رحلة بلا محاكمة... كيف نقل آلاف السوريين من سجون الحسكة إلى العراق
- التحديات القانونية: يثير نقل المحتجزين أسئلة حول مشروعية الإجراءات وحقوقهم الأساسية، خاصة مع وجود أحداث بين المحتجزين، مما يتطلب مراعاة اتفاقية حقوق الطفل.
- مطالب الأهالي: عائلات المحتجزين تطالب بالكشف عن أماكن أبنائهم وإعادتهم، مع تقديم مطالب لوزارة الخارجية السورية، وسط غياب خطوات تنفيذية واضحة.
رسالة من بغداد: "تفضل إلى مكتب الصليب الأحمر... لدينا رسالة من ابنك".
بهذه الكلمات بدأ اتصال هاتفي تلقاه أب سوري يقيم لاجئاً في دولة أوروبية، لم يكن يعلم أن ابنه لم يعد في أحد سجون محافظة الحسكة كما ظل يعتقد سنوات، بل أصبح خلف أسوار سجن الكرخ في بغداد.
سنشير إلى الأب باسم "منتصر" حفاظاً على خصوصية العائلة لكونها ما زالت تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).
يروي الأب أن ابنه اعتقل في 11 أيار/ مايو 2018 بعد مداهمة منزل العائلة من مسلحين ملثمين. ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلة طويلة من البحث، كانت جميع الجهات في القامشلي التي راجعتها الأسرة تنكر وجوده لديها، من دون أن تحصل على أي وثيقة توضح مكان احتجازه أو سبب اعتقاله. وبعد نحو تسعة أشهر، خرج أحد المفرج عنهم من أحد السجون في القامشلي، وأبلغ العائلة بأنه شاهد ابنها داخل المعتقل. ويقول الأب إن الأسرة أخبرت لاحقاً أن التهمة التي أبلغت بها شفهياً كانت أن ابنه "على تواصل مع فصائل الجيش السوري الحر العاملة في منطقة نبع السلام"، من دون أن تتبلغ أي قرار قضائي رسمي أو تتمكن من توكيل محام للدفاع عنه.
ورغم ذلك واصلت الأسرة زيارته مرّة كل شهر طوال سنوات احتجازه، قبل أن تنقطع الزيارات والأخبار تماماً مع التطورات العسكرية التي شهدتها المحافظة مطلع عام 2026. يقول الأب: "كنا ننتظر أن يخبرنا أحد أنه أفرج عنه، لكن الذي حصل كان مختلفًا تماماً". وبعد أشهر من الصمت، تلقى اتصالاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر يطلب منه مراجعة أحد مكاتبها (دولة أوروبية) حيث أبلغ بأن لديهم رسالة من ابنه. لم تكن الصدمة في الرسالة، بل في المكان الذي أرسلت منه: سجن الكرخ ببغداد ويستعيد الأب تلك اللحظة قائلاً: "لم أصدق ما سمعته كنت أعتقد أن ابني لا يزال في محافظة الحسكة. ويختم الأب حديثه: "لسنا ضد العدالة، إذا كان ابني قد ارتكب جريمة فليحاكم وفق القانون، لكن من حقنا أن نعرف أين هو، وأن يحصل على محاكمة عادلة، وأن تتمكن عائلته من التواصل معه. لا يجوز أن يختفي الإنسان سنوات، ثم نكتشف مصادفةً أنه في سجن خارج بلده".
لم تكن قصة "منتصر" مجرد مأساة عائلية، بل كانت بوابة إلى ملف يضم آلاف السوريين الذين اختفوا من سجون محافظة الحسكة قبل أن تظهر معلومات عن نقلهم إلى العراق.
لا يناقش هذا التحقيق براءة المحتجزين أو إدانتهم، فهذا من اختصاص القضاء، وإنما يبحث في مشروعية إجراءات النقل، والضمانات القانونية التي يفترض أن يتمتع بها كل محتجز، وحق عائلاتهم في معرفة مصيرهم
من الحسكة إلى الكرخ
ليست قصة "منتصر" حالة فردية، بل مدخلٌ إلى ملف يضم آلاف السوريين الذين نقلوا من مراكز الاحتجاز في محافظة الحسكة إلى العراق، وسط غياب معلومات رسمية كافية حول الأساس القانوني لهذه العمليات. فبعد انهيار آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية عام 2019، أصبحت محافظة الحسكة تضم أكبر مراكز احتجاز للمشتبه بانتمائهم إلى التنظيم، بإدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفي مقدمتها سجن الصناعة في حي غويران، اللذي احتجز فيه آلاف السوريين والعراقيين والأجانب.
وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر في 18 يونيو/ حزيران الماضي (2026)، نقل ما لا يقل عن 6547 محتجزا من شمال شرقي سورية إلى العراق منذ 2019، بينهم 4743 سوريا و1804 محتجزين من 61 جنسية، إضافة إلى عشرات الأطفال واليافعين الذين كانوا قاصرين عند اعتقالهم. وأشار التقرير إلى أن عمليات النقل جرت على مراحل متعاقبة، وسط غياب الشفافية بشأن القوائم الاسمية، والأساس القانوني لكل عملية، والضمانات التي سبقت نقل المحتجزين.
وفي يناير/ كانون الثاني 2026، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) تنفيذ عمليات نقل لمحتجزين من محافظة الحسكة إلى العراق، بينما أكد مجلس القضاء الأعلى العراقي أن المنقولين سيخضعون للقضاء العراقي، استنادا إلى أن الجرائم المنسوبة إلى عناصر تنظيم "داعش" ارتكبت، في جزء كبير منها، على الأراضي العراقية. إلا أن هذه التطورات فتحت الباب أمام أسئلة قانونية وحقوقية لم تجد بعد إجابات واضحة: هل خضع كل محتجز لمراجعة قضائية فردية قبل نقله؟ وهل أبلغ بأسباب النقل؟ وهل أتيحت له فرصة الطعن أو الاستعانة بمحام؟ وهي أسئلة ترى منظمات حقوقية أن الإجابة عنها ضرورية لتقييم مدى توافق هذه الإجراءات مع قواعد القانون الدولي.
ولا يناقش هذا التحقيق براءة المحتجزين أو إدانتهم، فهذا من اختصاص القضاء، وإنما يبحث في مشروعية إجراءات النقل، والضمانات القانونية التي يفترض أن يتمتع بها كل محتجز، وحق عائلاتهم في معرفة مصيرهم. لكن الأرقام، مهما بلغت، لا تعكس حجم المأساة. فخلف كل اسم عائلة تنتظر، وأم تجهل مصير ابنها وأب لا يزال يطرح السؤال ذاته: أين أصبح أبناؤنا؟
حين يتحوّل الإنسان إلى رقم
تكشف التقارير الحقوقية أعدادا كبيرة من المحتجزين الذين نقلوا من محافظة الحسكة إلى العراق لكن خلف كل رقم حكاية عائلة لا تزال تنتظر. من بين هذه القصص تبرز قصة عمار، الذي كان في الخامسة عشرة من عمره عندما اعتقل في مارس/ آذار 2019. مرت السنوات، وكبر الطفل داخل السجن، قبل أن تتلقى أسرته معلومات تفيد بأنه رحل إلى العراق، من دون أن تحصل على أي إخطار رسمي يوضح مكان احتجازه أو وضعه القانوني.
ولا تختلف كثيرا قصة حسين، الذي اعتقل عام 2019، وكان من بين المحتجزين في سجن الصناعة بمحافظة الحسكة خلال الأحداث التي شهدها السجن، قبل أن تنقطع أخباره، وتبدأ أسرته رحلة بحث جديدة انتهت بمعلومات غير رسمية عن نقله إلى العراق. أما علي، فقد كان قاصراً أيضاً عند اعتقاله. وتقول والدته إن الأسرة كانت تزوره شهرياً في سجن غويران المركزي حتى نهاية عام 2025، قبل أن تتوقف الزيارات فجأة، لتفقد العائلة أي وسيلة لمعرفة مصيره، سوى ما تناقلته عائلات أخرى عن احتمال وجوده في أحد السجون العراقية. وتبقى شهادة علاء الأكثر إيلاماً ففي رسالة وصلت إلى ذويه، لخص سنوات عمره في كلمات قليلة: ولد عام 2004، لجأ مع أسرته إلى تركيا، عاد إلى سورية، ثم اعتقل، لينتهي به المطاف في سجن الكرخ ببغداد. يقول: "جاءت أمي لزيارتي، لكنها لم تعرفني. آثار الضرب غيرت ملامحي، والهزال غير وجهي، حتى أصبحت غريباً عن عينيها". ثم يختم حديثه بعبارة تختصر مأساة آلاف المحتجزين: "كان يمكن أن تكون أنت مكاني لكونك من المكون العربي بالجزيرة السورية".
وعلى اختلاف تفاصيل هذه الشهادات، فإنها تتقاطع عند حقيقة واحدة: سنوات من الاحتجاز، ثم انقطاع كامل للأخبار، قبل أن تكتشف العائلات، عبر رسائل أو اتصالات أو معلومات متداولة بين الأهالي، أن أبناءها أصبحوا في العراق، من دون أن تعرف متى نقلوا، أو على أي أساس قانوني، أو أين يقبعون اليوم.
ولا تقتصر القضية على الرجال البالغين، إذ تفيد الشبكة السورية لحقوق الإنسان بأن بين المرحّلين أطفالاً ويافعين كانوا دون الثامنة عشرة عند اعتقالهم، ما يثير إشكالات قانونية إضافية، لأن القانون الدولي يمنح الأحداث حماية خاصة، ويلزم بمراعاة سنهم وضمان حقوقهم أثناء الاحتجاز والمحاكمة.
أربعة مطالب رئيسية للأهالي: الكشف عن أسماء المرحلين، واستعادتهم، وإرسال وفد إلى سجن الكرخ، ومتابعة أوضاع المحتجزين في محافظة الحسكة
الأهالي يطرقون أبواب الدولة
لم تكتفِ عائلات المحتجزين بانتظار الأخبار، بل خرجت للمطالبة بها فمنذ ربيع 2026، شهدت دمشق والحسكة ودير الزور سلسلة من الوقفات الاحتجاجية التي نظمها ذوو السوريين المرحّلين إلى العراق، مطالبين الحكومة السورية بالكشف عن أماكن احتجاز أبنائهم، والعمل على إعادتهم، أو تمكينهم على الأقل من التواصل معهم. ورفع المحتجون صور أبنائهم ولافتات حملت مطلباً واحداً تكرّر في جميع الوقفات: "نريد أن نعرف أين أبناؤنا". ويؤكد المشاركون أنهم لا يطالبون بإسقاط التهم أو وقف المحاكمات، وإنما بضمان حق أبنائهم في محاكمات عادلة، وحق العائلات في معرفة مصيرهم والتواصل معهم.
وبحسب روايات عدة مشاركين، انتهت إحدى الوقفات الاحتجاجية أمام وزارة الخارجية والمغتربين في دمشق بتوقيف عشرة محتجين، بينهم نساء من محافظة دير الزور بدعوى عدم الحصول على ترخيص مسبق، قبل أن يفرج عنهم لاحقا. ورغم هذا واصل الأهالي تحرّكاتهم، وتمكن وفد يمثلهم من عقد اجتماع مع وزارة الخارجية والمغتربين السورية، بحضور ممثل الوزارة حمزة الملا عمير، وعدة إعلاميين وناشطين.
عرض الوفد على وزارة الخارجية أربعة مطالب رئيسية، تمثلت في الكشف عن أسماء المرحلين واستعادتهم، وإرسال وفد إلى سجن الكرخ، ومتابعة أوضاع المحتجزين في محافظة الحسكة. إلا أن الاجتماع انتهى من دون الإعلان عن جدول زمني واضح أو خطوات تنفيذية محددة، الأمر الذي أبقى حالة القلق قائمة لدى العائلات، التي ترى أن الاعتراف بوجود القضية لا يكفي ما لم يتحول إلى إجراءات عملية تكشف مصير أبنائها.
العدالة لا تتعارض مع مكافحة الإرهاب
بعيداً عن السجال السياسي، يثير هذا الملف أسئلة قانونية تتعلق بمشروعية نقل المحتجزين، وحدود مسؤولية الجهات التي شاركت في احتجازهم أو نقلهم أو محاكمتهم. وللوقوف على هذه الجوانب، أجرى معدّ التحقيق مقابلة مع المحامي فراس حاج يحيى الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، وأفاد بأن إصدار حكم قانوني قاطع على مشروعية عمليات النقل لا يمكن أن يتم من دون الإحاطة الكاملة بالوقائع والإطار القانوني الذي جرت في ظله. لكنه يؤكد أن القواعد العامة في القانون الدولي تشترط أن يستند نقل المحتجزين من إقليم إلى دولة أخرى إلى أساس قانوني معلن، وأن يخضع لإجراءات تكفل حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها معرفة أسباب النقل، وضمانات المحاكمة العادلة، وإمكانية الطعن في الإجراءات متى كان هذا واجباً.
وأفاد حاج يحيى بأن وجود أحداث بين المحتجزين يمنح القضية بعدا قانونيا أكثر حساسية، إذ تلزم اتفاقية حقوق الطفل الدول والجهات المعنية بمراعاة المصلحة الفضلى للطفل، وضمان حصوله على المساعدة القانونية المناسبة، والتعامل معه بما يتوافق مع سنه واحتياجاته. كما أن الحق في الاستعانة بمحامٍ، وإبلاغ الأسرة، والطعن في قانونية الاحتجاز أو النقل أمام جهة مستقلة، يمثل من الضمانات الأساسية التي لا تسقط بسبب طبيعة الاتهامات. ويضيف أن أي إخلال مثبت بهذه الضمانات قد يثير إشكالات جدية من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما في ضوء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، دون أن يعني ذلك انتفاء المسؤولية الجنائية إذا ثبتت الأفعال المنسوبة إلى الشخص أمام قضاء مختص ومستقل.
وفيما يتعلق بالمسؤوليات، يوضح الباحث القانوني أن القانون لا يجيز تحميل طرف واحد المسؤولية بصورة مسبقة، لأن ذلك يتوقف على الوقائع المثبتة ودور كل جهة. فالطرف الذي كان يمارس السيطرة الفعلية على المحتجزين وقت نقلهم يتحمل مسؤولية احترام الضمانات الأساسية أثناء الاحتجاز والتسليم، بينما تتحمل الدولة التي استقبلت المحتجزين مسؤولية ضمان حقوقهم منذ دخولهم نطاق ولايتها القضائية، بما في ذلك توفير المحاكمة العادلة والمعاملة الإنسانية.
أما الحكومة السورية، فيرى أنها تتحمل، بصفتها دولة الجنسية، مسؤولية متابعة أوضاع مواطنيها عبر القنوات الدبلوماسية والقنصلية، والسعي للحصول على المعلومات المتعلقة بهم، والعمل على حماية حقوقهم القانونية. وفي المقابل، فإن تقييم أي مسؤولية قانونية لأطراف أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، يبقى مرتبطا بإثبات مستوى مشاركتها الفعلية في قرارات النقل أو تنفيذها، وهو أمر يحتاج إلى أدلة ووقائع مثبتة، ولا يجوز افتراضه.
ويرى حاج يحيى أن الملف لا يزال يتيح مسارات قانونية يمكن العمل عليها، تبدأ بتفعيل التعاون القضائي والدبلوماسي بين دمشق وبغداد، والحصول على قوائم رسمية بالمحتجزين، ومتابعة أوضاعهم القانونية، وقد تمتد إلى إبرام اتفاقية قضائية مشتركة بين سورية والعراق، على غرار الاتفاقيات المبرمة مع دول أخرى بشأن المحكومين والمحتجزين السوريين. كما يؤكد على أن معالجة هذا الملف يجب أن تقوم على مبدأين متلازمين: عدم الإفلات من المساءلة عن الجرائم الخطيرة، وضمان احترام الحقوق الأساسية والإجراءات القانونية الواجبة لكل محتجز، مشددا على أن القضية ينبغي أن تعالج باعتبارها ملفًا قانونيا وإنسانيا، لا مادة للتجاذب السياسي، لأن احترام سيادة القانون لا يتعارض مع مكافحة الإرهاب، بل يمثل أحد شروطها الأساسية.
الأمل معقود على أن يتحوّل هذا الملف من قضية غامضة إلى مسار قانوني واضح، يقوم على التعاون القضائي بين دمشق وبغداد
من المسؤول؟
لا يقدم هذا التحقيق أحكاما قانونية نهائية، لكنه يستند إلى ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان لرسم خريطة أولية للمسؤوليات المرتبطة بعمليات نقل المحتجزين السوريين من محافظة الحسكة إلى العراق. وتفيد الشبكة بأن القضية لا تتعلق بطرف واحد، بل بسلسلة من الجهات التي شاركت في الاحتجاز أو النقل أو تسلم المحتجزين، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤوليات النهائية مرهوناً بتحقيق مستقل يكشف الوقائع الكاملة والأساس القانوني الذي استندت إليه كل عملية نقل.
وتأتي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مقدمة هذه الأطراف، بوصفها الجهة التي كانت تمارس السيطرة الفعلية على مراكز الاحتجاز في محافظة الحسكة قبل عمليات النقل. وترى الشبكة أن الجهة القائمة على الاحتجاز تتحمّل مسؤولية احترام الضمانات الأساسية للمحتجزين، وحفظ سجلاتهم، وعدم اتخاذ قرارات تمس مصيرهم من دون إجراءات قانونية واضحة. أما العراق، فقد أصبح مسؤولا عن المحتجزين منذ دخولهم نطاق ولايته القضائية. وبينما تؤكد السلطات العراقية حقها في محاكمة من ارتكب جرائم على أراضيها، فإن ذلك يفرض عليها في المقابل ضمان المحاكمة العادلة، وتمكين المحتجزين من الدفاع عن أنفسهم، واحترام حقوقهم المنصوص عليها في القانون العراقي والاتفاقيات الدولية.
كما تبرز الولايات المتحدة في هذا الملف بعد إعلان القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) مشاركتها في عمليات نقل عدد من المحتجزين إلى العراق. وأن تقييم أي مسؤولية قانونية في هذا الجانب يتوقف على مدى ثبوت المشاركة الفعلية في قرارات النقل أو تنفيذها، وما إذا كانت الضمانات القانونية قد اتخذت قبل تنفيذ تلك العمليات.
أما الحكومة السورية، فبصفتها دولة الجنسية، تتحمّل مسؤولية متابعة أوضاع مواطنيها، والسعي إلى الحصول على معلومات رسمية بشأن أماكن احتجازهم، ومتابعة أوضاعهم القانونية عبر القنوات الدبلوماسية والقضائية، بما يضمن حماية حقوقهم، دون الإخلال بحق الدول الأخرى في ملاحقة الجرائم التي ارتُكبت على أراضيها.
حق الرد
حرصاً على استكمال جميع وجهات النظر، تواصل معدّ التحقيق مع المكتب الإعلامي في وزارة الإعلام السورية، طالبا الحصول على ردودٍ من وزارات الخارجية والعدل والداخلية بشأن أعداد السوريين المرحلين إلى العراق، والإجراءات المتخذة لمتابعة أوضاعهم القانونية، إلا أنه حتى موعد نشر هذا التحقيق لم يتلق أي رد من الجهات المعنية.
بدأ هذا التحقيق باتصال هاتفي تلقاه أب سوري يخبره بأن ابنه، الذي كان يعتقد أنه محتجز في محافظة الحسكة، أصبح في سجن الكرخ ببغداد. وبين ذلك الاتصال وعشرات الشهادات التي جمعها معد التحقيق تحتاج عشرات الصفحات لنشرها تتكرّر قصة واحدة بصيغ مختلفة: سنوات طويلة من الاحتجاز، وانقطاع الأخبار، ثم اكتشاف أن أبناءً سوريين نقلوا إلى العراق، بينما بقيت عائلاتهم تجهل كيف جرى هذا، وعلى أي أساس قانوني، وما هو مصيرهم اليوم.
ولا يناقش هذا التحقيق براءة أحد أو إدانته، فذلك شأن القضاء وحده، كما لا ينكر حق الدول في ملاحقة مرتكبي الجرائم الإرهابية ومحاكمتهم. لكنه يطرح سؤالاً لا يمكن تجاوزه في أي دولة تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون: هل يمكن أن تتحقق العدالة إذا غابت الإجراءات القانونية والشفافية، وغابت معها قدرة العائلات على معرفة مصير أبنائها؟
ويبقى الأمل معقوداً على أن يتحوّل هذا الملف من قضية غامضة إلى مسار قانوني واضح، يقوم على التعاون القضائي بين دمشق وبغداد، ويضمن، في الوقت نفسه، حق الضحايا في العدالة، وحق المتهمين في محاكمة عادلة، وحق عائلاتهم في معرفة الحقيقة. ولعل أكثر ما يلخص هذه القضية، ليس تقريرا حقوقيا ولا نصا قانونيا، بل كلمات ذلك الأب الذي أنهى حديثه قائلاً:
"إذا كان ابني مذنباً فليُحاكم وفق القانون، وإذا كان بريئاً فليطلق سراحه. أما أن يبقى الإنسان سنوات لا نعرف أين هو، ثم نكتشف مصادفةً أنه في سجن خارج بلده، فهذا ما لا يستطيع أي أب أو أم احتماله". وربما تكمن العدالة الحقيقية في أن تجد هذه الكلمات، يوماً ما، جوابا من المؤسسات المعنية، لا من عائلات أنهكها الانتظار.