استمع إلى الملخص
- رغم التحديات، نجحت هذه المنظمات في بناء علاقات استراتيجية داخل المؤسسات الأميركية، مما منحها القدرة على التأثير في السياسة الأميركية تجاه سوريا، لكن دورها تراجع مع بدء التواصل المباشر بين دمشق وواشنطن.
- تتغير أولويات المنظمات السورية الأميركية مع اقتراب سوريا من مرحلة جديدة، لتشمل بناء الجسور بين المؤسسات السورية والأميركية، وجذب الاستثمارات، وتحريك شبكات السوريين في الولايات المتحدة لدعم إعادة الإعمار.
على امتداد أكثر من عقد، شكّلت المنظمات السورية – الأميركية خط الدفاع السياسي والأخلاقي عن القضية السورية داخل العاصمة واشنطن. كانت تلك المنظمات، بمختلف توجهاتها وخلفيات أعضائها، بمثابة القلب النابض الذي أبقى الملف السوري حاضراً في مؤسسات صنع القرار الأميركية، وفي الكونغرس تحديداً، حين كاد العالم ينصرف عن المأساة السورية تحت وقع التحولات الدولية والإقليمية. فبينما كانت دول عديدة تعيد فتح خطوطها مع النظام السابق، كان السوريون الأميركيون يطرقون أبواب المكاتب التشريعية والدوائر المختصة من دون كلل، لشرح الجرائم والانتهاكات، والدفع نحو تشريعات تُحمّل المسؤولية لمرتكبيها.
لقانون قيصر، أحد أبرز قوانين العقوبات على النظام السوري السابق، قصة طويلة من الجهد والتراكم. صحيح أنّه قانون أميركي من حيث الصياغة والإقرار، لكنه وُلد من رحم العمل الدؤوب لسوريين أميركيين آمنوا بأن مساءلة الجناة واجب أخلاقي قبل أن يكون مهمة سياسية. ومع كل حملة ضغط أو جلسة استماع أو ورقة سياسات، كانت هذه المنظمات تنجح في منع سقوط القضية من الذاكرة الدولية. ورغم المنافسات الداخلية التي طبعت العلاقة بين بعضها، فإن تلك المنافسات ظلّت صحية طالما كان جوهرها العمل، والبحث عن طرق أكثر فاعلية للتأثير.
ومثل أي عمل عام، كان هناك من يسعى إلى الظهور أو يبالغ في تقدير دوره، لكن ذلك يبقى تفصيلاً صغيراً أمام الجهود الكبيرة التي بذلها معظم الناشطين والعاملين في هذا الحقل. هؤلاء الأشخاص، في غالبيتهم، ضحّوا بوقتهم واستقرارهم، واشتغلوا بصمت في كواليس السياسة الأميركية، واضعين نصب أعينهم خدمة بلدهم الأم ومساندة ضحاياه. وبعضهم استطاع بناء علاقات استراتيجية داخل مؤسسات حساسة، وهو ما منح المنظمات قدرةً على التأثير الفعلي وليس الرمزي فقط.
ومع التطورات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق، بدأ مشهد جديد يتشكّل في العلاقة بين دمشق وواشنطن. فمجرد بدء التواصل المباشر بين الإدارتين الأميركية والسورية برئاسة أحمد الشرع، وعودة قنوات الاتصال الدبلوماسية، جعل مسألة رفع العقوبات، بما فيها قانون قيصر، قضية وقت لا أكثر. كما دخلت عوامل إقليمية مؤثرة على الخط، إذ مارست السعودية وتركيا وقطر ضغوطاً واضحة من أجل تسريع رفع تلك العقوبات. وفي ظل هذه المعطيات، تراجع بطبيعة الحال الدور المباشر للمنظمات السورية الأميركية في ملف العقوبات تحديداً، لأن اللعبة انتقلت إلى مستوى حكومي – حكومي، وأصبحت ترتيبات رفع القيود الاقتصادية جزءاً من تفاهمات إقليمية ودولية واسعة.
غير أنّ هذا التحوّل لا يلغي قيمة ما أنجزته تلك المنظمات طوال السنوات الماضية، ولا يقلّل من دورها المستقبلي. فمع اقتراب سورية من مرحلة جديدة، تتجه فيها تدريجياً نحو الاستقرار وإعادة البناء، تتبدل المهام وتتغير الأولويات. ستنتقل هذه المنظمات من مرحلة الدفاع السياسي والحقوقي إلى مرحلة بناء الجسور: جسور بين المؤسسات السورية ونظيراتها الأميركية في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة، وجسور مع الشركات، والجامعات، ومراكز البحث، بما يخدم إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية. كما يتوقع أن تلعب دوراً مهماً في جذب الاستثمارات، وتحريك شبكات السوريين في الولايات المتحدة، وتحويل خبراتهم المتراكمة إلى رافعة للتنمية داخل سورية.
لم تكن المنظمات السورية الأميركية مجرّد مجموعات ضغط، بل كانت أشبه بجيش ناعم وأنيق في قلب واشنطن، جيش صنع فرقاً حقيقياً حين كان الصمت هو الخطر الأكبر. واليوم، وهي تدخل مرحلة جديدة، ما زال أمامها الكثير لتقدّمه لسورية وللجالية السورية في الولايات المتحدة، وربما يكون دورها القادم أكثر حساسية وأعمق أثراً من أي وقت مضى.