توضيح سياسة إسرائيل واستراتيجياتها: تطهير عرقي وتوسع استيطاني

27 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 14:15 (توقيت القدس)
بن غفير برفقة نتنياهو خلال إحدى جلسات الكنيست، القدس 2026/7/16 (إيليا يفيموفيتش/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تحولات السياسة الإسرائيلية تجاه فلسطين: بعد أحداث أكتوبر 2023، انتقلت إسرائيل من سياسة "الاحتواء" إلى استراتيجية جديدة تهدف إلى تغيير الواقع الجيوسياسي في فلسطين، بفصل غزة عن الضفة الغربية وفرض سيطرة أمنية كاملة على غزة.

- الاستراتيجية الإقليمية لإسرائيل: تركز على تقليص النفوذ الإيراني عبر القوة العسكرية والتحالفات، خاصة مع دول الخليج، وتوسيع اتفاقيات أبراهام لتعزيز تحالف إقليمي ضد إيران.

- التأثيرات الدولية والداخلية: تعزز إسرائيل تحالفها مع الولايات المتحدة لمواجهة الضغوط الدولية، وتزيد ميزانية الدفاع والنشاط الاستيطاني، مع تحديات داخلية مثل المساواة في الخدمة العسكرية.

شهدت سياسة إسرائيل واستراتيجياتها تجاه فلسطين خصوصاً والمنطقة عموماً، تحولاً جذرياً وإعادة تعريف شاملة، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما رشح عن هذا الحدث من دلالات سياسية وتداعيات ميدانية. ومن أبرزها انهيار نموذج "الاحتواء" و"إدارة الصراع" الّذي ميز العقود الماضية، والّذي تبناه بنيامين نتنياهو وحكوماته المتعاقبة، وأسلوبه في تأجيل الحلول، أو قبول حلول مؤقتة غير متكاملة، وحلّت محله عقيدة أمنية وسياسية فعّالة تقوم على إعادة تشكيل الفضاء الجيوسياسي داخلياً في إسرائيل، وإقليمياً في منطقة الشرق الأوسط.

يمكن النظر إلى سياسة إسرائيل بواسطة تقسيم استراتيجيتها الحالية إلى ثلاثة ركائز رئيسية:

الركيزة الأولى: الساحة الفلسطينية

تتمحور استراتيجية إسرائيل على الساحة الفلسطينية حول عملية الانتقال من إدارة الصراع الّتي كانت تميز نتنياهو وحكوماته المتعاقبة إلى الحل والتغيير الهيكلي والبنيوي. فبدلاً من محاولة الحفاظ على الوضع الراهن والتعامل معه بإدارة تطيل أمده، تعمل إسرائيل على تغيير الواقع على الأرض تغييراً جذرياً، مع فصل واضح بين ساحتي قطاع غزّة والضفّة الغربية، وفقا للمنظور التالي:

من بين التحديات الّتي تقف أمام المجتمع الإسرائيلي ككل معالجة مسألة المساواة في أعباء الخدمة في المجتمع الإسرائيلي، وذلك للحفاظ على جيش كبير على المدى الطويل

قطاع غزّة - عقيدة "العمق الأمني" والمناطق العازلة ذات الكثافة العالية لجعل الحياة مستحيلة

بعد الحرب الطويلة الّتي خاضتها إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، تحت عنوان النصر المطلق وتصفية القضية الفلسطينية في مختبر قطاع غزّة، انتقلت إسرائيل إلى تبنّي سياسة السيطرة الأمنية المباشرة والكاملة. وتستند هذه الاستراتيجية إلى إنشاء مناطق أمنية وأحزمة مادية (مناطق عازلة أشير إليها باللون الأصفر من خلال نشر كتل خرسانية ملونة بالأصفر) داخل قطاع غزّة، لمنع حركة حماس من إعادة ترسيخ وجودها وبناء قدراتها من جديد. إلى جانب إصرار الحكومة الإسرائيلية على التسريح العسكري الكامل لفصائل ووحدات حركة حماس (أي حل هذه الوحدات وتسليم أسلحتها)، شرطًا لأي تسوية مدنية أو إعادة إعمار مستقبلية. ومن هذه الرؤية فإنّ إسرائيل ترفض الاعتماد على قوات دولية سواء كانت تابعة للأمم المتّحدة أو أي جهات دولية أخرى؛ أي قوات فصل كما هو الحال على الجبهة بين إسرائيل والجولان منذ عام 1974، وعلى نهج اليونيفيل في الجنوب اللبناني. وترفض إسرائيل أيضا قبول ضمانات خارجية، وتفضل حرية العمليات الكاملة أمنياً وعسكرياً في الميدان، من دون أي أداة رقابة دولية. والاستمرار في دفع الفلسطينيين إلى النزوح إلى مناطق كثيفة جداً بشرياً وعدم إتاحة العودة، حتّى إلى ركام المباني. وبالتالي خلق واقع لا رجعة منه، ألا وهو طرحٌ مجددٌ لفكرة التهجير الطوعي أو قبولٌ بالاتّفاق على الرحيل عن قطاع غزّة.

تطهير عرقي خفي في مخيمات شمالي الضفّة الغربية وتوسيع الاستيطان علناً

أما في الضفّة الغربية فتعمل إسرائيل على تسريع تغيير النظام، أي العمل على تصفية وجود السلطة الوطنية الفلسطينية، والسعي سريعاً إلى الضمّ الإداري. ولتوضيح هذه الركيزة فإنّ السياسة الإسرائيلية (الّتي أُعيد تفعيلها في قرارات مجلس الوزراء في الآونة الأخيرة) تركّز على تغيير هيكل الضفّة القانوني والإداري. ومن أبرز الأدوات الّتي تشمل هذه الاستراتيجية ما يلي:

●    نقل الصلاحيات المدنية لإدارة المستوطنات من الإدارة المدنية العسكرية إلى الهيئات الحكومية. وبالتالي؛ تتولى الحكومة الإسرائيلية مسؤولياتها الإدارية رسمياً. وندرك من هنا أن هذا ضمٌّ للضفّة الغربية من دون تسميته علنًا بمسمى الـ"ضمّ". ونذهب إلى أبعد من هذا بقولنا إنّ إسرائيل تسعى إلى تنفيذ مشروعها بإقامة دولة واحدة في فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، لكن بلون واحد فيه هيمنة يهودية ووجود عربي فلسطيني خاضع لقوالب استعمارية.

●    تسهيل كبير في عمليات الاستيلاء على الأراضي، بما فيها أراضٍ مصنفة أو معروفة بكونها أراضي دولة وأراضي بملكية خاصّة. والهدف هنا هو شرعنة عملية توسيع المستوطنات. وهذا في واقع الحال استيلاء تحت غطاء الجيش الإسرائيلي الّذي يوفر الحماية للمستوطنين في الاعتداءات اليومية على الفلسطينيين وطردهم – أي طرد الفلسطينيين – من أراضيهم، ومنعهم من ممارسة عملهم بزراعة ورعاية حقولهم وأراضيهم. وأيضاً تحت غطاء قانوني شرعي تعتقد إسرائيل أنه يوفر لها حماية قانونية وغطاءً دولياً. وطبعاً هذه أوهام تسوقها حكومات إسرائيل محاوِلةً إقناع جمهورها والعالم أنها لا تقدم على فعل أي شيء إلا وفقاً للأسس القانونية.

●    تكثيف عمليات إنفاذ القانون الإسرائيلي، مثل إعلان الحكومة عن ضمها عشرات المواقع الأثرية والطبيعية تحت إشراف سلطتي الآثار والحماية الطبيعية الإسرائيليتين. وبالتالي نزع هذا الحقّ من أيدي السلطة الفلسطينية بموجب اتّفاقيات أوسلو وما تلاها من تفاهمات بين الطرفين.  كما وتقوم سلطات الاحتلال بهدم الإنشاءات الفلسطينية في المناطق الحساسة بذريعة عدم الترخيص من قبل سلطات الاحتلال.

●    العمل المستمر، وعلى مدار سنوات طويلة، لإضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً، مع خلق واقع تُعامل فيه الأراضي عملياً بكونه جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، ولا دخل للسلطة في إدارتها أو الإشراف على تصريف شؤونها.

الركيزة الثانية: الساحة الإقليمية

تتراوح استراتيجية إسرائيل الإقليمية بين استخدام القوّة العسكرية المباشرة، ومحاولات بناء تحالفات استراتيجية، بهدف تقليص مساحة وحجم الدور الإيراني، ورسم حدود جديدة للمدى الردعي الإسرائيلي. ولهذا تعمل إسرائيل على تصفية قيادات الصفوف الأولى في إيران وحزب الله، بمباركة الإدارة الأميركية ومشاركتها في عهد الرئيس دونالد ترامب علناً. ما تسعى إليه إسرائيل في الجزئية الإيرانية من الناحية العملية هو تدمير قدرات إيران النووية والبالستية، مستخدمة أسلوب هدم المواقع العسكرية والمدنية المستمر، مثل منصات إطلاق الصواريخ، ومراكز التخصيب النووي، والجسور ومحطات توليد الكهرباء، والمنشآت الخدمية؛ الموانئ وحتى المدارس والمستشفيات وغيرها. والهدف هنا هو تدمير كل مقومات الحياة بغية الوصول إلى استسلام إيراني سريع.

وترفض إسرائيل أيضا قبول ضمانات خارجية، وتفضل حرية العمليات الكاملة أمنياً وعسكرياً في الميدان، من دون أي أداة رقابة دولية

وتسير الحكومة الإسرائيلية في طريقها نحو قطع رأس الأخطبوط؛ أي المواجهة المباشرة مع إيران، حيث تحولت الاستراتيجية الإسرائيلية من "حرب بين الحروب" إلى مواجهة مباشرة وعلنية مع طهران وبرنامجها النووي، بهدف تقويض شبكتها الإقليمية، وقطع الطريق على التحالف الإقليمي بين إيران ووكلائها.

وبناء عليه؛ تبنّت إسرائيل مبدأ الدفاع المتقدم؛ ومفهومه هو دفع التهديدات إلى ما وراء حدودها. أي نقل الأزمات إلى أراضي العدو في لبنان وسورية. تهدف هذه السياسة إلى خلق واقع يجري فيه تجريد المنطقة القريبة من الحدود تماماً من البنية التحتية العسكرية (لحزب الله والميليشيات الموالية لإيران)، مع الحفاظ على حرية العمليات الجوية والبرية الإسرائيلية لقطع خطوط الإمداد. وهنا أخضعت إسرائيل لبنان إلى مبدأ وقاعدة التدمير؛ المحو الكلي للمناطق السكنية الشيعية في الجنوب اللبناني خصوصاً، والضاحية الجنوبية ببيروت، جزءًا من عمليات العقاب الّتي تعتقد أنها ستحرك الشارع اللبناني ضدّ حزب الله، وستثير نعرات طائفية هناك. لقد لجأت، ولا تزال، إلى تبني نموذج رفح، وهو محو كامل وتفجير محكم للمباني السكنية باعتبارها تابعة لحزب الله، كما هو الحال في قطاع غزّة، باعتبار المباني السكنية والخدمية جزءاً من منظومة حماس.

وفي هذا السياق، فإن إسرائيل تعمل سياسياً على الحفاظ على اتّفاقيات أبراهام وتوسيعها، من أجل بناء كتلة إقليمية مناهضة لإيران، وذلك من خلال التعاون بينها وبين دول الخليج على قاعدة أن إيران مصدر الإرهاب في المنطقة، ودول الخليج هدفٌ لها، علماً أن إيران قد وُفِّقَت إلى الآن مع معظم دول الخليج في توضيح سياستها في الرد على القصف الأميركي بقصف منشآت وقواعد عسكرية أميركية وليست مدنية أو عسكرية تابعة لدول خليجية.

ويجب أن نؤكد هنا أن الطموح الأميركي في الأساس هو دمج إسرائيل في منظومة إقليمية واسعة للدفاع الجوي والاستخبارات، وبالتالي إحكام الهيمنة على المنطقة. ومن ثمّ تحقيق التطبيع الّذي ترجوه إسرائيل في المنطقة.

الركيزة الثالثة: الساحة الدولية والقدرة الوطنية على الصمود

تؤثر الاستراتيجيات السياسية مباشرةّ على مكانة إسرائيل الدولية وسياستها الداخلية، وتعكسها:

التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتّحدة في مقابل العزلة الدولية، إذ تعمل إسرائيل على تعزيز علاقاتها الأمنية مع واشنطن (بما في ذلك التطلع إلى تحقيق تحالف دفاعي رسمي)، على أنه ثقل موازن للضغوط القانونية والدبلوماسية المتزايدة من المؤسسات الدولية (مثل محكمة العدل الدولية في لاهاي ومؤسسات دولية أخرى)، والدول الأوروبية بشأن زيادة وتوسيع دعم القضية الفلسطينية.

أما على الصعيد الداخلي، فتعمل على تغيير أولوياتها، إذ تتطلب العقيدة الأمنية الجديدة زيادة كبيرة ودائمة في ميزانية الدفاع، وإعادة تأهيل المستوطنات غير الشرعية من خلال توسيع وتكثيف النشاط الاستيطاني في الضفّة الغربية، والدعوة حاليا إلى الزحف الاستيطاني من جديد نحو قطاع غزّة وجنوب لبنان وسورية، إلى جانب عمليات هدم منازل واسعة في النقب بذريعة البناء غير المرخص وطرد السكان العرب البدو. كما أن من بين التحديات الّتي تقف أمام المجتمع الإسرائيلي ككل معالجة مسألة المساواة في أعباء الخدمة في المجتمع الإسرائيلي، وذلك للحفاظ على جيش كبير على المدى الطويل، وهذا ما لم تنجح فيه الحكومة الحالية بسبب تهديدات الأحزاب المتدينة الّتي ترفض الخدمة مبدئياً بكون الشاب المتدين ملتزم بعقيدته الّتي تساوي خدمة الدولة. ولهذا حققت الأحزاب المتدينة نجاحاً في تمرير سلسلة من القوانين، تضمن عدم إجبار شبابها على الخدمة العسكرية. لهذا، فإن الجيش الإسرائيلي في أزمة قوى بشرية، وإن لم تتوفر الحلول فإنها ستؤثر مستقبلاً في مبنى الجيش وقدراته الميدانية.

في الختام، نستطيع القول إنّه لم تعد تسعى السياسة الإسرائيلية الحالية إلى حلول دبلوماسية قائمة على التنازلات الإقليمية أو حتّى نموذج "حلّ الدولتين"، بل تركز الاستراتيجية الحالية على فرض الواقع الأمني أحادياً من خلال التفوق العسكري، وفرض سيطرة هيكلية على الأراضي، وإنشاء مناطق عازلة مادية لضمان استمراريتها في بيئة إقليمية معادية، مستخدمة أداة الدمار الشامل لعدم عودة شرائح من السكان، وبالتالي تفريغ مناطق واسعة في لبنان مثلاً تصل إلى أكثر من 1000 كم مربع. بمعنى آخر، تسعى إسرائيل إلى إخلاء مناطق في لبنان، كما فعلت وتفعل في قطاع غزّة، والعمل على منع عودة سكانها، لتتحول المناطق إلى أحزمة أمنية خالية من السكان، وتوفر الأمن لسكان شمالي إسرائيل مع لبنان ولسكان جنوبها مع قطاع غزّة.