فاتح جاموس: الكيان الصهيوني أكبر مدمّر لوحدة سورية وسيادتها
استمع إلى الملخص
- يشارك داموس في تجمعات سياسية مثل "تجمع القوى الوطنية الديمقراطية"، ويؤكد على حقه في ممارسة نشاطاته السياسية رغم الضغوط الأمنية، ويفكر في إنشاء قناة على "يوتيوب" لتعزيز نشاطه السياسي.
- يرى داموس أن الحل في سوريا يكمن في تشكيل معارضة موحدة وسلمية، ويدين المجازر والانتهاكات، وينتقد الدعم الدولي للسلطة الجديدة، مؤكدًا على أهمية الحريات الشخصية والسياسية لتحقيق التغيير الديمقراطي.
بعد يومين أو ثلاثة من إسقاط نظام الأسد جرى التوافق على إطلاق تجمع القوى الوطنية الديمقراطية (في اللاذقية) ببيان تأسيسي ومهمتين أساسيتين، التغيير الديمقراطي، والسلم الأهلي
*جرى استدعاؤك إلى الأمن العام أخيراً، ماذا جرى معك هناك؟
للحقّ، لم يكن استدعاء من جهة أمنية، بل كان طلب لقاء معي من هيئة الشؤون السياسية، واسمها يوحي بأنها جهة سياسية في السلطة القائمة، حتى لو افترضنا أنها يمكن أن تلعب دوراً أمنياً. وكنت قد عرفت من أصدقاء قبل ذلك بأيام أنهم مهتمون بمعرفة نشاطاتي الواسعة، وفي بيتي تحديداً، وبمعرفة الفعاليات التي أنشط معها، خاصة "تجمّع سوريا الديموقراطية"، و"تجمع القوى الوطنية الديموقراطية" في اللاذقية. وكذلك "الرابطة السورية للمعتقلين السياسيين"، و"تيار طريق التغيير السلمي" المعارض، وهكذا قرّرت تلبية طلب اللقاء الذي جاء عبر أحد مسؤولي الهيئة السياسية ومضيت، لأن الاسم لا يوحي بجهة أمنية عموماً. إذ في حالة استدعائي من جهة أمنية أرفض، إلا بأخذي من البيت اعتقالاً أو بطلب لصالح تحقيق نظامي مع الاحتفاظ بالطلب ليكون الأهل والفعاليات السياسية على معرفة بذلك. وكنت نصف الوقت تقريباً في وضعية السائل عن معنى الهيئة السياسية ودورها وعن قضايا إدلب والمعارضات والانقسامات فيها وعن "الإخوان المسلمين". وأجابوا عن ذلك كله بأدب شديد ودقّة وهدوء. ومن ثم انتقلت إلى الحديث عن نشاطاتي، واستمعوا أيضاً بهدوء وعناية. وتكثيفاً، قلت إن من حقي الديموقراطي المطلق أن أقوم بنشاطاتي، محاولاً تجاوز السلطة الديكتاتورية، خصوصاً أن السلطة القائمة لم تتجاوز السلطة السابقة بأي خطوة فعلية، بل تتنافس معها نكوصياً، وسأستمر في ذلك طالما كان هناك غياب تام لأي قرارات ديموقراطية فعلاً. وتحدّثت عن موقفي الصريح من السلطة؛ طبيعتها وبنيتها والقمع العنيف والمجازر والعلاقة مع تركيا وعدم الثقة بحديثها عن وحدة سورية، واستقلالها، وكامل العلاقة مع الكيان الصهيوني. وجرى الاتفاق على لقاء ثانٍ في بيتنا، كما طلبوا، خلال اليومين المقبلين. وعند توديعي، طلبوا مني بوضوح شديد تخفيف نشاطي. وكان جوابي أن التطورات السياسية للمستقبل القريب في سورية أكثر خطورة وتعقيداً، وتفترض مني نشاطاً أكثر اتساعاً وفعالية بعكس ما تطلبون، ثم لم يعقد اللقاء الثاني.
*حضورك الإعلامي عالٍ، ما غايته وسببه، وكيف يعزّز حضورك السياسي؟
حضوري الإعلامي أقلّ بكثير جداً مما هو نشاطي السياسي، وهناك حصار من جهات عديدة، ما عدا وسائل الإعلام المسدية (التابعة لمجلس سوريا الديمقراطية)، وفي حالات نادرة جداً تلفزيون المشهد، وأكثر راديو سبوتنك مع فروق الأهمية في التأثير، إلى درجة أفكر فيها جدّياً بقناة شخصية على "يوتيوب"، مع ملاحظة ضرورة الحيوية والجدّة وأهمية الموضوعات الأكثر حضوراً وخطورة.
*ينشط "تجمّع سوريا الديمقراطية" جزءاً من القوى السياسية في هذه المرحلة، ما هي النقاط المهمة التي يشتبك فيها مع المهام السياسية المطلوبة؟
بعد يومين أو ثلاثة من إسقاط نظام الأسد جرى التوافق على إطلاق تجمّع القوى الوطنية الديمقراطية (في اللاذقية) ببيان تأسيسي ومهمتين أساسيتين، التغيير الديمقراطي، والسلم الأهلي، والقيمة الأساسية لمحتوى قرار مجلس الأمن 2254، وصيغة نقدية صريحة للسلطة، مع أن ذلك لم يصل إلى حدود قناعاتي بطبيعة السلطة الفعلية وبنيتها وممارساتها، ولم يصل إلى حدود المعارضة الصريحة، كما نطرح صراحة في تيار طريق التغيير السلمي المعارض. مع ذلك بقي "التجمّع" الأكثر وضوحاً واقتراباً من هذا. ثم تطور الأمر بصيغ تحالفات وعلاقات ثنائية تفاهمية مع أطراف عدة، ثم التركيز على وحدة صف القوى التي تعمل على نقد السلطة، والأكثر قرباً من صيغة وحدة صف معارضة جادة، خصوصاً في العمل بصيغة وطنية عالية، والتناقض الصريح مع أي صيغة عصبية تحت وطنية خاصة، الطائفية، والاشتراك الفيزيائي مع أي نشاط اجتماعي علني من دون الحلول محله والاهتمام بطابع الفعاليات اليسارية والمعادية والناشطة ضد الدور الصهيوني والأميركي بخاصة، وكل الاحتلالات.
*عمل تيار طريق التغيير السلمي قبل انهيار نظام بشّار الأسد جزءاً من المعارضة الداخلية في سورية، وأعلن عن نفسه معارضاً للسلطة الجديدة، رغم التغير في السلطة بين مرحلتين، كيف يقيّم التيار السلطتين ويتّخذ المواقف منهما؟
نتابع مقاربتنا وتحليلاتنا ونهجنا، لنكون صادقين مع ذلك كله ومع أنفسنا، بأننا معارضة صريحة للسلطة القائمة، وأن نتابع فكرتنا في ضرورة تشكيل جبهة معارضة واسعة موحدة وواحدة
وجد تيّار طريق التغيير السلمي مبكراً أنه أمام أزمة الانقسام الوطني السوري التي يقودها طرفان، من جهة الديكتاتورية، والقوى والفعاليات الدينية الأصولية بتنوعها من جهة أخرى، وأن ذلك صراع بين طرفين غير ثوريين، ولا يمكن أن تنجم عنه أي نتيجة ثورية. وبالتالي، كان صراعاً في شروط غير ثورية، ولم تكن هناك أي ثورة، بل كانت ثورة مضادّة بكل معنى الكلمة، إذ على الرغم من إمكانية حصول التباسات في بداية حراك أواسط آذار/ مارس (2011)، خصوصاً الطابع الشعبي للحراك، وجزء من دور ضعيف لفعاليات وطنية ديمقراطية، تراجع بسرعة شديدة أمام اتّضاح الدور الحاسم للقوى الدينية، وانكشاف أن الحراك الشعبي هو (وجمهوره) جاهز فقط لتقوده قوى دينية. هكذا انتهى كل التباس، واتضح أننا بصدد قوى فاشية وتحالف دولي عربي داعم لإجراء تغيير حاسم في سورية، هكذا يصبح الأمر منهجياً وتاريخياً مقارنة بين طرفين وموقع كل منهما على خط التطور ومستوى الخطورة، فاخترنا خط معارضة آخر يقوم على هذا الأساس، مركزين على أهمية المعارضة الداخلية للسلطة، وأهمية انتزاع وجود معارضة تفرض الحوار على الديكتاتورية التي اختارت بحكم طبيعتها وتراكم سياساتها التحالفات الخارجية، ولم يتحقق أي شيء فعلي وجاد من تكتيك جبهة موحدة، ثم أزيحت الديكتاتورية بعملية توافق مجموعة الدول الفاعلة في سورية، أساسا لصالح الطرف التركي الذي أخذ من البداية دوراً تدخلياً مخيفاً. ولم تسقط الديكتاتورية بكسر العظم العسكري أو الشعبي. ومع ذلك تمت عملية تشغيل كاملة للطرف الأكثر تعصباً وتطرفاً وجهادية عقائدية وطائفية واتهاماً بالتكفير، حتى الإخوان المسلمين، بكل طابعهم الديني والعنفي، لم يكونوا طرف التشغيل الأول، وكذلك كامل جوقة النخب المعارضة التي بدت بمثابة لسان حال القوى الدينية.
وكان بديهياً أن نتابع مقاربتنا وتحليلاتنا ونهجنا، وأن نكون صادقين مع ذلك كله ومع أنفسنا، بأننا معارضة صريحة للسلطة القائمة، وأن نتابع فكرتنا في ضرورة تشكيل جبهة معارضة واسعة موحدة وواحدة.
*أعلن التيار موقفاً واضحاً من مجازر الساحل، وأصدر "التجمع" بياناً حول أحداث صحنايا وجرمانا والسويداء، ما هو الموقف السياسي لك وللتيار والتجمع من المجازر الذي حدثت في سورية بعد وصول السلطة الجديدة؟
الموقف السياسي المركزي إدانة المجازر والانتهاكات أينما حدثت في سورية، والدعوة إلى قيام جبهة معارضة واسعة موحدة سلمية وعقلانية وفاعلة لانتزاع إمكانية أجراء تغيير ديمقراطي.
*رغم مشاركتكم كتجمّع في تحالف "تماسك"، قدمت نقدك الخاص لهذا التحالف، لماذا؟
جوهر الأمر في ضرورة الانسجام التام بين قناعاتي وخياري السياسي التنظيمي. وفي حال وجود تفارق في الحقل التنظيمي فهو في قناعتي لغياب الطرف التركي الفاعل الذي يغطي الأمر، وهو قائم فعلياً في التيار. والتجمّع هو حالة أكثر فعالية وأكثر توافقاً مع ضرورة النشاط الوطني العام، وكذلك تحالف "تماسك". ويقتضي الانسجام مع النفس توجيه ذلك النقد، وذلك كله قائم بالطبع على قناعة عميقة بأن التجمّع سيصل إلى تلك القناعات، وسيحصل الجسر المطلوب، وهناك إمكانية أيضاً لأن تصل فعاليات أخرى إلى ذلك، ما سيحسّن شروط قيام معارضة موحدة.
*أطلق "تجمّع القوى الوطنية الديموقراطية" في مارس/ آذار الماضي، ما أهمية هذا ولماذا تم في اللاذقية، وليس في العاصمة دمشق؟
أعتقد أن الأمر كان أكثر سهولة في اللاذقية، فلا قيمة فعلية للاعتراضات على القوى التي كانت في الجبهة الوطنية التقدّمية التابعة للسلطة المنهارة. كما أن الفعاليات المكونة أكثر حضوراً ووضوحاً ونشاطاً في اللاذقية. وربما لعبت المجازر دوراً في الحماس لضرورة وجود عمل وطني متسع في اللاذقية. ومع ذلك، الأمر متاح حقاً في دمشق ومحافظات عدة كما أعتقد، وعلينا العمل فوراً على ذلك.
*تناولتَ ما أصدره وزير السياحة تجاه الحرّيات الشخصية وخطورة التدخل فيها. وكما ذكرت، أحياناً أكثر من أهمية من الحرّيات السياسية العامة. كيف قيّمت ذلك؟
عموماً، وبشكل خاصّ في المجتمعات التي تعرف تنوّعاً عميقاً وأصيلاً في بعض جوانب البناء الفوقي، مثل القناعات المذهبية الدينية والعادات والتقاليد الاجتماعية والسلوك الشخصي ورمزية مصطلحات الخطاب ودلالاتها، يكون ذلك كله أكثر حضوراً وتأثيراً من قضية الحرّيات السياسية التي تهتم بها النخب أكثر من الكتلة الشعبية، والأخيرة تعيش ذلك البناء الفوقي باستغراق وشمول وحساسية أخلاقية ومبدئية ومقدّسة أحياناً، إلى درجة يصبح فيها رد الفعل فوراً في الإطار الشخصي، ومنه الشعور بالمهانة. وبهذا المعنى، تصبح الحرّيات الشخصية أكثر أهمية، لاحتمالات ردود الفعل الغاضبة والشعور بالاختلاف العميق وعدم القدرة على التعايش. وبالطبع، في النهاية الحريات السياسية المتطورة في المجتمعات هي الأكثر قدرة في التأثير الشامل على تطور البلد. وحتى يحصل ذلك، سيبقى التعدّي على الحريات الشخصية محرّضاً سيئاً وآثاره أكثر خطورة حتى يحصل الانتقال أو التغير الديموقراطي الذي يحمي حقّاً الحرّيات الشخصية.
*الإعلان الدستوري وما جرى في سورية حوله، كان لك موقف منه، وللتيار أيضاً...
كان الإعلان الدستوري خطوة قانونية وتشريعية، لتركيز الحالة السلطوية، إذ حصرت السلطات في يد الرئيس، ولهذا دلالاته الرمزية والفعلية في الوعي والنيات والممارسة لاحقاً. وقد بدأ بخطوة تسمية الفصائل الرئيس ومبايعته. ويذكّرنا هذا بصيغة للشورى في هذا الزمن استكملت بصيغة دستورية، ومهما افترضنا النيات الحسنة، وافترضنا ضرورات اتباع الرئيس البراغماتية، وفتح خطوط في ذلك، أو اعتبرناها مؤقتة ومرحلية، إلا أنها صيغة تركيز وابتلاع صلاحيات أية هيئة أخرى، وستكون صيغة نقيضة لأبسط (وأضعف) أي صيغة ديموقراطية مستقبلاً. بل تغلق أي عملية انفتاح مستقبلية، وستبرّر أي عنف محتمل باسم الدستور والقوانين المكملة والشارحة له.
ثمة قسم مهم من النخب السورية لديهم أسلوب التآمر والاتهام، ولعبوا دوراً سيئاً في الإشاعات والاتهام والتشويه
*يلتقي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع موفدين ووزراء إسرائيليين في جولات مفاوضات أمنية، من دون إعلان نتائج واضحة، ما رأيك بهذه المفاوضات؟ وهل تتوقع نتائج لها؟
أولاً، لا يمكن الفصل بين مباحثات لعناوين أمنية وأخرى سياسية، خصوصاً أن هذا يحصل مع الكيان الصهيوني، أكبر مدمّر لوحدة سورية وسيادتها، وأي عامل قوة جيوسياسي فيها، وعدو يتصرّف بعد انتصاراته العديدة أخيراً، فهو في أقصى حالات التنمّر تاريخياً في المنطقة. وثانياً، أعتقد أن أية مباحثات، مهما كان طابعها، مع عدوٍّ كهذا من دون أن تكون معلنة للشعب السوري تثير الشكوك. ثالثاً، يلفت النظر أيضاً أن جولة من هذه المباحثات جرت في أذربيجان، بما يعنيه ذلك البلد بعلاقته مع دولة الكيان، بالطبع كانت ولا تزال هناك إمكانية لأن يحصل ذلك في قاعات الأمم المتحدة.
*التقيتم نهاية عام 2024 مع وفد حكومي من السلطة الجديدة، ماذا حدث في اللقاء، ولماذا لم يتكرّر مثله؟
إذا كان المعني بالسؤال "تجمّع سوريا الديموقراطية"، فقد حصل هذا مرة واحدة بطلب من أحد قياديي الهيئة السياسية وبتوسّط أحد الأشخاص، وحضرت قيادات فرعية من اللاذقية، وحصل تبادل تعارف ووجهات نظر بخصوص الوقائع القائمة.
وإذا كان المقصود بالسؤال شخصي أنا، فقد حضرت اجتماع المحافظ مع ثلاثة أحياء، بسنادا وحيين مجاورين، بناء على طلب قسم مهم من أهل القرية، وكنت مكلفاً بأن أتكلم بصورة رئيسية، وفعلت ذلك متناولاً أهم الوقائع وأخطرها، وكيفية إعادة الشعور بالأمان، وتبادلت مع المحافظ رقم تلفوني عندما طلبه، وقد كان إيجابياً وبدا حريصاً على نجاحه في وظيفته، وعبر مستشاره طلب حضوري لزيارته، مضيت ومعي مشروع لتشكيل برلمان في المحافظة وتمثيل حتمي لكل الفعاليات السياسية والاجتماعية والمدنية وأهدافه ثلاثة، تشاورية لمراقبة القضايا، والحلقات الخطرة والمهدّدة للشعب، أو أي فئة فيه، وحوارية من ثم وأن تشترك به السلطة. ثم فهمت أن تراجعاً في قبوله الفكرة قد حصل، ورحت أفكر بتنفيذ الفكرة من تحت بجهود الفعاليات المعنية، وبقية اللقاءات كانت من جهاتٍ أمنيةٍ بغاية التعرّف إليّ، عبر الطلب من المختار، وأخيراً طلب الهيئة أن أحضر. وكتبتُ عن ذلك.
*يربط عديدون من السياسيين والشخصيات العامة ما يقوم به بعض سجناء حزب العمل من أفعال، وكأنها تخصّ كل المعتقلين السياسيين من الحزب، ما رأيك أولاً بالأفعال من الرفاق السابقين، وتحميل ذلك له والسياسيين المستمرين بالفعل السياسي؟
بدايةً، وللحق، وجدت السؤال عمومياً، وغير محدّد هكذا، سأعتمد على تقديري المعنى. أولاً، كل صيغة تعميم من ذلك الطراز خاطئة ومليئة بالنهج التآمري والاتهامي. ولا شك في أن ثمة قسماً مهماً من النخب السورية يتحلى بالصفتين، ولعب دوراً سيئاً في الإشاعات والاتهام والتشويه. ومن البداهة بمكان أن لحزب العمل وفعاليات كثيرة غيره مواقف محدّدة ومعلنة ولا مجال للخلط والاتهام، وعلى أساسها يجب توجيه النقد بدون خيالات مسيئة. أما بخصوص أعمال ومواقف لرفاق سابقين، وتحميلها من قبل الناس للحزب، فهذا لا يمكن الجواب عنه بدقّة إلا بعمليات تعيين دقيقة بالاسم.
يهم الحكومة والسلطة في سورية بالتأكيد وجود جيش سوري، إنما أي جيش تكون تركيبته وبنيته وعقيدته ووظيفته بحسب الأولويات. ولكن من لا يريد أي جيش فعلي هو الكيان الصهيوني
*كنت وما زلت صاحب موقف واضح من تشتت حزب العمل الشيوعي في سورية وتذرّره، إلى عديدٍ من القوى السياسية وحضورها كشخصيات سياسية منفردة، هل هناك أمل في وحدة الحزب، وإعادة الفعل السياسي التنظيمي إلى الساحة السياسية السورية؟
أتذكّر حادثة ذات دلالات في حياة حزبنا ومستوى تأثره بتجربة المعتقل، وكذلك أحداث أواسط مارس/ آذار 2011، والانقسام الوطني السوري، إذ دعت المؤسّسة النيابية للفاتيكان إلى اجتماع معارضة سورية في يونيو/ حزيران 2012، عبر مجموعة نخب، كنّا 18 شخصاً، نصفهم من خلفية تجربة حزب العمل، ولكل منا عِلمُه الخاص، أو وجهة نظره الخاصة. كان أمراً مؤسفاً ومحزناً ومأساوياً، ومع ذلك يحصل مثل هذا التذرّر تحت تأثير أزمات كالأزمة السورية. ومع ذلك كله، كنت ولا أزال أعتقد بإمكانية التعايش وعمل حزبي ديموقراطي متطوّر وعصري.
لكن حتماً ليس بكامل الجسد، بل بالمهتمين بالتشاور وإبداء وجهات النظر، وهو شيءٌ يشبه البرلمان، ومبدئياً غير ملزِم بآرائه. في المقابل، ذلك ممكن، ويجب العمل على جمع ما يمكن من أهل التجربة، مع الانتباه إلى أن الماضي وتغيراته في الأزمة السورية قد أصبحا خلف ظهورنا، وأنه كان من حق كل منا أن يختار موقفه. لا "فيتو" على كل من يعتقد بإمكانية (وضرورة) إعادة إحياء التجربة. ولدي أكثر من أمل، بل هو اعتقاد بإمكانية ذلك الإحياء وضرورته، والانتباه إلى أهمية بعض التجارب الحزبية، مثل حزب العمال البرازيلي. وفي كل الأحوال، يجب الإنصات إلى جميع المهتمين بإعادة جمع حزب العمل وإحيائه وبنائه، والانتباه إلى خطورة الموتورين.
*الدعم الدولي للسلطة الجديدة مستمر، فهل يستطيع هذا الدعم والمشروعية الدولية أن يمنحا مشروعية داخلية للاستمرار في الحكم والاستقرار فيه؟
للأسف، وبحكم المستوى الواسع والعميق، والتأثير الكبير للتدخل الدولي في سورية، فهو يستطيع أن يمنح عديداً من شروط الاستمرار في الحياة، خصوصاً الآن بعد ضعف القوى الثورية أو غيابها، وريثما تظهر قوة معارضة فاعلة، مهتمة بهذه الشرعية مع كتلة شعبية وازنة، فإن الشرعية الدولية تفرض منطقها، وما حصل بإزاحة السلطة السابقة إجابة في المنطق نفسه.
*دمّر جيش الاحتلال الصهيوني الجيش السوري مع رحيل الأسد واستمرار التدمير مع السلطة الجديدة، وهذا يوضح أن حكومة اليمين المتطرّف بقيادة نتنياهو يهمها عدم وجود جيش سوري. كيف تقرأ الفهم الصهيوني للحضور العسكري؟
بل يهم الحكومة والسلطة في سورية بالتأكيد وجود جيش سوري، إنما أي جيش تكون تركيبته وبنيته وعقيدته ووظيفته بحسب الأولويات. ولكن من لا يريد أي جيش فعلي هو الكيان الصهيوني، وسيدمّر كل جهد عسكري جديد ومهم في سورية. لقد غدا ممنوعاً على سورية استعادة شيءٍ من طاقتها الجيوسياسية، بل إن الكيان مهتم بمعرفة أي جهد، أو تفصيل يتعلق بأي نية لقيام مقاومة من أي طراز، وقد جرّبت حتى القوى الدينية، عندما يكون اهتمامها الرئيسي أن تتحوّل إلى مقاومة ضد الكيان، وإلى حركة تحرّر وطني، وهي لا تريد أي احتمال على هذه الشاكلة على حدودها مع سورية. ووجود نظام أصولي يجعل من الصعب تخمين اللحظة التي يخطر بباله فيها مثلاً القدس وتحريرها، وإسرائيل هاجمت عدة أهدافٍ في محافظة درعا على ذلك الأساس.
*شاركتَ في مؤتمرات عديدة في شمال شرق سورية. كيف تنظر إلى الحضور السياسي للقوى السياسية العربية هناك، ومشاركتها في "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد)، والجانب السياسي. وما هي نظرتكم إلى تفاهمات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع السلطة الجديدة، وهل هي قابلة للحياة والاستمرارية؟
نعم شاركت في ندوات حوارية كثيرة، وليس مؤتمرات بالمعنى الفعلي، أكثر من عشر سنوات. وكان اهتمام "مسد" يتركز على دعوة ومساهمة أي حزب أو فعالية أو أفراد قريبين أو متفهمين لسياساتها وتطلعاتها، ونادراً ما كنت ألحظ فعاليات نقدية لـ"مسد" عن حق، بين تيارنا وبينهم كانت ثمة عملية شد حبل متكررة، وكان هناك احترام متبادل حقاً، ولم نتمكن أبداً من إجراء أي اختراق تفاهمي مهم، وكاد يحصل هذا مرة بالتوافق على مشروع أن نكون معهم كتيار مع حريتنا المطلقة بنقد العامل الأميركي، وحريتنا بالعلاقة مع أي مقاومة.
*الأرض السورية اليوم مقسمة وتحت سيطرة أكثر من قوة عسكرية وسياسية، كيف ترى ذلك، وما هي مستلزمات العودة إلى وحدة سورية أرضاً وشعباً؟
ليست سورية فقط تحت نير احتلالات متعددة، وحالة تدخلات خارجية في الشؤون السورية، بل هي أيضاً في وضعيّة تمزّق داخلي وضعف وهشاشة من حيث التماسك الوطني المجتمعي والسياسي والهوياتي، وهي تحت تأثير عصبيات متخلفة، وذلك كله يجلب احتمال انفتاح حروب أهلية ومزيد من التدخلات الخارجية الحمائية ولتحقيق نفوذ.
القضية المركزية في مواجهة ذلك كله، وربما انفتاح آفاق للخروج منه، هي تشكل معارضة موحدة وشجاعة، صريحة بمعارضتها السلطة، وسائلها سلمية وسياساتها عقلانية وسلمية، حتى لو كان ثمن ذلك مكلفاً. أما إمكانية تقدم قوة وطنية عسكرية بمساعدة طرف خارجي وإجراء تغيير وطني ديموقراطي فعلي، فهو احتمال على الأغلب الأعم قيمته الاحتمالية في التحقق أكثر صعوبة.