- يُبرز النص كيف تُهيئ السلطة البلاد لاستقبال البرابرة، متجاهلةً مطالب الشعب، ويُظهر استغلال الوضع لتبرير القمع والفساد وتهميش المثقفين.
- يطرح كفافيس سؤالاً حول ما إذا لم يأت البرابرة، مما يكشف عن وهم الاعتماد على الغزو كحل للأزمات ويدعو للتفكير في حلول حقيقية ومستدامة.
"لماذا هذا الجمود في مجلس الشيوخ؟ لماذا يجلس الشيوخ بلا تشريع ولا قرار؟ لأنّ البرابرة سيصلون اليوم، فلماذا نحتاج القوانين بعد؟ عندما يأتي البرابرة، سيشرّعون حين يصلون". هي فاتحة قصيدة "بانتظار البرابرة" للشاعر اليونانيّ الإسكندرانيّ قسطنطين كفافيس، وربّما آن كتابتها كانت ظلال إسكندريّته تحوم في وجدانه. المدينة التي أسّسها الإسكندر الأكبر شهدت مجداً دام قروناً، كانت مثالاً للهيمنة الثقافيّة والفكريّة لحوض البحر الأبيض المتوسّط. لكن، لم يتسنّ لابنها كفافيس العيش في كنف أنوارها المشعّة، كانت قد خبت حين ولادته العام 1863. عبر مشاهد رمزيّة باذخة بذخ خشبة مسرح راقٍ، ثمّة مجهولون يسألون وآخرون يجيبون، لتأكيد أنّ البرابرة/ الغزاة هم حجّة الطغاة أبداً. فالبرابرة لا يحضرون من دون دعوة الطغاة مواربة، أو في سرّ عتمة الفصول، وديجور فشلهم في إدارة البلاد. فلا يتورّع الطغاة عن حثّ البرابرة على المجيء، ولا يألون جهداً في تفريغ الساحات لهم، وتعبيد الطرقات بالذلّ المفضوح لأقدامهم، وتدبيج الخطب والأناشيد لاستقبالهم: "لِمَ يستيقظ إمبراطورنا، مبكرأ هكذا؟ ولمَ يجلس الآن معتلياً عرشه، معتمراً تاجه عند البوّابة الكبرى للمدينة؟ البرابرة يصلون اليوم. والإمبراطور ينتظر استقبال قائدهم والحقّ أنّه تهيّأ ليوجّه إليه خطبة ويخلع عليه فيها كلّ الأسماء والألقاب".
محقّ كفافيس بذلك، والإمبراطور في هزالته ونفاقه محقّ أيضاً. فالإمبراطور المسكين المتعب مشغول اليوم بالبرابرة، فكيف للرعيّة الغوغاء أن تطالبه بتحسين الحال وبإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتفادي تجدّد الشروخات المهينة والدامية، وأنين الأجساد المنهكة جوعاً وبرداً، اغتصاباً وقتلاً، اعتقالاً وتهجيراً، فينجو الوطن. على كلّ حال، لن يأبه الإمبراطور برغبات الرعاع، فهم لا يقدّرون أو يراعون ثقل كاهله بمشاريعه المستقبليّة العظيمة ليؤمّن لهم وحدهم حياة أبهى بكثير ممّا يحلمون، وبشكل خاصّ جدّاً، حين تكون البلاد خربة تحرّرت توّاً من الطاغية الأسبق. فعلى الرعاع أن يحترموا انتظار إمبراطورهم الجديد للبرابرة وقائدهم، فهم سيساهمون في رسم خريطة البلاد الجديدة، وإعادة إعمارها واستثمار خيراتها لتضاهي أعظم الأمم. مهمّة الإمبراطور جليلة تستدعي مؤازرة الجميع دونما استثناء، وعلى هؤلاء العمل وحسب، ليتسنّى لهم دفع الضرائب المتعاظمة، والجزية لمن هم من أهلّ الذمّة، ضاربين بتجذّرهم منذ القدم في أرض البلاد عرض الحائط، تبعاً لوصف وتصنيف صاحب الفخامة الإمبراطور. هذا الذي انشغل ليال هائلات لتمهيد الطرقات والمنافذ كلّها لقدوم البرابرة، وبتدبيج خطبة عصماء لقائدهم، سيتخم صدره بالأسماء والألقاب والمكرمات والوعود الخلّابة الخلّبيّة. مهمّة شاقّة تستدعي حضور حاشية القصر من قناصل، وقضاة ووزراء، حاشيته الموثوقة وحدها بلونها الموحّد، هنا، لا كفاءات تُحتسب؛ فأمر هذا اليوم جلل، يستوجب كبت المتطلّبات الجماهيريّة حتّى الملحّة منها، وكمّ الأفواه.
ثمّة ما سيُدفع غالياً للبرابرة، أغلى من كرسيّ العرش، لا يهمّ. كما يستدعي انتظارهم حجب الخطباء/المثقّفين والمفكّرين، لأنّهم الأقدر على إثارة خوف الطغاة ورعبهم، والبرابرة أيضاً، يبرّر الطاغية الماكر تغييبهم. فكيف للمثقّف بكلّ أطيافه وتجلّياته ومراتبه، الانحناء لأيّة سلطة كانت، بل السلطة، هي من عليها الانحناء لهذا المثقّف. تُعدّ السلطة مستبدّة محتلّة لرأس البلاد، إن لم تُنتخب شعبيّاً. وتكون مبدعة في مجالها الوحيد، ولعها بالعرش وحده وديمومته لها، الترهيب والقتل، اللصوصيّة والفساد، ثمّ جلب الغزاة. ولكن، ماذا لو لم يأت البرابرة؟ فبعد رصده خذلان كرنفال الاستقبال واضطرابه وانسحابه بحلول المساء، يفجّر كفافيس السؤال الصاعق ويبرّره:" والآن... ماذا نفعل بدون برابرة؟ لقد كان هؤلاء نوعاً من الحلّ".