بشير البكر يكتب سورية... عودة عوليس السوري بعد 45 عاماً

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:06 (توقيت القدس)
بشير البكر في دمشق يونيو 2025 (تلفزيون سورية)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يستعرض بشير البكر في كتابه "سوريا رحلة إلى الزمن الضائع" تجربته الشخصية بعد عودته إلى سوريا بعد 45 عامًا، حيث يصف مشاعره المتضاربة بين الحنين والخوف، ويستخدم السرد بأسلوب يمزج بين الذكريات والتأملات الفلسفية.

- يزور البكر مناطق مثل دمشق وحلب، ملاحظًا التغيرات التي طرأت على المدن وأهلها، ويواجه ذكرياته المؤلمة في أماكن مثل فرع الخطيب، حيث كان معتقلاً.

- يتناول الكتاب العلاقات الشخصية للبكر، حيث يلتقي بعائلته وأصدقائه، ويعبر عن مشاعره المتناقضة تجاه الوطن والمنفى، منتهيًا بمغادرته لسوريا في يوم العيد.

عندما انتهيت من قراءة كتاب "سوريا رحلة إلى الزمن الضائع" (نوفل، بيروت، 2025) للشاعر والصحافي السوري بشير البكر الذي غاب عن بلده نحو 45 سنة، ورجع بعد سقوط النظام البائد، قلت لنفسي: هل نجا حقّاً من تروما اللقاء، أم أنّ الغربة درّبته أن يكون كشجر المنغروف لا يزرع جذوره إلّا في الماء المالح، منتمياً إلى المدّ والجزر، وجدل الأرشيف والذاكرة، وتنافذ اللحظة مع ماضيها وحاضرها ومستقبلها؟ لم أبحث عن جواب. وإنّما وطّنت السؤال، هل سأقرأ الكتاب مرّة ثانية؟

يفتتح البكر كتابه بالشعر، وكأنّه يتحرّر من أيّة ثوابت، إلّا ما تقتضيه بوصلة الجمال في جدلها مع شواش البشاعة، فهو كعوليس الذي ظلّ في رحم الغربة سنوات كثيرة، وشاء الدهر أن يسمح له بولادة ثانية في بلده الأم سورية، لذلك شرع كرسام انطباعي يمزج الضوء باللون وبالذاكرة، وبضربات كرفرفة ريشة أحياناً، ولمح نصل سكين أحياناً أخرى، طفق يسجّل أيامه التي قضاها في سورية. يقول البكر: "حين غادرتُ البلاد/ قال لي الشعر/ لا تخَف/ سيكون هناك وقتٌ وفير/ لنا نحن الذين لم نتكلّم بعد". 
ينتقل بعد الشعر الذي وضعه عتبة لكلّ فصل من كتابه إلى سردٍ، لا هو باليوميات مع حميميتها للذات الكاتبة، مع أنّه مرّر بعض الأزمنة في كتابه عن زيارتيه سورية، الأولى في فبرابر/ شباط بعد 70 يوماً من سقوط الأسد، والثانية في مايو/ أيار، ولا هي بالمذكّرات، حيث تذوب ذاتية الكاتب بالراوي العليم وشخصيّته في السرد، ولا هي بالمقال، ولا الحكاية، وإنّما سرد يقتضيه وجْد العارف، وتأمّل الحزين، وغبطة الجذلان، وحكمة من شحذته تجارب الأيام، مستدركاً استحالة السؤال على مذهب الزن الفلسفي: "هل من الممكن أن تتخيّل وجهك في رحم أمك قبل ولادتك/ بعد غربتك؟" لكنّه يستذكر أين ألقت أمه حبل سرّته، وأنّ لطلقات المخاض أسماء مدن أخرى، كالحسكة التي استنشق الهواء فيها أول مرّة، وأنّ لماء الرحم هيئة نهر الخابور، وأنّ لحلب سحر الابتسامات الغامضة كقلعتها، وأنّ للمشيمة شكل مدينةٍ تدعى دمشق وهبته آخر قطع الفسيفساء في شخصيته، فأصبح بشير البكر الشاعر والصحافي الذي كلّما اغترب عن البلاد أشرق باتجاهها. 
عندما حطّت الطائرة في مطار دمشق تلفّت العائد بلهفة العاشق، فأدار وجهه عمّن ضيّع درب الثورة من العائدين معه على الطائرة، لأنّهم خذلوا المهجّرين في خيامهم، والتفت إلى الناس الذين لم يبدّلوا تبديلاً، يبحثُ في وجوههم القاسية عن دمع التراب وبذرة الفرح بالآتي. كان في استقباله شقيقه سعيد وعائلته مع باقةٍ من ورد حملتها يد طفلة صغيرة. لم يُنسه اللقاء الحميم بعد غربة تكاد تنسي المرء نفسه، توجّسه من حال البلد، فيقول: "خائفٌ من انكسار الصور الكثيرة التي عشتُ عليها طوال هذا الوقت، وتغذّت منها مشاعري وأوهامي عن الوطن والمنفى. بين هذين الهاجسين تأرجح تفكيري كثيراً، وتبدّلت مشاعري، مرّة يرتفع الأدرينالين وأخرى يرجع إلى الصفر". 

اعتقل كاتبنا في فرع الخطيب في 1979، فقرّر زيارة المكان بعد أن سقط الأبد. وهناك على باب الفرع وجد عسكرياً شاباً يلعب مع الأطفال، وقد أسند بندقيته إلى الحائط

عندما جاء البكر إلى دمشق في سبعينيات القرن المنصرم سكن عديداً من أحيائها، كالغرفة التي قرب شارع العابد، وعندما ذهب إلى هناك بحثاً عن ذاكرة المكان تاه عن إيجاد تلك الغرفة، وتكرّر الأمر مع غرفةٍ أخرى، وحينما نوى أن يزور بيت جميل حتمل لم يجد إلا مكتباً عقارياً، فسأل الصبية في المكتب عن اللوحة التي علّقت على جدار المكتب، إنْ كانت لجميل؟ مع أنّه متأكّد من أنّ تلك الألوان النارية، ألوان جميل حتمل. تاهت الأماكن عن الشاعر وبقي الصحافي يبحث عن أماكن سكنها يوماً ما، فقد تغيّرت وجوه الناس، كما تبدّلت سمات الأمكنة، يقول البكر: "صعبٌ عليّ أن أفكّك المشهد وحيداً، من دون مساعدة من أحد الذين عاشوا هنا طيلة غيابي عن المدينة. إحدى مشاكلي الرئيسية أنّي لم أجد أحداً من أصدقائي الذين تركتهم حينما غادرت البلد عام 1980".

جادة الخطيب

اعتقل كاتبنا في فرع الخطيب في 1979، فقرّر زيارة المكان بعد أن سقط الأبد. وهناك على باب الفرع وجد عسكرياً شاباً يلعب مع الأطفال، وقد أسند بندقيته إلى الحائط. أخبره إنّ له ذكريات هنا، لكنّ العسكري استوقفه وأخرج حزمةً من المفاتيح ومن ثم ولج باباً وعاد بعد فترة أطول بكثير من إعداد كأس الشاي الذي وعده به. لم يسمح له الشاب بتحقيق أمنيته، لكنّه أحضر له كأساً من الشاي، يقول البكر: " قطعتُ شروده، سألته: هل أفهم منك أنّ اتصالاتك للسماح لي بدخول الفرع لم تفلح؟ ضحك بمرح وأنكر أنّه أجرى اتصالات، لأنّ التعليمات واضحة لديه. ظننتُ أنّ هناك لغزاً وراء قرار المنع، شككت في أن السجن لا يزال "يستقبل" بعض"النزلاء"، والإدارة موجودة في الداخل، لا تريد أن تكشف هذا الأمر"!. شعر كاتبنا بأنّ المكان أقرب إلى "بيت الموتى" مثلما قال دوستويفسكي. وتصوّر كيف كان أهل المنطقة يستمعون إلى أصوات تعذيب المعتقلين الذين يرحّلون فيما بعد إلى المقابر أو إلى سجون أخرى على أيام النظام البائد. خرج البكر من جادّة الخطيب بحلقٍ ناشف، رغم أنّه شرب كأس شايٍ كثير السكر، كانت له نكهة الثكنات العسكرية.

مقهى الروضة... باروميتر سياسي

كان السوري يذهب إلى المقهى، ليتبادل النظرات مع الجالسين في بلاد الصمت، فالمقهى كما يقول البكر "مقبرة الكلام" في بلاد يحكمها الديكتاتور بالسلاح والدم. وعندما رجع إلى سورية بعد السقوط، وجد أنّ مقهى الروضة أو مقهى المثقفين كما يحلو لبعضهم أن يطلق عليه قد تغيّر، حيث تعلو النقاشات والجدالات. يقول: "يقول زوّار قدامى للمقهى إنّ أصحابه حقّقوا خلال شهر واحد من الأرباح ما يفوق الأعوام التي سبقت سقوط النظام". الآن لا مخبرين، لا عيوناً تحبس الأنفاس، بل حرّية النقاش في كل الأمور. كان ذلك في الزيارة الأولى في شباط. وفي الزيارة الثانية: "لاحظت أنّ مقهى الروضة بات هادئاً، تراجعت فيه حالة العفوية، ولم تعد الطاولات مفتوحة بعضها على بعض. صار الزبائن يجلسون في جماعات شبه مغلقة، يتحدثون همساً عن الوضع الجديد، بين متشائم ومتريث وخائف".

تتعدّد فصول الكتاب، فمن العائلة التي لم ترَ أبناءها منذ 45 سنة، إلى الأصدقاء الذين تركهم في دمشق وعندما رجع كان الموت قد غيبهم والهجرة قد أبعدتهم

حلب، القنيطرة، اللاذقية، طرطوس

يقال إن بيت الشعر لا يكتمل إلّا بالقافية، وحلب قافية الجمال، يزورها البكر في الزيارة الثانية له إلى سورية، في مايو/ أيار، ليستقبله الروائي فيصل خرتش ممّن ظل في البلاد. وهنا يُسجّل البكر موقفاً، من فصل آخر، نستذكره هنا، لأنّ كثيرين حاولوا أن يتناسوه بأنّ الذين مكثوا في البلاد احتملوا من ظلم النظام الكثير. يتفقّد البكر حلب، ما الذي بقي، وما الذي محي، وما الذي لا بدّ من قوله، وما الذي لا بد ّمن الصمت عنه.
يزور البكر القنيطرة ويستذكر مسرحية سعد الله ونوس: "حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" وقصة ممدوح عدوان "الأبتر" لكن قصيدة نزار قباني "من شرم الشيخ إلى سعسع" كانت تصدح فيه. وأنا أتابع القراءة في كتاب البكر، كنت متشوقاً إلى قدومه إلى طرطوس واللاذقية لربما نلتقي على شطّ البحر المتوسط! لكن البكر يستنكف عن الزيارة بسبب الأحداث الدامية في آذار، فشعرت بالأسف. 
تتعدّد فصول الكتاب، فمن العائلة التي لم ترَ أبناءها منذ 45 سنة، إلى الأصدقاء الذين تركهم في دمشق وعندما رجع كان الموت قد غيبهم والهجرة قد أبعدتهم، إلى نساء المدينة المنسحبات إلى داخلهن واللاتي عرف فيهن الانطلاق والتعبير عن جمالهن في سبعينيات القرن الماضي، فما الذي حدث؟ وعن الشوارع في دمشق المظلمة والمليئة بالحفر، وعنه أولاً وأخيراً. 
يغادر الكاتب بلده في صبيحة أول أيام العيد الكبير، فيسأله الموظف الذي يمهر الجوازات بالختم: "لماذا تتركنا في نهار العيد. هل أنت زعلان من أحد؟ مازحته: من الجميع".                                                                                                    

بينما أقرأه للمرّة الثانية، صادف ذلك حفل توقيع للكتاب في دمشق في مقهى الروضة في ديسمبر/ كانون الأول 2025، لذلك أقول: يلتقط البكر نبض الأمكنة والأزمنة في سورية، ولا يصرّح، يترك للقارئ مسألة التأويل والتفسير في كتابه: "سوريا رحلة إلى الزمن الضائع" والسبب في ذلك، لأنّ لكلّ سوري زمناً ضائعاً بعيداً عن إيثاكا/ سورية، أكان من الذين بقوا في البلاد أم هاجروا.

المساهمون