حاشية على متن سوري

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:36 (توقيت القدس)
الإعلام السوري (عماد حجاج)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أشار وزير الإعلام السوري إلى أن سوريا تتمتع بأعلى سقف للحرية الإعلامية في المنطقة، رغم نقص التنوع في وسائل الإعلام الذي يحد من المنافسة.
- تواجه سوريا تحديات في تحسين الأداء الإعلامي بسبب العقبات الاقتصادية والسياسية، مع وجود مساحة حرية لمناقشة القضايا السياسية مقارنة بدول عربية أخرى.
- تحتاج سوريا لتعزيز الإيجابية والتفاؤل، مع توازن بين حرية التعبير واحترام القانون، وتحسين الإعلام الحكومي بالتعاون بين الدولة والمجتمع.

صحيحٌ ما قاله وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، يوم الجمعة الماضي، إن سقف الحرّية (الإعلامية) في بلاده الأعلى في المنطقة. لسببيْن، أولهما إن ثمّة تراجعاتٍ كبرى في سقوف هذه الحرّيات في بلادٍ عربيةٍ باتت تشهد ما تجوز تسميتُها "ردّة إعلامية" عمّا بلغته في أجواء الربيع العربي قبل أزيد من عقد، فالماثلُ حاليّاً أن الممارسة الإعلامية في الصحافات المتنوّعة، الرسمية وغيرها، ومنها الإلكترونية، في الأردن ومصر وتونس والجزائر والسودان وغيرها، لم تعُد تُحرِز الحيّز الذي كانت عليه، نسبيّاً، من الحرّيات اللازمة للتعبير وللعمل المهني نفسه. وربما يكون المغرب، على ما يمكن تسجيلُها من ملاحظاتٍ فيه، البلد العربي الذي يُحافَظ فيه على منسوبٍ أعلى من هذه الحرّيات. السبب الآخر، أن سورية لا تعرف، في ظرْفها الانتقالي الراهن، سعةً في تلفزاتٍ وصحفٍ ومنصّاتٍ إلكترونية، لتتنوّع أجناس المنافسة على تقديم الخدمات الإخبارية ووجهات النظر والتحليلات والتحقيقات. والمأمول، أو المتوقّع على الأصحّ، أن يستجدّ في سورية لاحقاً مشهدٌ كهذا، بدخول رساميل وطنية وعربية إليها، بهدف إنشاء بِنياتٍ ومؤسّساتٍ إعلاميةٍ متنوّعة المشاغل، لن تنجح إلا إذا تنافست على تقديم الأصدق والأكثر مهنيّة، والحقيقي والثقافي والغنيّ والمتعدّد والحر. والبديهيُّ أن هذا كله يحتاج بيئاتٍ سياسيةً وقانونيةً ومؤسّساتيةً واقتصاديةً، تتّصف بالشفافية والمرونة والحوكمة والرشد. 
ثمّة جبالٌ من المشكلات الثقيلة حالياً، على غير صعيد ومستوى، لا تجعل الأداء الإعلامي الراهن في سورية في المستوى المشتهى، مهنيّاً وتأثيراً، بالنظر إلى حاجةٍ ملحّةٍ لاستكمال شروط النهوض العام في البلد، بعد عقودٍ من وطأة القبضة الأمنية والدعائية ورهن المجال العام لسلطة الاستبداد والفساد. وبالنظر إلى ضعف الموارد والميزانيات، وحذر القطاع الخاص، وتفاصيل أخرى. غير أن التسليم بهذا كله (وغيره) لا ينفي أن هذا الأداء يتحرّك في مساحةٍ طيّبةٍ من الحرّية (أو التعدّدية  على الأصح؟)، في التداول في قضايا النقاش السياسي العام في البلد، وبمنسوبٍ أرفع مما يتوفر لزملاء المهنة في بلادٍ عربيةٍ مجاورة وغير مجاورة. وإذا رأى واحدُنا أجواء التشوّش والحدّة والاستقطاب والسخط والتتفيه والصراخ والتطاوس في ملاعب السوشيال ميديا جزءاً من المشهد الإعلامي السوري الراهن فهذا رأيُ ناقص الوجاهة، ذلك أن الجوهري في المسألة المطروحة هنا، وهي مسألة الإعلام مهنةً وممارسةً وبنياتٍ ومؤسّسات وتشريعات، لا يضم في تضاعيفه كلام فلانٍ عن علان، واستعراض هذا مهاراته في التشنيع على ذاك.
أبرز ما تحتاجه سورية أن يتعامل أهلوها، وأنصار ثورتها ومحبّوها، مع واقعها الراهن بمقادير من الإيجابية، بتفاؤلٍ، بتشجيع كل مبادرةٍ حسنة، بدفع كل خطوةٍ متقدّمةٍ إلى الأمام أكثر وأكثر، من دون التنازل عن الحاجة الواجبة إلى إعلاء قيمة النقد والمساءلة والمراقبة، وعن الانحياز المطلق لحق كل سوري في أن يشهر رأيه في أي شأن بكل حرية، تحت سقوف القانون (هل من قانون؟) الذي لا يجيز الحطّ من الناس والدعوات إلى العنصرية والتطاول على سيادة البلد، وغير ذلكم من بديهيّات. ... وليس من التكرار المملّ هنا التذكير بأن حالة الرضى العام بين السوريين على أداء السلطة واسع، وأن التفاؤل بينهم عالٍ، على ما كشفت، في أغسطس/ آب الماضي، نتائج استطلاع "المؤشّر العربي"، وكذا التذكير بأن سورية كانت في يوليو/ تموز الماضي أكثر بلدٍ عربي نُشرت عنه أخبار زائفة. وأن يقول الوزير حمزة المصطفى إن "الإعلام الحكومي يستحوذ 35% من اهتمامات الجمهور، ويتميّز بدقته وموثوقيته في نقل المعلومة" فهذا مما يحسُن النقاش فيه، بهدف تثمير الجيد والإيجابي والعمل على إزالة السلبي والمنقوص. ونظنّها مهمّة مشتركة الارتفاع بالإعلام الحكومي، بين مؤسّسات الدولة ووزاراتها من جهة وتمثيلات المجتمع ونخبه من جهة أخرى، لا بالنقد والانتقاد اللازميْن فقط، بل أيضاً بالشعور بأن المسؤولية واحدة على العموم في لحظة سورية شديدة الحساسية، ومثقلة بالصعوبات والضغوط، ولا أحد مطلقا يمتلك الترياق الوحيد، لكن السلطة هي التي تُمسك مقوَد القيادة، فتبقى مطالبةً بأن يتّسع مدى أنظار عيونها، فترى الجميع من كل الزوايا والأبعاد، ولا تكتفي برؤية نفسها في مراياها فقط.

المساهمون