صادق جلال العظم... نصير الثورة والعقل معاً

10 مارس 2026   |  آخر تحديث: 10:21 (توقيت القدس)
المفكر السوري صادق جلال العظم (1934- 2016)
+ الخط -
اظهر الملخص
- ركز صادق جلال العظم على نقد العقل التراثي وتحليل أسسه، داعياً إلى حرية العقل في تأويل النصوص الدينية لتحقيق رفاهية الإنسان. في كتابه "نقد الفكر الديني"، واجه تكفيراً وسجناً لكنه استمر في نقد الأنظمة الاستبدادية والدينية.

- دعم العظم الثورة السورية، محذراً من أسلمتها وإعادة إنتاج الاستبداد، مشيراً إلى ضرورة استرجاع الجمهورية وتداول السلطة ديمقراطياً منذ انقلاب "حسني الزعيم".

- دعا العظم إلى التفكير العلمي وكسر الخرافات، مؤكداً أن العقل هو السلطة في الإيمان، محذراً من الانتقام الطائفي والرومانسية الزائدة في العلاقات السورية.

اشتغل مشروعه الفكري على الوعي بكونية الحضارة الإنسانية، وكونية العقل، وتحليل وتفكيك العقل التراثي المُهيمن، وبمساءلةٍ نقدية للأُسُس التي انبنى عليها هذا العقل.

 صادق جلال العظم (1934- 2016) من أكثر المثقفين والمفكِّرين السوريين الذين ساندوا الثورة السورية التي قال عنها: "هي ثورةٌ، سواءً تَأَسْلَمَتْ أو تَعَلْمَنَتْ، هي كاشفٌ أخلاقي وإنساني وثقافي لكل البديهيات القديمة. وأنا العبدُ الفقير لله وحريَّة الإنسان سأبقى معها. حتَّى لو التهمتني، حتَّى لو كنتُ من ضحاياها.. حتى لو دفعتُ الثمن غالياً جداً لا يقل عن حياتي. سأبقى منحازاً لها، ما دمتُ قادراً على التنفس". وفعلاً بقي العظم مع الثورة وسانَدَها، وهو المُفكِّر الذي سعى في فلسفته إلى نقد الأنظمة الاستبدادية والدينية، وخصوصاً في كتابه "نقد الفكر الديني" الصادر عام 1969، والذي تمَّ تكفيره إِثرَ صدوره، وحُكِم َعليه بالسجن بحجَّة "ازدراء الدِينَيْن المسيحي والإسلامي معاً" إلاَّ أنَّ المحكمة بَرَّأَتْهُ لاحقاً.

ليس صادق جلال العظم مُنظِّراً للإصلاح الديني، ولكنَّه يرى أنَّ أيَّ تأسيس للحكم على أساس ديني اغتيالٌ للعقل؛ بالتالي هو رفضٌ للعلم والتطور والانفتاح على الثقافات والعقائد الأخرى

يرى العظم في فلسفته أنَّ الجهل والخرافة هما من يغتالان العقل، ويؤسِّسان لحكم الكهنوت. في حين أنَّ ل(العقل) مطلق الحريَّة في قراءة وتأويل نصوص الديانات السماوية، ولكنَّها الحريَّة التي تُثري الحياةَ الاجتماعية والسياسية وترفُدها بِتعدُّد الآراء واختلافها، فلا تبقى الرؤية الدينية متربِّعةً على عرش القداسة، وأنَّ ما تراه؛ هو ما يجبُ أن يراه المجتمع- لا آراء مطلقة، وليس مِن حقِّ مَن يشتغلون بالدين كأوصياء عليه أن يقهروا الإنسان ويتسلَّطوا عليه لإخضاعه. فالأديان حتى الوضعية إنَّما هي من أجل تحقيق حريَّة الإنسان ورفاهيته، وليست تقييداً أو اغتصاباً له، وما الثورة السورية التي انفجرت في 2011 إلاَّ رد على القهر.

ليس صادق جلال العظم مُنظِّراً للإصلاح الديني، ولكنَّه يرى أنَّ أيَّ تأسيس للحكم على أساس ديني اغتيالٌ للعقل؛ بالتالي هو رفضٌ للعلم والتطور والانفتاح على الثقافات والعقائد الأخرى. ولو أمعنَّا النظر في النص الديني لوجدنا أنَّه يحثُّ على التفكير والتفكير العلمي، لبناءِ نظرياتٍ في العلوم والمعارف الإنسانية، وذلك اعتماداً على العقل المُشرِّع؛ العقل الذي يُفكِّر، وليس على العقل الذي يُنفِّذ، فيُقِرُّ بالتعصُّب والتزمُّت ورفض الآخر.
في مشروعه النقدي الذي بدأه بـ "نقد الفكر الديني" ثمَّ: النقد الذاتي بعد الهزيمة، الاستشراق والاستشراق معكوساً، ذهنية التحريم، ما بعد ذهنية التحريم، الإسلام والعلمانية، هل يقبل الإسلام العَلْمَنَة، عسر الحداثة والتنوير في الإسلام. كانَ يخلِّص الرواية الدينية التراثية من الأساطير والخوارق والعجائب والأحكام مُسبقة الصُنع، ويقوم بتفكيك المنظومة الكهنوتية للمقدَّس وبشجاعةٍ عقلية. فالتراث الديني خُتِمَ عليه بالشمع الأحمر مِنْ قِبَلِ حُرَّاسه الذين يعتبرون أنفسهم مُلاَّك الحقيقة المُطلقة، ويُعيِّنُونَ أَنفسَهم قُضاةً ليحكموا على إيمان الناس وكُفرِهِم، كما كَفَّروا مِنْ قَبْل: ابن رشد وابن سينا والفارابي والكندي. وذلك لإجهاض عملية التفلسف باسم الدين، وهذا يعني فيما يعنيه أن نتخلَّى عن العقل- وعن التأويل العقلي، فنُكفِّر العقل، ونطلب إليه ألاَّ يتدخَّل، بل؛ وأن يتخلَّى عن وجوده وطبيعته النقدية.
يردّنا العظم في فلسفته إلى التاريخ، فلقد كُنَّا كَبَشَرٍ- كأُمَّةٍ، في ضيافة الغُزاة والمُستعمرين كفرائس، فلا نموت في الوقت المًناسب؛ بل في الأوقات التي يختاروها لنا، ونتحوَّل أمامهم من بشرٍ إلى ديدان ضرعية. وهذا ما جرى، وما يجري علينا كي لا يسجلونا في مذكرات التاريخ موتى رسميين، ودلالة على ذلك، وفي سورية القديمة بَلَغَ عدد هؤلاء الموتى الذين تمَّ تصفيتهم تحت التعذيب مئات الآلاف في السجون والمعتقلات. مع هذا كان إصرار صادق جلال العظم على "استرجاع الجمهورية من السلالة الحاكمة إلى الأبد، ومن مُجمَّعه العسكري التجاري الاحتكاري لكلِّ شيءٍ مُهِمٍّ في البلد" ضرورةَ الضرورات، لكي يعيش السوري إنسانيته، فلا يبقى مُتَوحِشاً، فينظِّف، أو يغسل الجهلَ بالعلمِ والمعرفةِ ليدخلَ السباقَ الحضاري لتحقيق وجوده النوعي. مع إنَّ سلالة (إلى الأبد) كانت ترى نفسها أنَّها خزَّان سحر الشعب السوري، وبانية سورية الحديثة، ولا ترى نذالتَها ووضاعتَها وسوقيتَها ووحشيتَها وهي تُدمِّر سورية بشراً وحجراً.

كان يرى بأنَّنا لم نتدرَّب؛ كما لم نتربىَّ على تداول السلطة منذ انقلاب "حسني الزعيم" بالطُرق الديمقراطية، ولذا فإنَّ أنظمة الاستبداد لن تُنتج إلاَّ خطاب الاستبداد

هو مع حريَّة العقل في قراءة وتفسير وتأويل النص، فالعقلُ هو السلطة، وله الدورُ الأعظم في الإيمان الذي يقوم على قناعة الضمير وبما يُقرُّه العقل، وكون الإيمان حقٌّ فردي، وأنَّ الدين ليس ضدَّ الوجود الطبيعي للإنسان. لذا سنراه في فلسفته وفي جانبٍ منها بدا كما لو إنَّه (فاوست) بطل مسرحية يوهان غوته (1749- 1832) ذاك البطل الملحمي الذي لا يني، وبإصرارٍ، على كسر القفص الفولاذي للخرافات والأساطير الدينية التي تُسيِّسُ وتَسوسُ العقل، بل إنَّه يُجبرنا، كما يُجبرُ نفسه و(الشياطين) على التفكير العلمي، وهذا ما حرَّض ودفع ذاك العقل التراثي على تكفيره ومحاكمته. إذ لم يُخفِ موقفه وخشيته من أسلمة الثورة السورية: "نعم، أخشى الإسلام السياسي بعد سقوط النظام وقبله. أخشاه لأسباب أبعد من الوجه الإسلامي الزائد الذي أخذت تظهر به الثورة السورية أمام نفسها، وأمام العالم كله. أخشى ذلك، لأنَّ في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مُجدَّداً، بصورة أو أخرى، احتمالاً وارداً ومخيفاً، مما يتطلَّبُ الحذرَ الشديد واليقظة التامة". كما إنَّه كان يرى أنَّه: "قَدْ تَحدثُ حالاتُ انتقامٍ على أساسٍ طائفي، والمُبالغةُ في القولْ إنَّ الشعب السوري كلُّه مُحبٌ بشكلٍ مُطلَقٍ لبَعضِه البَعض، ما هو إلاَّ رومانسية زائدةٌ عن حدِّها". وهذه رؤيا فيلسوفٍ عاش معنا فصول تصفية الوعي النقدي فلا نتكلَّم، بل ولا نُثاغي باعتبارنا قطعان غنمٍ وهي ذاهبةٌ إلى المذابح. 
كان يرى بأنَّنا لم نتدرَّب؛ كما لم نتربىَّ على تداول السلطة منذ انقلاب "حسني الزعيم" بالطُرق الديمقراطية، ولذا فإنَّ أنظمة الاستبداد لن تُنتج إلاَّ خطاب الاستبداد، ومع ذلك فإنَّ فلسفة صادق جلال العظم تبقى تُشكِّلُ قوَّة دفعٍ وتحدٍّ وتثوير لإحداث تغيير جمالي وأخلاقي.