استمع إلى الملخص
- العقوبات الدولية أداة غير إنسانية تضغط على الشعوب لإفقارها وتجويعها، مما يؤدي إلى التضحية بكل شيء لخلع الطغاة، ولكن رفع العقوبات يتطلب بيئة قانونية وسياسية واقتصادية ملائمة.
- رفع العقوبات يمنح سوريا فرصة جديدة، وعلى السوريين استغلالها لتحريك عجلة الاقتصاد برؤوس أموال وخبرات، رغم التحديات الكامنة في الطريق.
هو شيء مثل جهاز كهربائي توقّف عن العمل، أول ما يخطر لنا فعله أن نعيد تشغيله. وفي المحاولة الثانية نشدّ مأخذه فنفصله عن التيار الكهربائي، ونعيد توصيله، إن لم يعمل هذه المرة فالعطل فيه.
عملياً، إلغاء قانون قيصر هو إعادة تشغيل سورية، فإن لم تعمل جيداً، فالعطل أعمق من ذلك إذاً. ولا يحتاج الأمر نبوءة لنعرف أنه كذلك. وأنه برفع قانون قيصر، يبدأ الجد. وتبدأ بالظهور أزماتٌ مؤجّلةٌ ومتراكمةٌ ومطمورةٌ تحت تلال الذرائع والشعارات الفارغة.
عقوداً، كانت معالجة مشكلات الحياة السورية تتم بطريقة لا تشبه أحداً في التاريخ: شتم الإمبريالية. تعجز المحطات عن توليد كهرباء كافية، تنفجر المحوّلات من ارتفاع الأحمال، تخبز الأفران خبزاً أقل من حاجة الناس، وأردأ مما يليق بالناس، تزدحم الصفوف المدرسية، يتفسخ أسفلت الطرق، تطبطب سيارات الإسعاف قبل بوابات المستشفيات بأمتار، تفقد العملة قيمتها، والأجور قدرتها، والمؤسّسات نزاهتها. تتوقف المصانع عن الإنتاج، تتملّح تربة الحقول، تفرغ الأسواق من البصل والقهوة سريعة التحضير، تلغى الرحلات الجوية، تختم القنصليات علامة الرفض على جوازات السفر، تعود الحوالة إلى مصدرها، يموت الرجال وسطياً في الثانية والستين، وتفقد النساء خصوبتهن في الرابعة والأربعين، تختفي الآثار من المتاحف، وأشرطة الذاكرة الوطنية من أرشيف التلفزيون والسينما. تفسخ المجتمع، تهتك الاقتصاد...
لدينا سبب: الإمبريالية العالمية، لعنها الله، تعاقب شعبنا على صموده في وجه مؤامراتها، بمنعه من شراء قطع غيار لمصانعه ومحطّات توليد الكهرباء فيه، وشرايين أصحاب القلوب المنهكة فيه.
بشيء من الواقعية، العقوبات أداة غير إنسانية بيد القوى الكبرى، أداة تتظاهر بأنها تعاقب الأنظمة الديكتاتورية، وهي تفعل ذلك فعلاً، لكن بأسوأ تقنية يتصوّرها عقل وأغربها. بالضغط على الشعوب التي يفترض أنها ضحية تلك الأنظمة، وإفقارها وتجويعها، كي ينفد صبرها، وتخرج مضحّية بكل شيء كي تخلع طغاتها. وبالطبع، سيموت في سبيل ذلك مئات الآلاف، وسيهجّر ملايين.
لا بأس، هذا قدرنا، وقد سدّدنا فاتورته. والآن، بدأ تسديد الفاتورة الكبرى، والتي ستبدأ بمواجهة الذات، واختبار الإمكانات الحقيقية.
نحتاج إلى تدوير العجلة الصدئة، نحتاج إلى تزييتها برؤوس أموال، وتحريكها بطاقة خبراء وعمّال مهرة، ووضعها على سكّة في مناخ قانوني وسياسي وأمني واقتصادي وخدمي، وإلا فلن يكون لرفع العقوبات أي معنى.
هناك 200 بلد في العالم ضمن نظام السويفت، و11500 مؤسّسة مالية لم تختبر يوماً ما معنى عقوبات، فكم واحدة منها حققت معادلة النجاح الاقتصادي؟
رفع العقوبات والانضمام إلى الأنظمة المالية العالمية عنصر واحد من معادلة معقدة تحتوي مئات العناصر الأخرى. ونحن فعلياً لا نملك منها سوى الرغبة. وربما لدينا شيء من الروح، وشيء من الحماس، ونحتاج إلى كل ما تبقى.
برفع العقوبات نبدو كفتى حائر حصل على الثانوية للتوّ، تحرّر من قيدي الأهل والطفولة، يشعر باكتمال نضجه، وبأنه صار جاهزاً لمواجهة الحياة، ولكنه يجهل أن كل مصاعب الدنيا تختبئ في هذا الطريق الذي بدأه الآن.
من حقّ كل سوري أن يفرح اليوم، أياً كان موقفه السياسي، ورأيه في السلطتين، الحالية والسابقة، فهذه الفرصة التي انفتحت سورية، وليست فرصة السلطة، ومن يجب أن يلتقطها هو سورية نفسها.