منظّمة التحرير الفلسطينية، وبالتزاماتها الدولية، وقرارات الشرعية الدولية"! هذه شروط هجينة وغريبة على قانون انتخابات بلديه، وبالتالي هي شروط مرفوضة ابتداءً.
إن إدخال هذه الشروط المصطنعة هو في الواقع إقحام المرشح في دراسة قانونية وسياسية موسعة لبرنامج المنظّمة، واستعراض الالتزامات الدولية، ثمّ على المرشح مراجعة قرارات الشرعية الدولية منذ صدور قرار التقسيم رقم 181 حتّى آخر قرار صدر عن مجلس الأمن الدولي أو الجمعية العامة. وليس واضحًا إن كانت الآراء الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في قضيتي تحديد قانونية الاحتلال الطويل الأجل، وتأثيم إسرائيل على منع وكالة "أونروا" يقعان ضمن "الشرعية الدولية" أم لا.
في هذا الشرط تعسف شديد لأن المرشح في الانتخابات البلدية عادة ما يدخل الانتخابات لتحقيق منجزات على مستوى البلدة أو القرية، من حيث تعبيد طريق، أو بناء رصيف، أو وضع مظلات على مواقف الحافلات ليقي أهل القرية من الشمس والمطر وهم ينتظرون الحافلة، أو تسهيل نقل الفاكهة والخضروات إلى محطة الخضار الرئيسية في المدينة المجاورة. فما بال هذا المرشح في البحث في القرار 242، وإن كان تفسيره صائبًا أو خاطئًا؟
من الواضح أن أعضاء اللجنة التّي صاغت القانون لا يملكون إجابات شافية لكل الاستفسارات الخاصّة بالتزامات منظمة التحرير الدولية، ولم يحدد القانون مرجعيةً يلجأ إليها المرشحون للإجابة على استفساراتهم، وعليه قد يقع المرشحون في حيرة شديدة لبيان الالتزامات وتعريف الشرعية الدولية، فإنّ لم تتضح الأمور لهم قد يحجم بعضهم عن تسجيل أسمائهم وينسحبون من العملية الانتخابية.
إلاّ أن السؤال الذي لم يرد في القانون، وربّما كان الأكثر إلحاحًا، هو أن العديد من قرارات المجلس المركزي الفلسطيني، وبعض قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية قد طالبت القيادة التنفيذية لمنظّمة التحرير بالتوقف عن التنسيق الأمني مع إسرائيل، وبعض القرارات طالبت بالانسحاب من اتّفاقية أوسلو أو تجميدها. فكيف على المرشح أن يوافق بين هذا القرارات، وهي قرارات صادرة عن أعلى سلطة في منظّمة التحرير؛ وبالتالي هي ملزمة، وبين اشتراطات قانون صادر بموجب قرار رئاسي مطعون في شرعيته؟
لقد وقع هذا الشرط خارج سياقه، ما يفضح النيات التي تكمن وراء اشتراطه، وكأن من اقترح هذا الشرط، يرغب في تعميم كارثة أوسلو، والتأكيد على ثباتها، كي يظلّ الشعب الفلسطيني أسير القيود والمثالب التّي وردت فيها، أو ربّما يقصد أشياءً أكثر عمقًا وأشدّ أذىً.
قَسّمت اتّفاقية أوسلو الشعب الفلسطيني إلى ثلاثة أقسام، مستثنيةً فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، وفلسطينيي الشتات، كما استثنت؛ عمليًا، فلسطينيي القدس
وإذا غادرنا "حسن النية" وبحثنا جديًا في الأسباب الموجبة لمثل هذه الاشتراطات، وأسباب ورودها في قانون انتخابات بلدية، فإن الشك سيتركز على احتمال تحويل المجالس البلدية إلى "روابط قرى" منتخبةً بانتخاباتٍ مباشرةٍ من الشعب، ويكون الشعب قد صوّت لهذه الروابط بالموافقة على التنازلات التّي أجرتها القيادة الفلسطينية للسلطة الصهيونية في اتّفاقيات أوسلو، وأصبحت هذه الروابط هي الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وقد يكون هذا هو الإصلاح الذي يطالب به مهندسو خطة الرئيس دونالد ترامب، للإيقاع بشعبنا في فخاخ الانتداب الجديد، وهذا يقتضي من النخب الفلسطينية، وأجهزة الإعلام الوطنية القيام بعملية تحشيد واسعة لتنوير الرأي العام الفلسطيني في الداخل، وحضّه على مقاطعة الانتخابات بالشروط الواردة في القرار الرئاسي، لا سيّما أنّ مصدر هذه القرارات لا شرعية له ابتداءً.