التكافل الاجتماعي وهندسة التعافي من الداخل

21 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 09:30 (توقيت القدس)
مأدبة إفطار رمضاني جماعي في حي جوبر الدمشقي شبه المدمّر (14/3/2025 الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مبادرة نقابة المحامين في ريف دمشق تُظهر أهمية التكافل الاجتماعي في تخفيف الأعباء الاقتصادية وتعزيز التماسك المجتمعي، مما يساهم في تقليص مشاعر التهميش والاغتراب.

- الحرب في سوريا خلفت تحديات اجتماعية كبيرة، حيث فقدت آلاف الأسر معيلها، مما يستدعي تحويل التكافل إلى ثقافة مجتمعية راسخة تعزز التماسك الاجتماعي وتعيد نسج العلاقات بين الناس.

- تجارب دولية مثل رواندا تُبرز فعالية المبادرات المجتمعية الصغيرة في بناء الثقة والسلام، ويمكن للنقابات والجمعيات الأهلية في سوريا أن تلعب دوراً محورياً في تشكيل شبكة وطنية للتكافل.

قد لا تمحو التعويضات المالية ألم الفقد، لكنها تخفّف العبء المعيشي المباشر عن الأسر التي فقدت معيلها أو أصيب أحد أفرادها. ومن هذه الزاوية، أقرّ مجلس فرع نقابة المحامين في ريف دمشق صرف تعويضات مالية عاجلة لأسر المحامين ضحايا التفجير الإرهابي الذي استهدف مقهى في دمشق بداية شهر يوليو/ تموز الجاري، وأسفر عن قتلى وجرحى.

ووفق القرار، تُمنح معونات مالية طارئة بقيمة 20 مليون ليرة سورية لأسر المحامين الذين ارتقوا ‏من جرّاء التفجير الإرهابي، و15 مليوناً للمحامين الجرحى". وبينما تبدو هذه الخطوة استجابة عاجلة، لاقت تقديراً محلياً واسعاً لتداعيات تفجير إرهابي أليم، فإنها تفتح باباً لـ"اقتفاء الأثر" وتوجيه سؤال أوسع يتجاوز حدود الخبر نفسه: ماذا لو تحوّلت مثل هذه المبادرات من استجابات ظرفية إلى ثقافة مجتمعية راسخة؟ وماذا لو خصّصت الفئات القادرة جزءاً من إمكاناتها لدعم الفئات الأكثر هشاشة، في بلد أسّسه النظام البائد على الفجائع والمآسي، حيث آلاف الأسر التي فقدت معيلها، ونساء يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن، وأطفال أيتام، وأشخاص من ذوي الإعاقة يحتاجون إلى أكثر من مجرّد المساعدة الطارئة؟ 
تنطلق هذه المطالعة من فرضية أن كل مبادرة تكافل، كبيرة أم متناهية الصغر، تخفف العبء الاقتصادي عن الأسر المحتاجة، وتساهم، في الوقت نفسه في تقليص مشاعر التهميش والاغتراب، وتعزيز الثقة والانتماء، بما يحوّلها إلى رافعة اجتماعية تتجاوز أثرها المادي المباشر، وتمتد إلى دعم التماسك المجتمعي وتعزيز قدرة المجتمع على التعافي. وتعدّ الأمم المتحدة هذه العناصر من الركائز الأساسية لتعزيز التماسك الاجتماعي، والحد من أخطار تجدّد العنف والتطرّف في المجتمعات الخارجة من النزاع. ومن هنا، يطرح التقرير سؤاله الرئيس: هل يستطيع التكافل الاجتماعي أن يصبح شريكاً في إعادة بناء المجتمع السوري؟ وسياق هذا العرض يقدّم إجابة.

التكافل، في أبسط معانيه، هو "تبادل الإعالة والنفقة والمعونة"، لكنه في علم الاجتماع، يتجاوز كونه فعلاً خيرياً ونبيلاً وإنسانياً عابراً، ليصبح شبكة من العلاقات القائمة على الثقة والتبادلية

خريطة الوجع السوري

الحاجة إلى التضامن في سورية حادّة وعميقة. وقد تساعد الأرقام في تقدير حجمها، لكنها تبقى عاجزة عن ترجمة ما خلفته سنوات حرب النظام البائد على السوريين من وجع إنساني. ولإدراك حجم التحدّي، يمكن الانطلاق من خبر تفجير المقهى في دمشق، ثم توسيع العدسة لرؤية خريطة الوجع السوري بأكملها؛ فكلما اتسعت العدسة، اتضح أن حجم الاحتياج يتجاوز قدرة المبادرات الفردية، ويستدعي نقل التكافل من مجرّد استجابة فردية وعابرة إلى ثقافة مجتمعية راسخة وممتدّة. فإذا افترضنا أن مبادرة نقابة المحامين في ريف دمشق نجحت في تغطية الأثر المالي المباشر لأسر المحامين التسعة الذين فقدوا حياتهم، كما خفّفت جانباً من الأعباء التي تواجه المحامين الـ15 المصابين، فإن هذه المبادرة، على أهميتها، تُمثّل نموذجاً مصغّراً لحجم الاحتياج على مستوى البلاد.
ولتقدير الفارق في حجم الاحتياج، إذا افترضنا أن الضحايا التسعة كانوا جميعاً يعيلون أُسَراً، فإننا نتحدّث عن عدد محدود من الأسر، في مقابل واقع سوري أوسع بكثير؛ إذ تفيد تقديرات المكتب المركزي للإحصاء في سورية بأن نحو 518 ألف امرأة فقدن أزواجهن خلال سنوات الحرب داخل سورية، وأصبحن يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن. وفي دول اللجوء، تعيل النساء أكثر من 145 ألف أسرة سورية لاجئة في لبنان والأردن والعراق ومصر وتركيا، بما يعادل نحو 22% من إجمالي أسر اللاجئين. 
ويكتفى هنا بالإشارة إلى الترمّل والنساء المعيلات، من دون التوسّع في فئات أخرى لا تقل هشاشة، مثل الأطفال الأيتام، الذين يُقدَّر اتحاد منظمات الرعاية الطبية والإغاثة الأميركية (uossm) أعدادهم بنحو 1.2 مليون طفل في "شمال غرب سورية فقط"، وتفيد تقديرات منظمات محلية بأن 90% منهم غير مكفولين. وهذه ليست سوى تركة اجتماعية واحدة خلّفها حكم التوحش، وهي تركة ثقيلة تجعل التعافي مسؤولية تتجاوز الدولة وحدها، لتصبح مسؤولية مجتمعية أيضاً، تقوم على تكامل الجهدين الرسمي والأهلي في إنقاذ الفئات الأكثر هشاشة.

"تبادل الإعالة والنفقة والمعونة"

التكافل، في أبسط معانيه، هو "تبادل الإعالة والنفقة والمعونة" (قاموس المعاني). لكنه، في علم الاجتماع، يتجاوز كونه فعلاً خيرياً ونبيلاً وإنسانياً عابراً، ليصبح شبكة من العلاقات القائمة على الثقة والتبادلية وتحمّل المسؤولية المشتركة، وهي العناصر التي تشكّل ما يعرف بـ"رأس المال الاجتماعي". وكلما وجدَت هذه الروابط إطاراً يُنظمّها ويمنحها الاستمرارية، تحولت من مبادرات فردية متفرقة إلى قوة مجتمعية قادرة، بحق، على مواجهة الأزمات وتعزيز التماسك الاجتماعي.
غير أن هذه البيئة، التي تُمكّن الفرد والجماعة من تقديم الخير في أُطر عطاء منظّم، لم تتح للسوريين لعقود طويلة. فوفق دراسة بعنوان "المجتمع المدني السوري قبل 2011" الصادرة عن مركز حرمون للدراسات المعاصرة، اتجهت السلطات منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي إلى تقييد عمل الجمعيات الأهلية والنقابات المستقلة (عهد الوحدة السورية المصرية)، قبل أن تُخضع معظم منظمات المجتمع المدني لهيمنة السلطة خلال الثمانينيات، ما أضعف المجال الاجتماعي الذي تتشكّل فيه مبادرات التضامن والعمل الأهلي. وبعد التحرير، بدأ هذا المجال يستعيد شيئاً من حيويته؛ إذ أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن عام 2025 شهد تسجيل 1407 منظمات غير حكومية في مختلف المحافظات السورية (مقابل 1700 جمعية طيلة 54 سنة من حكم صيدنايا البائد)، في مؤشّر يعكس اتساع المجال أمام المجتمع المدني للعودة تدريجياً إلى أداء أدواره التنموية والاجتماعية.
غير أن اتساع المجال المدني، على أهميته، والتحرّر من خوف الرقابة المخابراتية، والزيادة غير المسبوقة في أعداد الجمعيات المسجلة، لا تعني بالضرورة أن ثقافة التكافل قد ترسّخت؛ فالمعيار الحقيقي للقياس هنا يتجاوز عدد المنظمات المسجلة إلى قدرتها على تحويل روح التضامن إلى شبكات دعم تصل إلى الفئات الأكثر هشاشة. فالقضية ليست في الشكل: لدينا 1407 منظمات، بل في المضمون: هل بدأت هذه المنظمات في عملية إنتاج الأثر الاجتماعي؟

المرأة المعيلة... نقطة البداية

وإذا كان "تبادل الإعالة والنفقة والمعونة" يعني تكافلاً كما سبقت الإشارة، فإن أثره يتجاوز الاستجابة لحاجة آنية، ليصبح استثماراً اجتماعياً تمتد ثماره إلى سنوات وربما إلى أجيال. ولنفترض أن المجتمع قدّم دعماً لامرأة معيلة؛ لكن المستفيد الحقيقي لن تكون تلك المرأة وحدها، وإنما ستنعم الأسرة بأكملها بتلك المعونة. فكل دعم يصل إليها يخفّف احتمالات الفقر المزمن، ويحدّ من التسرب المدرسي، ويقلّل من عمالة الأطفال والزواج المبكر، ويعزّز فرص الاستقرار الاجتماعي. ولهذا تحظى النساء المعيلات بأولوية في كثير من برامج التعافي بعد النزاعات؛ لأن الاستثمار في المرأة المعيلة يتحوّل، في الغالب، إلى استثمار في الأسرة كلها. فكل ليرة تصل إليها تتحول إلى غذاء، وتعليم، ورعاية صحية، وشعور أكبر بالأمان للأطفال، لتصبح المساعدة دعماً لجيل كامل، لا لفرد واحد فقط. ويمتد أثر تحسين الظروف المعيشية للأسرة إلى بنية المجتمع نفسها، وهو ما يفسر اهتمام علماء الاجتماع بمفهوم "رأس المال الاجتماعي" بوصفه أحد أهم الموارد غير المادية التي تمتلكها المجتمعات.
يرى عالم السياسة الأميركي روبرت بوتنام أن رأس المال الاجتماعي لا يقتصر على الموارد المادية، وإنما يتمثل في الروابط بين الأفراد، والشبكات الاجتماعية، وما تولّده من معايير للتبادلية والثقة، وهي عناصر تجعل المجتمع أكثر قدرة على التنسيق والتعاون ومواجهة الأزمات. ومن هذا المنظور، تُعدّ مبادرات التكافل الاجتماعي استثماراً في رأس مال اجتماعي يعزّز شبكة العلاقات والثقة المتبادلة، ويزيد قدرة المجتمع على الصمود والتعافي، لا سيما في المراحل التي تعقب النزاعات كما في البيئة السورية.
وإذا كان رأس المال الاجتماعي يبدأ ببناء الثقة وروابط التبادلية بين الأفراد، فإن ثماره تتجلى على مستوى المجتمع بأسره في صورة تماسك اجتماعي. فكل مبادرة تكافل، كبيرة أم صغيرة، تخفف العبء الاقتصادي عن الأسرة المحتاجة، لكنها، في الوقت نفسه، تسهم أيضاً في ترميم ثقة أفرادها بالمجتمع، وتعزّز شعورهم بالانتماء، وتساعد، في النطاق الأوسع، في إعادة دمج الفئات الأكثر هشاشة في الحياة العامة، وبذلك تصبح جزءاً من عملية التعافي نفسها، لا مجرّد مساعدة. ومن هنا تنتقل القضية من فعل إحساني متواضع الأثر إلى عملية تراكمية تعيد نسج العلاقات الاجتماعية التي مزّقتها سنوات التفتت. وهذا تحديداً ما تنطلق منه الأمم المتحدة في مفهوم "التماسك الاجتماعي"، الذي تعده عملية تُبنى عبر الثقة والمشاركة والتضامن وشبكات الدعم المتبادل، وليس نتيجة تلقائية لانتهاء الصراع.

أصبحت مبادرة نقابة المحامين بريف دمشق نموذجاً تحتذي به النقابات وغرف التجارة واتحادات الصناعيين والجمعيات الأهلية والفاعلين الاقتصاديين في سورية

"لست وحدك"

وفي هذا السياق، تذهب أدبيات الأمم المتحدة خطوة أبعد مما قطعه بونتام، إذ ترى أن هذه العناصر لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى تماسك اجتماعي. ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يقوم التماسك الاجتماعي على ثلاثة أبعاد رئيسية: الثقة، والشعور بالانتماء والمصير المشترك، والاندماج الاجتماعي والسياسي القائم على المشاركة الطوعية. ولا يُنظر إلى هذه الأبعاد باعتبارها قيماً أخلاقية مجرّدة، إنما باعتبارها ركائز عملية للتعافي وبناء السلام في المجتمعات الخارجة من النزاع. (ص 30) 
يعمل التماسك الاجتماعي على تعزيز العلاقات بين الأفراد، ويحدّ، في الوقت نفسه، من الفوارق والإقصاء الاجتماعي، ويقوّي الشبكات التي تربط المجموعات المختلفة ببعضها، ويُنمي شعوراً بالانتماء ورؤية مشتركة للمستقبل، ويشجع أفراد المجتمع على اختلاف خلفياتهم على الانخراط الفاعل في الحياة بالمعنى الواسع للكلمة. ومن هذا المنطلق، تؤكد أدبيات الأمم المتحدة أن تعزيز التماسك الاجتماعي، والشمولية في المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية، يسهم في الحد من السلوك المعادي للمجتمع، ويقلل من مشاعر الاغتراب التي قد تقود إلى التطرف والعنف. وبذلك يصبح التكافل الاجتماعي أكثر من مبادرة خيرية؛ إذ يغدو أداة لبناء السلام، واستثماراً في الاستقرار، ومنهلاً يروي عطش التعافي في المجتمع السوري المثخن بالمعاناة.
ويصبح من نافلة القول إن أثر التماسك الاجتماعي، عندما يترسخ، يمتد إلى المجتمع بأسره، عبر تعزيز الاستقرار، وتوسيع المشاركة، وتقوية القدرة الجماعية على مواجهة الأزمات. ولذلك عندما تعوّض نقابة مهنية أسرة فقدت معيلها، فهي لا تنقل مبلغاً مالياً فقط، وإنما تبعث رسالة تقول"لست وحدك". ويا له من محتوى. 
ماذا لو أن كل من يملك أعطى "شيئاً" لمن لا يملك؟ ماذا يمكن أن يحدُث لو أصبحت مبادرة نقابة المحامين بريف دمشق نموذجاً تحتذي به النقابات وغرف التجارة واتحادات الصناعيين والجمعيات الأهلية والفاعلين الاقتصاديين في سورية التي تتلمس طريقها نحو الانتقال من العالم القديم الذي قسرها النظام البائد على الدخول فيه إلى دولة ومجتمع طبيعيين. لنتخيل لو أن: كل نقابة تبنت أسر ضحايا من قطاعها. وكل غرفة تجارة وصناعة أنشأت صندوقاً لدعم النساء المعيلات. وكل شركة خصّصت جزءاً من مسؤوليتها المجتمعية للأسر الأكثر هشاشة، وكل حي أنشأ صندوقاً تكافلياً محلياً. حينها لن نتحدّث عن مساعدات متفرقة، بل عن شبكة أمان مجتمعية منظمة تشارك في حمل عبء التعافي مع الدولة.

ما تقوله تجارب ما بعد النزاع

تفيد التجارب الدولية بأن المبادرات المجتمعية الصغيرة تعيد نسج العلاقات بين الناس. ففي رواندا، أظهرت دراسة حول آليات المصالحة المجتمعية أن مبادرات محلية، مثل "أوموغاندا" (العمل المجتمعي التطوعي) و"غيرينكا" (بقرة لكل أسرة) وآليات الوساطة والحوار المجتمعي، أسهمت في تعزيز التماسك الاجتماعي، ومكّنت المجتمعات المحلية من معالجة كثير من مشكلاتها بنفسها. والأهم أن بعض هذه المبادرات لم يُصمم أصلاً لتحقيق المصالحة، بل لمكافحة الفقر أو دعم الأسر الهشة، لكنه تحول عملياً إلى أدوات فعالة لبناء الثقة والسلام. 
وفي نطاق التجربة الرواندية نفسها مثال عملي على هذا التحوّل، فبعد سنوات الصراع، اتسع الاهتمام من إعادة بناء البنية التحتية إلى إعادة بناء رأس المال الاجتماعي، من خلال مشاريع تنموية صُممت بمشاركة المجتمعات المحلية نفسها. فقد اعتمدت خطط التنمية على إشراك السكان في تحديد أولوياتهم، مع إعطاء أولوية واضحة للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأسر التي تعيلها نساء، والأرامل، والأيتام، وذوو الإعاقة. ولم يكن الهدف تقديم المساعدة وحدها، بل تعزيز الاعتماد على الذات، وبناء الثقة، وتقوية قدرة المجتمعات على حل مشكلاتها بنفسها. وهكذا، تحولت التنمية المحلية من أداة لتحسين الخدمات إلى وسيلة لإعادة دمج المجتمع وترميم العلاقات التي مزقتها الحرب، (البنك الدولي).

قد لا تستطيع مبادرة تكافل واحدة أن تعالج التركة الاجتماعية الثقيلة التي خلفتها سنوات التدمير الشامل، لكن التجارب الدولية تؤكد أن التعافي لا يبدأ دائماً من المشاريع الكبرى

ولا يعني استحضار هذه التجارب؛ أن سورية مطالبة باستنساخ نماذج الآخرين؛ فلكل مجتمع تاريخه وتعقيداته، ولكل حرب أثلامها الظاهرة والغائرة في الأرواح، وقد تركت سنوات الاستبداد والحرب في سورية إرثاً اجتماعياً بالغ الثقل، يتمثل في مئات آلاف النساء المعيلات، وضعف عددهم من الأيتام، وذوي الإعاقة، والأسر التي فقدت معيلها، إلى جانب تآكل ما بقي من ثقة كانت تربط الناس بعضهم ببعض بـ"خيط". غير أن التجارب المقارنة تكشف قاسماً مشتركاً يصعب تجاهله؛ فالمجتمعات التي تترك الفئات الأكثر هشاشة تواجه مصيرها وحدها، تصبح أكثر عرضة لتجدّد الانقسام والاحتقان والاستقطاب، بينما تنجح المجتمعات التي تحيط هذه الفئات بشبكات من الدعم في بناء رأس مال اجتماعي قوامه الثقة والتبادلية، وهو ما يعزز التماسك المجتمعي ويقوي فرص التعافي والاستقرار.
من هذه الزاوية، لا يبدو السؤال السوري المطروح اليوم متعلقاً بحجم الاحتياج وحده، إنما بمدى قدرة المجتمع على توليد استجابة مكافئة له. فما الذي يمنع النقابات المهنية، وغرف التجارة والصناعة، والجمعيات الأهلية، والجامعات، ورجال الأعمال، والمغتربين السوريين، من أن يُشكّلوا فُرادى، أو مع مؤسسات الدولة، شبكة وطنية للتكافل تستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر؟ فالمبادرات التي تساند امرأة معيلة، أو تكفل يتيماً، أو تؤهّل مصاباً، أو توفر فرصة عمل لأسرة فقدت مُعيلها، من شأنها أن تُرمّم الثقة التي تآكلت عبر سنوات طويلة، وتؤسس، مدماكاً فوق آخر، لمجتمع يستعيد قدرته على الوقوف جماعياً. يمكن اعتبار التكافل "مُتغيّراً أُمّ"ن ويمكن لهذه الأم أن تولّد سلسلة تغييرات اجتماعية عميقة وممتدة وغير متناهية.

الخلاصة

قد لا تستطيع مبادرة تكافل واحدة أن تعالج التركة الاجتماعية الثقيلة التي خلفتها سنوات التدمير الشامل، لكن التجارب الدولية تؤكد أن التعافي لا يبدأ دائماً من المشاريع الكبرى، بل كثيراً ما يبدأ من مبادرات صغيرة، مثل مبادرة نقابة المحامين، تعيد وصل الناس ببعضهم. فمن دعم الأرامل والنساء المعيلات والأيتام وذوي الإعاقة في الحي الواحد والقرية الواحدة، إلى إشراك أهالي ذلك الحي وتلك القرية في تحديد أولوياتهم؛ تتشكل تدريجياً شبكات من الثقة والانتماء والاعتماد المتبادل، وهي العناصر التي يعدّها علماء الاجتماع والأمم المتحدة أساساً لرأس المال الاجتماعي والتماسك المجتمعي. وفي الحالة السورية، حيث يتجاوز حجم الاحتياج قدرة أي طرف بمفرده، لا يبدو التكافل الاجتماعي مجرد عمل خيري نبيل ومحمود، إنما هو عائد استثماري لا يُقدّر بثمن، لأنه يغرس في تربة استقرار المجتمع نفسه. وهو في الوقت نفسه شراكة تُكمّل دور الدولة ولا تحلّ محلّه. فإعادة بناء الطرق والمباني وتأهيل البنية التحتية قد تستغرق سنوات، أما إعادة بناء الثقة بين الناس، فتبدأ من اللحظة التي تمتد فيها يدٌ إلى يد.