إسرائيل… عدوانية من دون أقنعة في مواجهة مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية
- تسعى إسرائيل لتوسيع نفوذها عبر محاولات احتلال غزة وأجزاء من لبنان وسوريا، مع اعتبار تركيا عدواً جديداً، مما يعكس رغبتها في فرض سيطرة إقليمية.
- تعارض إسرائيل التعاون الإقليمي الاقتصادي والسياسي، مما يعكس انفصالها عن المنطقة وفشل خطط التطبيع، ويبرز أزمتها ككيان استعماري.
بدت إسرائيل على حقيقتها، عدوانيةً من دون أقنعةٍ ومساحيق تجميل، بمواجهة مذكّرة التفاهم لوقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب الإسرائيلية- الأميركية ضدّ إيران، إذ لاقت المذكّرة، حتّى مع ضبابيتها وعموميتها، رفضاً واسعاً من الائتلاف الحاكم والمعارضة في الدولة العبرية، وإصراراً على مواصلة الحرب والاحتكام إلى السلاح، وانغلاقاً أمام حقيقة أن ما من خيارات وحلول عسكرية في مواجهة إيران، وهروباً حربياً إلى الأمام، مع حديث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن مواصلة الحرب الأبدية، ولو بأشكال وأساليب مختلفة في غزّة ولبنان وسورية، وحتّى ضدّ تركيا، القوّة الإقليمية الصاعدة والكبرى، باعتبارها العدو الجديد الأقوى والأخطر من إيران حسب تصريحات وزراء نتنياهو المتطرفين والمنفلتين، وتمسُّكاً باحتلال الأراضي العربية في الساحات الثلاث الّتي تفوق مساحتها ما احتلّته الدولة العبرية منذ تأسيسها في العام 1948 حتى 2023، في انتهاكٍ للشرعية الدولية ومواثيقها وقراراتها والاتّفاقيات ذات الصلة، وتمسُّكاً يائساً بقاعدة "ما لم يتحقق بالقوّة والاحتلال يتحقق بالمزيد منهما".
إذاً تعاطت إسرائيل بتوتر وتشنج وعدوانية مع مذكرة التفاهم لتمديد وقف اطلاق النار 60 يوماً تمهيداً لإنهاء الحرب ضدً إيران، ورغم أنّ المذكّرة عمومية، وضبابية، ويكاد يحتاج كلّ بندٍ فيها إلى تفاوضٍ جديد، إلّا أنّ تل أبيب رفضتها منذ اللحظات الأولى، في موقفٍ عدواني و مسبق حتّى قبل إعلانها رسمياً، مع بذل محاولاتٍ سياسية وعسكرية لإفشال جهود الوسطاء من أجل العودة إلى الخيار الدبلوماسي التفاوضي، إذ لا حلول عسكرية لقضايا سياسيةٍ و مدنيّة أساساً، ناهيك عن عدم امتلاك إسرائيل الحقّ بدايةً في التحريض على الحرب ضدّ إيران، ولا حتّى رفض امتلاك أي دولة لأسلحة نووية؛ تقول طهران علناً أنها لا تسعى إليها؛ لا سيّما أنّ الدولة العبرية تمتلك ترسانةً هائلةً منها.
في السياق ذاته، يجب الانتباه جيداً إلى أن الخيار العسكري في مواجهة إيران ومشروعها النووي كان خاطئاً أساساً، إذ لا تخفي إسرائيل رغبتها في استمرار الحرب الأبدية ضدّها كما تفعل في غزّة ولبنان وسورية، في انتهاكٍ فظٍّ ومنهجي للشرعية والقرارات الدولية والتفاهمات ذات الصلة.
بمجرّد الحديث عن إنهاء الحرب ضدّ إيران، سعت إسرائيل إلى استئناف الحرب الموسّعة ضدّ قطاع غزّة واحتلاله بالكامل وفق خطّةٍ وضعتها القيادة الجنوبية لجيش الاحتلال، وأجازتها رئاسة الأركان والحكومة
ولا بدّ من التذكير دائماً بطبيعة إسرائيل العدوانية، وسعيها المنهجي والدموي إلى صرف الانتباه عن القضية الفلسطينية باعتبارها جذر عدم الاستقرار والتوتر في المنطقة؛ لا إيران؛ حتّى مع التحفّظ على سياساتها وممارساتها الخاطئة في الدول العربية والمنطقة عامةً.
وعليه يمكن الاستنتاج بسهولةٍ أنّ تل أبيب لا تريد في الحقيقة حلاً نهائياّ لأيٍّ من قضايا الخلاف مع طهران، ولا حتّى الملفّ النووي، رغم ادّعاءاتها المعاكسة، بل تريد اتّباع سياسة "جزّ العشب" العنصرية الدموية، حتّى في إيران البعيدة، مع غطرسة ووهم أنّها تستطيع أن تحقّق بالقوّة ما عجزت عنه الولايات المتّحدة، وصولاً إلى تدمير إيران عن بكرة أبيها كما فعلت في غزّة، والاستمرار بالحرب الأبدية حتّى مقتل آخر مواطنٍ إيراني، حسب التعبير الحرفي لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
وفي ما يخص أكذوبة تغيير النظام، ومساعدة الشعب الإيراني على ذلك، فلا تملك إسرائيل المحتلة هذا الحق؛ الّتي تمنع الشعب الفلسطيني بقوّة القهر والاحتلال من تقرير مصيره، ولا أي دولةٍ أخرى.
يأتي الموقف الإسرائيلي برفض وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، رغم التبجّح وسيل التصريحات والتقارير في الصحافة العبرية عن تدمير مكامن القوّة التقليدية، والقاعدة العلمية والصناعية المدنية والعسكرية للدولة الإيرانية وإعادتها سنوات إلى الوراء.
في السياق الإسرائيلي، كان لافتاً جداً اصطفاف الطبقة السياسية من الجدار إلى الجدار مع الحرب وضدّ إنهائها، إذ لا فرق بين المعارضة والائتلاف الحاكم في الدولة الوحيدة في العالم، "الفريدة بالمعنى السلبي"، الرافضة للمذكّرة ووقف إطلاق النار والحرب عامةّ.
لم يقتصر الأمر على رفض مذكّرة التفاهم والعمل المنهجي والدؤوب على عرقلتها وإفشالها، بل أعلن نتنياهو بفجاجةٍ ووقاحةٍ عن المضيّ قدماً في سياساته العدوانية، بعكس أجواء التهدئة الإقليمية والدولية.
بمجرّد الحديث عن إنهاء الحرب ضدّ إيران، سعت إسرائيل إلى استئناف الحرب الموسّعة ضدّ قطاع غزّة واحتلاله بالكامل وفق خطّةٍ وضعتها القيادة الجنوبية لجيش الاحتلال، وأجازتها رئاسة الأركان والحكومة، ورفضتها الإدارة الأميركية لانتهاكها اتّفاق وقف النار وإنهاء الحرب وفق الخطة الّتي تحمل اسم الرئيس دونالد ترامب شخصياً.
جرى الانتقال إلى "الخطة ب" إثر رفض الوسيط والضامن الأميركي استئناف الحرب رسمياً وعلناً، وتتضمّن الخطة قضم مزيدٍ من الأراضي، واحتلال 70% من مساحة القطاع، وحشر مليوني فلسطيني على أقل من ثلث المساحة المتبقية.
وعليه يجري العمل على تحويل 70% من القطاع إلى ما يسميها الاحتلال منطقةً آمنةً وعازلةً، بدلاً من الاكتفاء بعمقٍ محدودٍ داخل القطاع، و يعتبر المنطق العدواني المنطقة المؤقتة بمثابة القاعدة لا الاستثناء، في تناقضٍ فظٍّ مع ما نصّت عليه خطة ترامب؛ على علّاتها؛ لجهة انسحاب الاحتلال الكامل من القطاع بمجرد فرض اللجنة الوطنية سيطرتها وسلطتها كاملة.
في السياق ذاته، يجب الانتباه جيداً إلى أن الخيار العسكري في مواجهة إيران ومشروعها النووي كان خاطئاً أساساً، إذ لا تخفي إسرائيل رغبتها في استمرار الحرب الأبدية ضدّها كما تفعل في غزّة ولبنان وسورية
إقليمياً كذلك، نرى نفس المنطق الحربي التوسعي، ونهم وهوس المناطق الآمنة في لبنان، مع احتلال 10% تقريباً من مساحته، وتدميرٍ شبه كاملٍ لقرى الحافة الأمامية في منطقةٍ آمنةٍ مصغرة، بالإضافة إلى منطقةٍ أخرى تمتدّ ضمن ما يسمّيه الاحتلال بالخط الأصفر بعمق 10 كم داخل الأراضي اللبنانية.
هنا أيضاً ثمّة سعيٌ إسرائيليٌّ واضحٌ إلى إفشال مذكّرة التفاهم مع إيران، من خلال تفجير وقف إطلاق النار، رغم أنّه مزدوجٌ في لبنان بالمذكرة نفسها، وبتفاهماتٍ مع بيروت بوساطة أميركية.
في السياق الإقليمي لرفض وقف الحرب، أعلنت اسرائيل بوضوحٍ عن مواصلة نفس السياسة العدوانية في سورية ورفض العودة إلى اتّفاقية فك الاشتباك للعام 1974، وبالتالي الانسحاب من الأراضي الّتي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام 2024؛ تحتل إسرائيل أصلاً هضبة الجولان ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا منذ يونيو/حزيران 1967؛ والبالغة مساحتها مئات الكيلومترات، وتسميها كذلك منطقةً أمنية في سياق الهوس بالمصطلح والتوسع.
إقليمياً؛ وصلت السياسة العدوانية بإسرائيل إلى حدّ تحويل تركيا إلى عدو، باعتبارها أخطر من إيران حسب الخطاب العبري الشائع، وطرح احتمال شن حرب ضدّ أنقرة ودمشق معاً، في تفكير أقل ما يقال عنه إنه مجنون ومنفصل عن الواقع في المنطقة والعالم برمته.
وصلت العدوانية الإسرائيلية إلى حدّ التحريض ضدّ مشاريع سلمية وشرعية وعلنية للتكامل الاقتصادي بين دول وشعوب المنطقة، كإحدى استخلاصات الحرب الإسرائيلية- الأميركية غير الشرعية ضدّ إيران، وإغلاق مضيق هرمز الحيوي لنقل الطاقة والبضائع للمنطقة والعالم.
طاولت العدوانية الإسرائيلية كذلك سعي الدول العربية والإسلامية إلى بلورة تفاهماتٍ سياسية ومؤسساتية واسعة بينها، قائمةٍ على المصالح الراسخة والواسعة لشعوبها، إذ تسعى تل أبيب إلى شيطنتها وإطلاق توصيفات طائفية وعرقية عليها لتخويف بعض دول المنطقة والعالم منها.
بالعموم، تظهر المعطيات السابقة مجتمعةً مدى الانفصام الإسرائيلي عن المنطقة وشعوبها ومزاجها العام والمتغيرات فيها، كما تؤكّد من جهةٍ أخرى؛ وبما لا يدع مجالا للشك؛ طيّ صفحة خطط التطبيع المستحيل مع الدولة العبرية التوسعية والعدوانية المعزولة، الصغيرة، العاجزة عن فرض إراداتها على الدول العربية والإسلامية، مع الانتباه إلى أنّ العدوانية المتفاقمة هي تعبيرٌ لا تخطئه العين عن الأزمة لا الحلّ لكيانٍ استعماري غريب عن نسيح وتاريخ وثقافة المنطقة برمتها.