استمع إلى الملخص
- تأسست "هيئة التنسيق الوطنية" في دمشق بقيادة عبد العزيز الخيّر، داعية لثورة سلمية، مما أغضب النظام وأدى لاعتقال الخيّر، بينما انسحبت بعثة الأمم المتحدة، مما زاد تعقيد الأزمة.
- بعد سقوط النظام، استقبلت السلطة الانتقالية بترحيب، لكن المخاوف من الفصائل المسلحة والانتهاكات المستمرة زادت معاناة الشعب، والسؤال "سوريا إلى أين؟" يبقى بلا إجابة.
في اليوم السابق لهروبه المباغت، وسقوطه الضروري، حدث أن حطّم ثوّار جرمانا تمثال الرئيس الأب في ساحة الكرامة في مدينتهم، والتي حملت اسمه لسنوات. كانت فصائل ردع العدوان القادمة بتوافق دوليّ، اجتازت حلب ووصلت إلى حماه.
صباحاً، قبل وصول فصائل عملية ردع العدوان إلى دمشق، كان ثوّار درعا والسويداء قد وصلوا إلى ساحة الأمويّين، رفعوا علم الثورة وهتفوا للحريّة وللوطن وقد عاد لشعبه قاطبة. ذلك الصباح كان لقهوتي طعمها الألذّ رغم فورانها بهواجس مقلقة، أدرت لها ظهري. أردت الانغماس في الفرح بعد ضياعه لأربعة عشر عاماً في الظلمات القاتلة. قال سرّي: "اليوم خمر وغداً أمر." يحقّ لنا نحن الشعب المكلوم العاجز أن نفرح حتّى الثمالة في يوم لن يُنسى.
خطا الحزن على خطوات فرحي، الحزن على ثوّار كانوا جديرين بعيش ذلك اليوم: عبد العزيز الخيّر، رامي الهنّاوي، جهاد محمد، علي الشمالي، فدوى سليمان، ميّ سكاف، وتطول القائمة. والحزن على معاناة شعب أعزل قتلته صرخة الحريّة، وعلى الدمار الهائل الذي أحدثه النظام الأسديّ المجرم المستهتر. قسّم البلاد وقتل العباد، اعتقلهم وهجّرهم، بينما ينفخ في بوق تمسّكه بوحدة البلاد وهو يذبحها. وساهم مع من ساهم في الداخل والخارج بتسليح الثورة الوطنيّة السلميّة في أشهرها الأولى ووأدها. كان الحكيم الخيّر ورفاقه قد أسسوا في دمشق "هيئة التنسيق الوطنيّة" وأعلنوا ثوابتهم الوطنيّة بشعارات لاءاتها الثلاثة: لا للسلاح، لا للطائفيّة، لا للتقسيم، ما أغضب النظام الديكتاتوريّ، فكان لا بدّ من تغييب الدكتور عبد العزيز السجين سابقاً، عالي الوطنيّة والنزاهة والسمعة العطرة، فاعتُقِل في 2012، ليختفي في مصيره المجهول.
أرعبني انسحاب بعثة الأمم المتحدة من دمشق برئاسة الأخضر الإبراهيميّ في 2013 لحلّ الأزمة السوريّة، لعجزه التام، فسبل الحلّ انسدّت. في الداخل سُحقت المعارضة الوطنيّة، وفي الخارج، تفسّخ أغلبها وفسد، وباتت القضيّة ساحة للتجارة والمكاسب الشخصيّة. ودخلت البلاد في مجهولها الفظيع. ومضى الشعب الأعزل بين الجوع والبرد والموت وبين إعلان هواتفه الخلويّة أنّ المُتصل بهم خارج التغطية، ليخنق رعب الانتظار الأنفاس. وانهارت البلاد تحت ثقل الفقدان والنقصان.
لست أدري لمَ أسهب في التذكّر، بينما أحتفل بالذكرى الأولى لخلوّ فضائنا من الطاغية الأهبل، ومن نظامه الفاسد. بأسف مرير أكرّر العبارة الأخيرة كأنّما للخواء. أتراني أحنّ إلى تلك الأصوات البعيدة تهتف: "واحد واحد واحد الشعب السوريّ واحد". أحنّ إلى صرخات المؤازرة من شرق البلاد إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها: "يا درعا حنا معاك للموت"، "يا حلب حنا معاك للموت"، "يا إدلب حنا معاك للموت"... فزعات الأخوّة والوطنيّة الصرفة.
كان ترحيب البلاد بقدوم السلطة الانتقاليّة متكاملاً، هُرعت السويداء إلى دمشق لمصافحة العهد الجديد. آنذاك، كان أكبر هواجسي يتمحور حول نوايا هذا القادم وإن كان سينسينا مآسي العهد الساقط؟ وانقضى عام كامل، ولم ينسنا المآسي بل زاد منها. فالخوف من فصائله المسلّحة حرم الريفيّين العلويّين في الساحل من الاحتفال بهذه الذكرى العظيمة، التزموا بيوتهم مع غروب الشمس، كعادتهم بعد المجازر، والانتهاكات (الفرديّة) لا تتوقّف على مدار اليوم، وخطف نسائهم يدوم. وماذا عن الأهل في السويداء وما زالوا يكتشفون كوارث المجزرة من فزعات السلطة المؤقّتة، والأهل في الرقّة الذبيحة، والأهل الأكراد، وقد منعوا من الاحتفال بالذكرى الأولى العظيمة بعد نضالاتهم الجسيمة لأجلها؟
يرعبني السؤال الملحّ: "سوريّة إلى أين؟" ومكوث الإجابات في دوّامات الاحتمالات المخيفة والسيناريوهات الرهيبة المجهّزة من الخارج.