سورية بعد رفع العقوبات... جدلية التقييم وديناميكيات الحوكمة
استمع إلى الملخص
- نشرت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، مركزة على نصف الكرة الغربي ومنطقة الكاريبي، ورفعت العقوبات عن سوريا، مما يعكس نهجًا يركز على النفوذ وحل المشكلات محليًا.
- تواجه سوريا تحديات كبيرة بعد رفع العقوبات، تتطلب بناء دولة قوية تعتمد على الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الشفافية، وجذب الاستثمار لإعادة الإعمار، مما يتيح فرصة للنهضة وتوحيد البلاد.
العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب من أعقد الإشكاليات التي تؤرق فقه القانون الدولي، بسبب استخدامها، في أغلب الأحيان، أداة ضغط سياسية في إطار مبدأ القوة في العلاقات الدولية.
أدّى بروز مفهوم العولمة إلى عولمة مشكلات دولية عديدة، أصبحت معها مفردات الإرهاب، والفساد، واللجوء، والاستبداد، وتجارة المخدرات، وغسل الأموال، وضعف المؤسسات، وهشاشة الدولة في أية بقعة، تهديدات عالمية، تلقي بظلالها على سلوكية العلاقات الدولية، اتساقاً مع جنوحها نحو التنافسات الاقتصادية على حساب الصراعات الإيديولوجية. تزامن ذلك مع التوسع في تفسير حق الدفاع عن النفس، المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، قابلته ديناميكيات جديدة في السياسات الدولية، جعلت من التهديد المحتمل للاقتصاد، تهديداً للأمن الوطني.
نشر مجلس الشؤون الخارجية الأميركي تقييماً لاستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، الصادرة في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025. خَلُصتْ الدراسة إلى اختلافها اختلافاً جذرياً عن سابقاتها، بما فيها الصادرة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، مشيرة إلى تركيزها على نصف الكرة الغربي ومنطقة الكاريبي، أولوية قصوى، وأنّ الاقتصاد هو الرهان الأسمى، أما العلاقة مع الصين فهي اقتصادية متبادلة المنفعة.
مرحلةٌ باستحقاقات تُمهد لعودة سورية إلى موقعها الطبيعي في النظام الدولي فاعلةً غير منفعلة بالأحداث، سواء أممياً في أروقة الأمم المتحدة المعنية بتحمل التبعات الرئيسية لحل النزاعات بين الدول
يشير التدافع الذي أبدته إدارة ترامب، بشأن الانفتاح على سورية ورفع العقوبات، إلى أبعاد بمنافع سياسية واقتصادية وجيوبوليتكية، مؤجلة إلى حين استقرارها، مع الإبقاء على مبدأ "النفوذ بديلاً عن القوة"، و ترك القوى المحلية، تحل مشكلاتها بنفسها. رؤية تساعد إدارة ترامب التفرغ أكثر لاستراتيجيتها الجديدة. ظهر ذلك في حصار ناقلات النفط الفنزويلية الخاضعة للعقوبات الأميركية، إذ اعتبر ترامب النظام الفنزويلي نظاماً إرهابياً استبدادياً، ينتشر فيه الفساد، و يزيد من مخاطر الهجرة، واللجوء، وتهريب المخدرات، وبالتالي يراه تهديداً محتملاً للاقتصاد والأمن القومي الأميركي.
في التوقيت نفسه، رفعت إدارة ترامب العقوبات عن الدولة السورية إلى غير رجعة، لكنها أبقتْ على تقييم حكومتها. فبدت الأخيرة، أمام واقعية نهج جدلي يضج بالمتناقضات بين القوى الفاعلة خارجياً وداخلياً. نهجٌ يضع سورية، ما بعد رفع العقوبات، على عتبة سياسة جديدة، أبعد من اندفاعها إلى الخارج، أو تدافع الخارج إليها، الذي ميز عامها المنصرم.
مرحلةٌ باستحقاقات تُمهد لعودة سورية إلى موقعها الطبيعي في النظام الدولي فاعلةً غير منفعلة بالأحداث، سواء أممياً في أروقة الأمم المتحدة المعنية بتحمل التبعات الرئيسية لحل النزاعات بين الدول، أو من خلال سياسة خارجية تتسق وجدلية التقييم المرافق لرفع العقوبات، و توفير غطاء سياسي يركز على الملكية الوطنية والسيادة، وعدم الإبقاء عليها مكسراً لعصا التجاذبات الخارجية، غارقةً بوعود المبعوثين، والوسطاء، والوفود، التي تذكّر بإعادة تدوير تجارب العراق، وليبيا، ولبنان، واليمن، في عالم غير مستعد لضخ أمواله واستثماراته في بقعة تعيش داخل جغرافيتها، حالة من اللاحرب واللاسلم المنضبط بإرادات خارجية واضحة المعالم.
كيف لسورية أن تضمد جراحاتها، اتساقاً مع التقييم، قبل حل شيفرة التضادات الماثلة للعيان. وهل المطلوب من سورية بعد كل هذا الموت، أن تبقى بؤرة لاختبار الإرادات؟
ربما أكثر ما تحتاجه سورية اليوم نظرية تفاوضية مع جميع الأطراف، تعيد معها تقييم السياسات والمواقف واختبارها اتساقاً مع مسألة التقييم المحكوم بالوقت. دبلوماسيةٌ جديدة تحدد هوية السياسة الخارجية السورية في محيطها والعالم، بدءاً من أدوار الفاعلين في مناطق نفوذهم، أولئك الذين بيدهم مفاتيح الأبواب المغلقة بوجه التعافي السوري.
كيف لسورية أن تضمد جراحاتها، اتساقاً مع التقييم، قبل حل شيفرة التضادات الماثلة للعيان. وهل المطلوب من سورية بعد كل هذا الموت، أن تبقى بؤرة لاختبار الإرادات، في إطار نظام دولي محكوم بالواقعية السياسية، والمصالح الذاتية، والفوضى الدولية و تفاعلاتها القائمة على سياسات التنافس والتواطؤ، والترهيب والترغيب، والاستمالة والردع. فواعل تتجاوز إرادات الدول في المراحل الانتقالية، فكيف بسورية وهي تنهض من حطام سياسي، واقتصادي، ومجتمعي، لم تشهده دولة في التاريخ المعاصر.
مهمةٌ صعبة، لكنها ليست مستحيلة مع إرادة سورية تبني دولة طبيعية، تطمئن الجميع، و تفتح الباب من جديد لتعميق الحوار، بدءاً من شرعية داخلية تعمل على بناء مؤسسات قوية بدستور عصري، يحدد العلاقة بين السوريين على كامل مساحة التراب السوري، و يحل إشكالية التحديات المعرفية، المتعلقة بحوكمة المؤسسات، ومفهوم السيادة، والدولة القانونية، والحقوق الطبيعية، ومفهوم الشعب، والهوية السورية، واللامركزية.
لا تتوقف الحوكمة عند أدوارها الداخلية في صناعة سلام مستدام، ووضع الكيفيات التي تسير عليها المؤسّسات، بل تتعدّاه إلى البعد الخارجي في إطار العلاقات الدولية، إذ تحدد آليات الحوكمة صحة النتائج والاستنتاجات المؤدية إلى تقييم المراحل الانتقالية ما بعد النزاع، واكتشاف الديناميكيات التي تسير عليها الدولة، و تحديد موقعها في النظام الدولي قياساً بمستوى سيادة القانون، وعمل المؤسسات الدستورية الثلاث، لجهة الاختصاص والصلاحيات، استناداً لمبدأ المشروعية، وفصل السلطات، ونظام الكوابح والتوازنات، ما يحول دون تغول سلطة على أخرى؛ فالقول بقوة المؤسّسات، المدنية منها والعسكرية، هو القول الفصل في تفوق الدولة، واحتكارها لقرارها وسيادتها، داخلياً وخارجياً.
يشير تتبع التجارب التاريخية للمراحل الانتقالية إلى الأدوار التي لعبتها الحوكمة في حل الكثير من التحديات الخارجية، إذ تجاوزت العلاقات الدولية، منذ عقود، المفهوم الكلاسيكي للقوة، كالجيوبوليتيك والدبلوماسية، اللتين غالباً ما يُنظر إليهما، على الرغم من أهميتها، مفهوماً وسيلياً للقوة لا غائياً، وأداةً لدولة قلقة، أو مقلقة.
ثمة ترابط عضوي بين الحوكمة، وفكرة السيادة، وعمليات بناء الدستور، وكتابته، إذ تشكل كتابة الدستور إجراءات قانونية بحتة، ومنتجاً نهائياً تقنياً
تشكل الحوكمة، في إطار عمليات بناء الدولة في مراحل ما بعد النزاع، مقياساً للحكم الرشيد، من خلال كيفيات بمعايير وأطر تشريعية وإجرائية، تُمكنْ من تطبيق القوانين، وبناء الثقة بين المواطنين والسلطة، و تعزز الشفافية والمساءلة، و تهيأ الظروف لنظام قضائي مستقل، قادر على جذب الاستثمار، وإعادة الإعمار. وكما تفرض الحوكمة نفسها كفاعل داخلي، فهي على الصعيد الخارجي، مقياساً لتحديد طبيعة الدولة، داخل النظام الدولي، اتساقاً مع التطورات المعاصرة لطبيعة العلاقات الدولية، فالدول التي يغيب فيها مبدأ سيادة القانون، تُصنف اليوم، دولاً هشة وفاشلة، و تهديداً محتملاً للأمن القومي والمصالح الاقتصادية، في محيطها والعالم.
ثمة ترابط عضوي بين الحوكمة، وفكرة السيادة، وعمليات بناء الدستور، وكتابته، إذ تشكل كتابة الدستور إجراءات قانونية بحتة، ومنتجاً نهائياً تقنياً، كمبنى، بينما تضطلع عمليات بناء الدستور، كمعنى، بعمليات اجتماعية وسياسية، مدخلاتها رفد المؤسسات بالخبرات والكفاءات، وفقاً لمعايير عادلة و صارمة، تحددها القوانين والأنظمة. عمليةٌ طويلة وشاقة، تبدأ من نفخ الروح، حوكمياً، في مؤسسات الدولة السورية، تجيب على الكثير من الأسئلة المتعلقة بالحقوق ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، مصير الآلاف من الخبرات السورية من أبناء المؤسسات، المدنيين والعسكريين، الذين تركوا وظائفهم بسبب مواقفهم من النظام البائد.
تقف سورية اليوم، أمام تحدٍ يرتبط ارتباطاً بنيوياً وثيقاً بحتمية إنجاح المرحلة الانتقالية، في أصعب مرحلة بدأت تباشيرها مع رفع العقوبات، تؤهلها لنهضة حقيقية في جميع المجالات السياسية، والاقتصادية، و العسكرية، والمجتمعية. فرصةٌ لبناء سورية القوية القادرة على توحيد البلاد، في منطقة قُدر لها، تاريخياً، التعايش بين جميع طوائفها وإثنياتها، كما قدر لها، جيوبولتيكياً، أن تسير بالشرق الأوسط أينما توجهتْ. حقيقةٌ أكدها، وقادر على تأكيدها، المنجز السوري في 8 ديسمبر 2024، وقدرته في إحداث قطيعة تاريخية مع نظام بوليسي، أوتوقراطي قمعي، يكره المؤسسات، يقدس الولاءات، سبيله في ذلك أدوات رثة، تزاوج خبيث بين المال والسلطة، دعاية، مهرجانات، استغلال للمخاوف، ردود أفعال عاطفية، تنميط ثقافي استهلاكي يتلاعب بالعقول للتأثير على مشاعر الناس وسلوكياتهم وآرائهم، في تغيب واضح للنقد البناء، والنقاش العقلاني. حقائقٌ حري بالعقل السوري الجديد، أن يعض بالنواجذ على دفنها إلى غير رجعة.