استمع إلى الملخص
- تولى أحمد الشرع السلطة في دمشق، وسعى للسلام مع الاحتلال رغم الانتهاكات المستمرة، مع تقارير عن اقتراب توقيع اتفاق سلام يحول الجولان إلى "حديقة سلام".
- يستغل الاحتلال الصهيوني الانقسامات الداخلية في سوريا لتحقيق مصالحه، مما يتطلب مبادرة وطنية علمانية ديمقراطية لتحرر سوريا من الأزمات الحالية والمستقبلية.
بعد هرب بشار الأسد إلى موسكو سارع الاحتلال الصهيوني إلى قصف كل مواقع الجيش السوري، مدمّرًا بذلك تقريبًا كامل قدرات الجيش السوري العسكرية المتبقية. حينها شنّ أكثر من 480 غارةٍ جويةٍ، دمرّت سلاح الجو والبحرية السورية كلّه، رافق العملية الجوية الصهيونية، عمليةٌ بريةٌ احتل بموجبها عددًا من المدن والقرى السورية، كما قتل وأسر العشرات من أبناء الشعب السوري. في المقابل ما كان ممن حلّ مكان بشار الأسد في قصر الشعب إلّا المحافظة على يده ممدودةً تأبى التراجع تجاه المعتدي الخارجي والمحتل، فمقدرات الجيش دمّرت، ولا قدرة لسورية المنهكة بعد ثورةٍ شعبيةٍ دفعها نظام الأسد دفعًا كي تصبح حربًا أهليةً، والتي ما لبثت أنّ تحولت إلى حربٍ بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على سورية. لذلك كان الكلام أن لا إمكانية لمواجهة الاحتلال إلّا ببناء الجبهة الداخلية وتعزيزها، كلامٌ لا غبار عليه، لكن الأفعال جاءت مكذبةً له، فبدلًا من توحيد الجبهة الداخلية وتعزيزها تفرد أحمد الشرع ومن خلفه هيئة تحرير الشام بالسلطة في دمشق، الذين أخرجوا للشعب إعلانًا دستوريًا بمواد أكثر استبداديةً من دستوري 1973 و2012.
لم تكتفِ سلطة الأمر الواقع القابعة في دمشق بالاستئثار بالحكم من دون مشاركة أحد، بل أعلنت النفير العام، وصدحت الجوامع بـ"حي على الجهاد"، ليس ضدّ الاحتلال الصهيوني لمواجهة ما سردنا من أفعاله أعلاه، إنّما ضدّ أبناء الشعب السوري نفسه، بعد سلسلةٍ من الانتهاكات المستمرة منذ هروب الأسد إلى اليوم، بحقّ كلّ من يعارض سلطة الشرع، إذ ارتكبت قوى الأمن العام، والجيش السوري الجديد، ومليشيات الفزعات في مارس/آذار الماضي مجازر مروعةً بحقّ العلويين السوريين، راح ضحيتها آلف مدنيٍ.
ضمن السياق ذاته، وبتتابع الأحداث، حافظ أحمد الشرع على ثبات موقفه إلى اليوم، وأبقى يده ممدودةً للاحتلال، فهو يحاول أن يؤكّد بكلّ مناسبةٍ على سعيه الدؤوب إلى السلام، ويرفض قطعًا أنّ تمثّل سلطته أيّ تهديدٍ لأحد خارج حدود سورية، أما الداخل فهو شأنٌ داخليٌ.
وفقًا لوسائل الإعلام الدولية، والتصريحات الرسمية الغربية، خصوصًا الأميركية والصهيونية، توالت اللقاءات والاجتماعات بين مسؤولي سلطتي دمشق والاحتلال، وزاد الود بين الطرفين، وخرجت العديد من التقارير الإعلامية التي تفيد باقتراب توقيع اتّفاق "سلامٍ" بين الطرفين، يحول الجولان إلى "حديقة سلامٍ"، تحت سلطة الاحتلال طبعًا؟!
كل سلطات الأمر الواقع السورية وكيلةٌ لاحتلالٍ أو أكثر، وكلها تخطب ود الاحتلال الصهيوني، الذي يتلاعب بها بطريقةٍ مرنةٍ وانتقائيةٍ، وهو لا يسعى إلى دعم طرفٍ واحدٍ دائمًا
ومع ازدياد الود أكثر؛ شارك الاحتلال الصهيوني في الاجتماعات بين سلطة دمشق والمندوب السامي الأميركي لسورية ولبنان، توماس برّاك، وفي باكو عاصمة أذربيجان، وخلال زيارةٍ رسميةٍ للشرع تم الاجتماع في 2025/7/12 على المستوى الوزاري بين سلطتي دمشق والاحتلال. وفي اليوم التالي للاجتماع هاجمت قوات "الجيش السوري الجديد" والأمن العام وميليشيات الفزعات السويداء، وباشرت بارتكاب مجازر وانتهاكاتٍ أشد قسوةً من مجازر الساحل. في المقابل أعلن الاحتلال أنّه حامي الدروز الرسمي، ولم يكتفِ بقصف بعض أرتال المهاجمين، بل نسف قيادة الأركان السورية في دمشق، ما أغضب الشرع ودفعه إلى الاعتراض لدى توماس برّاك، وهو محقٌ تمامًا، فلم يقم إلّا بما اتفق عليه باجتماع باكو، أو على أقلّ تقدير ما فهمه من الاجتماع. وهذا ما عبر عنه برّاك، واصفًا المشكلة بـ"سوء تفاهمٍ" أودى بحياة المئات من السوريين، وسبب حالة فصامٍ لدى العديد من السوريين، فمن جهةٍ، اتهم مؤيدو الشرع السوريين في السويداء بالعمالة للاحتلال، رغم أن الشرع هو من التقى الاحتلال ونسق معه، وعلى الجهة الأخرى رفع بعض السوريين الجهلة في السويداء علم الاحتلال، الذي شكره حكمت الهجري علنًا أيضًا، رغم أن الاحتلال هو من أعطى الضوء الأخضر، أو على أقل تقدير هو سبب سوء التفاهم الذي أدى إلى المجزرة. حالةً لا يمكن أن تفسر إلّا بالفصام.
سطع نجم الهجري، وظهر أنّه الحامي لأهل الجبل، وصار من حقّه الطموح لأن يصبح قوّة أمر واقع في السويداء، وربّما من الممكن أن يتحول إلى سلطة أمرٍ واقعٍ أيضًا. ولا سيّما بعد أن وجد راعيًا رسميًا له (الاحتلال الصهيوني)، وبدأ بتشكيل إداراتٍ مدنيةٍ وأمنيةٍ ضمت بعض رموز نظام الأسد. هذا النجم الساطع الجديد ما كان من قوات سوريا الديمقراطية أن تفوته، لذا استضافته في مؤتمر الحسكة، وهي إحدى سلطتي الأمر الواقع السورية المدعومة أيضًا من الولايات المتّحدة، والتي تتبادل رسائل الغزل مع الاحتلال الصهيوني أيضًا، حالها حال سلطة دمشق.
لم تطرح قوات سورية الديمقراطية (قسد) نظامًا ديمقراطيًا بديلًا، إنّما أعادت إنتاج استبداد الأسد ذاته، والقتل والانتهاكات المتكررة، والاعتقال السياسي في سجونها، الذي قضى العديد منهم تحت التعذيب، كما أن ولاءها للولايات المتّحدة يعوق تحولها إلى حركة تحررٍ وطنيٍ تكون ركيزةً للشعب السوري للخروج من مأزقه.
كل سلطات الأمر الواقع السورية وكيلةٌ لاحتلالٍ أو أكثر، وكلها تخطب ود الاحتلال الصهيوني، الذي يتلاعب بها بطريقةٍ مرنةٍ وانتقائيةٍ، وهو لا يسعى إلى دعم طرفٍ واحدٍ دائمًا، بل يميل إلى إدارة التوازنات والصراعات من دون إنهائها لضمان مصالحه الأمنية والسياسية. إذ تستهدف غاراته الجوية المستمرة مواقع داخل الأراضي السورية، خصوصًا حول دمشق، مع تجنب إسقاط النظام بالكامل، حتّى لا ينهار، خوفاً من احتمالية تشكل بديل ثوري تحرري. لذلك يتغاضى عن تحركات سلطة دمشق في بعض المناطق، التي اعطيت له بوصفها مناطق نفوذ من دون أن يمس ذلك بالعلاقات والتواصل المباشرة وغير المباشرة مع سلطة دمشق.
أيضًا؛ يسعى الاحتلال الصهيوني إلى بقاء سيطرة "قسد" على حقول النفط والغاز في الحسكة ودير الزور، ما يحرم البلاد من عائداتٍ مهمةٍ، تُهدر باقتصاد الحرب بقيمةٍ بخسةٍ بدلًا من استثمارها ببناء اقتصادٍ وطنيٍ منتجٍ. كما يستفيد الاحتلال الصهيوني من اللعب بالورقة الكردية، ويساهم بزيادة التوتر بين قسد والاحتلال التركي، ما يسمح لتل أبيب بإشغال أنقرة إقليميًا في الداخل السوري.
وفي السويداء يستغل الاحتلال الروابط الدينية والاجتماعية مع الدروز في فلسطين المحتلة ليقدم نفسه حاميًا لأبناء الطائفة في المحافظة، وهو ما يعطيه مدخلًا سياسيًا وأمنيًا، مستفيدًا من تلاعبه بسلطة دمشق المتطرفة دينيًا.
ومع ازدياد الود أكثر؛ شارك الاحتلال الصهيوني في الاجتماعات بين سلطة دمشق والمندوب السامي الأميركي لسورية ولبنان، توماس برّاك
الخوف من تقسيم سورية مشروعٌ تمامًا، وهذا الخوف يجب أن يكون حاليًا وليس مستقبلًا لأنّه واقع الحال، فسورية مقسمةٌ بين سلطتي أمر واقع مع بداية تشكل سلطةٍ ثالثةٍ، واحتمالية ظهور الرابعة لاحقًا. مع العلم هناك احتماليةٌ دائمةٌ لتغير هذه السلطات، وتغير حدود سيطرتها.
الاحتلال الصهيوني لا يريد انهيار النظام كاملًا، لكنه أيضًا لا يريد تعافي سورية لتصبح دولةً قويةً، سواء بيد النظام الحالي في دمشق، أو أيّ سلطةٍ بديلةٍ مركزيةً كانت أم لا. كما أنّها حال بقية الاحتلالات في سورية تحاول إدارة الصراعات بين سلطات الأمر الواقع، والتحكم بها بدل إنهائها. أيّ إبقاء قسد، ونظام دمشق، والسويداء، في حالة "شدٍّ وجذبٍ" مستمرٍ، بحيث لا يتمكن أيّ طرفٍ من فرض سيطرته الكاملة على سورية.
للأسف؛ تقدم سلطات الأمر الواقع السورية ذلك للاحتلال على طبقٍ من ذهب، ولا سيّما أنّها تعبر عن انقساماتٍ دينيةٍ وقوميةٍ، فهي ترسخ الانقسام المجتمع عاموديًا، ما يسهل التدخلات ويسهل المهمة على قوى الاحتلال، ليصبح احتلالًا من دون أي تكاليفٍ تذكر. لذلك أكثر ما تحتاج سورية حاليا مبادرةٌ وطنيةٌ علمانيةٌ ديمقراطيةٌ تحرريةٌ جامعةٌ، ربما تفتح المجال أما الشعب السوري بالقفز فوق مراحل كارثية عديدة، سواء الحالية منها أو المتوقعة مستقبلًا إن استمر الوضع الراهن كما هو.