بعد القتال في حلب وقبله

13 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:30 (توقيت القدس)
مدنيون يغادرون حي الأشرفية في حلب بعد مواجهات بين "قسد" والجيش (7/1/2025 فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه سوريا تحديات كبيرة بسبب إرث الفساد والاستبداد، مما أدى إلى توترات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تستغل الدعم الخارجي لفرض قوتها.
- يجب على الدولة السورية احتكار استخدام العنف ضمن إطار القانون، وبناء الثقة مع المواطنين من خلال محاكمات شفافة وتوفير العدالة الاجتماعية.
- تتطلب الحلول سياسات شجاعة لتحقيق شراكة وطنية حقيقية، مع الاعتراف ببعض النجاحات في إدارة الأزمة مع قسد، ولكن هناك حاجة لسياسات عملية في قضايا أخرى مثل ملف الدروز والساحل.

أيّاً كان تقييم النتائج التي انتهت إليها جولة الاقتتال المؤسف بين الدولة السورية (هذه التسمية الأصح) وعناصر مسلّحة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فإن أسباب ما جرى لا تخرُج عن إرثٍ شديد الصعوبة تسلّمته السلطة الراهنة في دمشق من نظام الفساد والاستبداد الساقط. غير أن هذا الأمر لا يعني شيئاً أمام وجوب أن تُعالِج هذه السلطة، ما دامت في موقع المسؤولية والقرار، هذا الحال، وجود تمرّد على الدولة تمثّله قوة مسلّحة، تأخذ طابعاً قومياً (أكراد)، وتدير مناطق غير قليلة من الجغرافيا السورية. ولأن الحكم في ظلال الرئيس أحمد الشرع مضى، منذ شهور، وبإسنادٍ أميركيٍّ، إلى تسوياتٍ وتفاهماتٍ مع هذا التكوين المليشياوي، والذي يناور ويصعّد بين وقتٍ وآخر، ويتعمّد إحداث توتّراتٍ أمنيةٍ في مدنٍ وبلداتٍ سورية، وتتسبّب في ترويع مدنيين آمنين، فإن الظاهر أن هذا المسار لا يكفي، طالما أن هذه القوة تصرّ على التطاول على الدولة واستضعافها، وافتراض قلّة حيلتها، وتستقوي في هذا كله وغيره بما تظنّه دعماً خارجياً لها. وبذلك يصبح من واجبات الدولة (أياً كانت وجهات نظرنا في أدائها العام) ومن مسؤولياتها أن تنهي هذا الحال، أو هذه الظاهرة، بكل السبل والوسائل الممكنة، مع تغليب السياسة والعقلانية والحوار عندما ينفع تغليبهما. ولذلك لا يجوز افتراض العلاج العسكري والأمني محرّما، أو مسلكاً يشذّ عن طبائع الدول والحكومات.
ليس الوقت للعِظات والدروس، وفي ظن صاحب هذه السطور أن السوريين شبعوا منهما. ومع كل الاحترام لأي اجتهادٍ أو منظورٍ يصدر عن حرصٍ على سورية وناسها، أول أولويات الدولة السورية الناشئة (للمرّة الألف، أيا كانت المؤاخذات على الحكم الراهن في هذه الدولة) أن تُنهي كل شذوذ عسكري وأمني وسيادي. ومع التبنّي المطلق لما قيل ويُقال، في كلاسيكياتٍ معلومة، إن الدولة وحدها التي تحتكر العنف، فإن هذا محكومٌ، بداهةً، بأطر القانون والمؤسّسية، وقبلها بالثقة التي لا بد منها من المواطن تجاه دولته. والحادثُ في سورية، مهما قيل عن التعقيد فيه، وعن اشتباك القضايا المركّبة بصدده، فإن الأساسيّ لا يحسُن أن يغيب عن أي ناظر. ولنا هنا أن نجتهد ونقول إن العنف العاري عندما ترتكبُه جهةٌ متمرّدةٌ يستولد عنفاً قاسياً وشديداً من السلطة، سيكون موضع إدانةٍ لا شك، إذا ما تجاوز خطوط القانون ونقاط التماسّ الاجتماعية والسياسية. وفي هذا السياق، لا بأس من تذكيرٍ، في حاشيةٍ هنا، إن جرائم القتل بفظاعاتها في مدنيين آمنين أبرياء، تجاوزوا 1400 سوري، في مدنٍ وبلداتٍ في الساحل السوري في مارس/ آذار الماضي، اقترفها من يستحقّون أشدّ القصاص بعد محاكماتٍ شفّافة، وهم المحسوبون على السلطة، قد ارتُكبت بعد أن أمكن لفلولٍ من النظام الساقط قتل نحو أربعمائة عسكري من قوات الدولة. ولهذا كله، وغيره، يحتاج الخروج من الإقامة في دوّامة العنف التي تستولدها منظوماتٌ متمرّدة، وتغذّيها سياساتٌ مرتجلةٌ، ذات سمْتٍ طائفيٍّ أو فئوي، إلى توازٍ بين العنف واحداً من أدواتٍ لازمةٍ وسياساتٍ تنهض على وجوب توفير كل شروط المواطنة الحقّة والشراكة الكاملة في بناء الدولة نفسها والعدالة الاجتماعية بمختلف مستوياتها.
مؤكّدٌ أن الكلام سهلٌ، وأن الحكم صعب، وأن للميدان تفاصيلَُه التي قد تعصى على التفكيك بيُسر. ومؤكّدٌ أن الكلام أعلاه مدرسيٌّ في بعض نواح فيه، غير أننا، نحن المعلقين، لا نملك غيره، والذي ينكتب هنا، في الأول والأخير، يشدّد على المعلوم البديهيّ، ثم لا يحتكر وسيلةً دون غيرها للوصول إلى التعافي المشتهى في سورية، على الصعيد الأمني، وهذا اختصاص مهنيين، يعرفون كيف تؤدّي الجيوش وأجهزة البوليس واجباتها. وفي المستوى السياسي، لكل موقفٍ تقديرُه الخاص. وإذا كان شيءٌ من الثناء على السلطة في سورية مستحقّاً في إدارتها، سياسياً وأمنياً، الأزمة الطويلة مع قوات سوريا الديمقراطية، فإن أخطاءها بشأن السوريين الدروز تتوازى مع أخطاء (وخطايا) آخرين هناك. وبشأن ملفّ الساحل، أو بالأحرى ملف ما يمكن تسميتها مسألة علوية في البلاد، فالعلاجاتُ المنظورة لا تبدو مقنعةً تماماً، ولا وجيهة، فثمّة كثيرٌ مما يحسُن قوله والتشديد عليه، أوله وآخره وجوبُ سياسةٍ عمليةٍ وفعليةٍ شجاعةٍ ومقدامةٍ في اتجاه شراكةٍ وطنية حقيقية، غير منشدّة إلى مواريث وافتراضاتٍ مسبقة. ... أما إسرائيل، فقضيةٌ شرحها يطول.

المساهمون