تفكيك الإبادة القانونية واستعادة العدالة

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:03 (توقيت القدس)
مبنى المحكمة الدستورية العليا في سورية بدمشق (19/6/2025 عبد الله السعد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد، تواجه سوريا تحديًا في تفكيك الإرث القانوني الذي استخدمه النظام لإقصاء الخصوم وإلغاء الفعل السياسي، حيث تم تصميم منظومة قانونية لإبادة الهوية السياسية وتحويل القضاء إلى أداة إقصاء.
- اعتمد النظام على محاكم استثنائية وقوانين مثل القانون 49 لعام 1980 لتجريم الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، مما أفرغ العدالة من معناها وحوّل القانون إلى آلية نفي.
- منح النظام حصانة مطلقة لأجهزة القمع، مما حوّلها إلى سلطات فوق القانون، ويتطلب الوضع الحالي مراجعة النصوص وإعادة بناء القانون كضمانة للحق.

بعد مرور عام على إسقاط أعتى الأنظمة الإجرامية في العالم، تقف سورية اليوم أمام تحدٍّ مصيري: قدرتها على تفكيك الإرث الذي خلّفه نظام الأسد في بنية الدولة، وفي مقدّمتها القانون، فالقمع في عهد البعث والأسد لم يكن مجرّد ممارسة أمنية عابرة، بل تأسّس على منظومة قانونية صُمّمت خصيصاً لإقصاء الخصوم لا لمحاكمتهم، ولمحو الفعل السياسي لا لتنظيمه. لم تكن هذه المنظومة انحرافاً عن القانون، بل تجسيداً لوظيفته كما أرادها نظام الأسد أداة لإلغاء الوجود السياسي لا لضبطه أو تنظيمه.
لذلك، ولكي نفهم كيف تحوّل القانون في سورية أداة إبادة سياسية، لا يكفي اليوم أن نرفع شعار العدالة، بل يجب أن يُعاد النظر في المنظومة القانونية نفسها: في نصوصها، ومؤسّساتها، ووظيفتها الرمزية وتحليل مكوناتها الرئيسية، فالإبادة القانونية التي مورست لعقود لا تُمحى بتغيير الوجوه، بل بتفكيك البنية التي جرّمت الهوية، وحوّلت القضاء إلى طقس إلغائي وحصنت الجلاد من أية مساءلة. وشرعنت الإقصاء السياسي.

اعتمد نظام الأسد المخلوع على محاكم استثنائية، كمحكمة أمن الدولة العليا ومحاكم الميدان العسكرية، التي كانت تُصدر أحكاماً مبرمة في دقائق

أحد أبرز تجليات هذا الإرث كان القانون 49 لعام 1980، الذي مثّل لحظة مفصلية في تحويل القانون إلى أداة إبادة مؤسّسية. فقد نصّت مادته الأولى على اعتبار كل منتسب إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين مجرمًا يُعاقب بالإعدام، من دون الحاجة لإثبات فعل جنائي محدد. بهذا، تحوّل القانون من أداة ردع إلى وسيلة محو، ومن تنظيم الفعل إلى إلغاء الفاعل.
هذا ما يُسمّى "تجريم الهوية": حين يُعاقب الفرد لا لأنه ارتكب فعلًا، بل لأنه ينتمي إلى جماعة أو يحمل فكرة تعتبرها السلطة تهديدا. الهوية نفسها تصبح جريمة، والانتماء يتحوّل إلى خطر وجودي، ويُعامل القانون أداة لإلغاء الوجود لا لضبط السلوك. إنها مفارقة أخلاقية وقانونية تُفرغ العدالة من معناها، وتُحوّل القانون آلية نفي.
وإلى جانب ذلك، اعتمد نظام الأسد المخلوع على محاكم استثنائية، كمحكمة أمن الدولة العليا ومحاكم الميدان العسكرية، التي كانت تُصدر أحكاماً مبرمة في دقائق، من دون دفاع أو مراجعة، وتُصدّق أحكام الإعدام فيها من رئيس الجمهورية نفسه. 
وحين نُمعن النظر في بنية هذه المحاكم، نجد أنها لا تُشبه فقط محاكم الطوارئ المعاصرة، بل تتقاطع بنيوياً مع محاكم التفتيش الإسبانية في القرن الخامس عشر. فكما كانت تلك المحاكم تُدين الناس على معتقداتهم وهوياتهم، لا على أفعالهم، وتُصدر أحكامًا قاسية دون دفاع فعلي، مارست المحاكم السورية وظيفة مشابهة تحولت فيها المحاكمة إلى طقس إقصائي لتثبيتٌ السلطة، وتطهيرٌ رمزي للفضاء السياسي. القاضي فيها لا يُمارس العدالة، بل يُعيد إنتاج الإقصاء، ويُضفي شرعية شكلية على العنف. إنها محاكم تُدين لا لتُفكّر، وتُصفّي لا لتُراجع، وتُكرّس الخوف بدلًا من القانون.
ومن أبرز أدوات الإبادة القانونية وأخطرها، الحصانة التي منحها النظام المخلوع لأجهزة القمع لم تقتصر الإبادة القانونية على تجريم الهوية وتسليح القضاء، بل امتدت لتُحصّن أدوات القمع نفسها من أي مساءلة. فالقانون رقم 14 لعام 1969 منح أجهزة المخابرات السورية حصانة مطلقة من أي مساءلة قانونية، حوّلها من مؤسسات تنفيذية إلى سلطات فوق القانون. هذه الحصانة لم تكن حماية وظيفية، بل ترخيص بالعنف، يُجرّد الضحية من حق الاعتراض، ويُحصّن الجلاد من أي محاسبة. وهو ما يشبه قوانين الحصانة في تشيلي والأرجنتين التي أُلغيت لاحقاً في إطار العدالة الانتقالية.
ثم جاء المرسوم رقم 55 لعام 2011 ليضيف حلقة جديدة إلى هذا الإرث، حين منح أجهزة الأمن صلاحية التوقيف حتى ستين يوماً دون إلزامها بتسليم الموقوف للقضاء أو الإفراج عنه بعد انقضاء المدة. بهذا، تحوّل التوقيف من إجراء احترازي إلى أداة اختفاء قانوني، تُمارس فيه السلطة الأمنية دور القاضي والسجّان في آن واحد، دون أي ضمانات أو رقابة قضائية. 
في ضوء هذه التشريعات، لم يكن القانون في سورية أداة لضبط الفعل السياسي، بل وسيلة لإبادة الخصم سياسياً، وتجريده من شرعية الوجود، وتحويل السياسة إلى خطر يُعاقب عليه لا يُمارس. لم يكن الهدف تنظيم المجال العام، بل إفراغه من أي صوت مخالف، وتحويل المواطنة إلى عبء، والانتماء إلى جريمة، والمطالبة بالحقوق إلى تهديد وجودي.

لا يكفي أن تُرفع شعارات العدالة، بل يجب أن تُراجع النصوص، وتُساءل المؤسسات، ويُعاد بناء القانون بوصفه ضمانة للحق لا أداة للوصاية

بهذا، تحوّل القانون من ضمانة للحقوق إلى أداة للوصاية، ومن تعبير عن العقد الاجتماعي إلى وسيلة لإلغائه، ومن حماية للضعيف إلى ترخيص للقوي. إنه قانون لا يُنظّم السلطة، بل يُشرعن الإفلات منها، ويُحوّل النصوص إلى أدوات نفي رمزي ومادي.
لم يطو سقوط نظام الأسد الإجرامي صفحة الإبادة القانونية، بل فتح باباً على سؤال أكبر: هل تستطيع السلطة الجديدة تفكيك إرث ستة عقود من القمع؟ فالقانون الذي شُرعن به الإقصاء، وحُصّنت به الأجهزة الأمنية، وسُلّح به القضاء، لا يُمكن أن يُستعاد بوصفه أداة عدالة ما لم يُعَد تعريفه من جذوره. ليست الإبادة القانونية مجرّد انحراف تشريعي، بل منظومة متكاملة تُعيد إنتاج النفي تحت غطاء الشرعية، وتُحوّل المواطنة إلى عبء، والانتماء إلى جريمة، والمطالبة بالحق إلى تهديد وجودي.
اليوم، لا يكفي أن تُرفع شعارات العدالة، بل يجب أن تُراجع النصوص، وتُساءل المؤسسات، ويُعاد بناء القانون بوصفه ضمانة للحق لا أداة للوصاية. يجب أن يُحرّر من وظيفته الإقصائية، ويُعاد إليه معناه الإنساني: حماية الضعيف، ومساءلة القوي، وضمان الحق في الوجود، لا في الاختفاء.
استعادة القانون ليست مسألة تقنية، بل فعل أخلاقي وسياسي، يُعيد الاعتبار للمواطنة حقّاً وجودياً لا كجريمة مؤسسية. وعلى السلطة الجديدة أن تُثبت أنها لا تكتفي بتغيير الوجوه، بل تُعيد بناء المعنى، وتُحوّل القانون من أداة محو إلى فضاء اعتراف، ومن طقس إقصائي إلى وعد بالعدالة.

المساهمون