فلول.. فلوس.. طبول

05 مايو 2026   |  آخر تحديث: 09:21 (توقيت القدس)
(سعد يكن)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الاحتفال بالعهد الجديد في سوريا يشهد اعتقال مجرمين متورطين في سفك الدم السوري، مثل عاطف نجيب وأمجد يوسف، بينما تظل تساؤلات حول مصير آخرين مثل وسيم الأسد، مع استمرار الجهود الشعبية لتحقيق العدالة.

- مظاهرات بارزة مثل مظاهرة المثقفين في حي الميدان بدمشق عام 2013، جمعت مختلف الطوائف والطبقات الاجتماعية ضد النظام الدكتاتوري، مما زعزع استقرار السلطات الشمولية وأثار خوف النظام السابق.

- الانتقادات للعدالة الانتقالية في سوريا تتواصل، حيث يُتهم النظام الانتقالي بالانتقائية في محاسبة المجرمين، مما يعكس تحديات تحقيق العدالة الشاملة ويثير الشكوك حول مصداقيتها.

لن ينتهي، في ما يبدو، الاحتفال بالعهد الجديد، ويزداد قرع الطبول ويعلو أكثر. يتكاثف الهرج والمرج، ذلك لا يعيق الشغّيلة والمتحمّسين لإعادة بناء الدولة المتهالكة. لا مشكلة بتاتاً، إذ ليس ثمّة دولة. يعلو صوت الطبول مبتهجاً، يطغى على فرح الآخرين باعتقال مجرمَيْن أسديّيْن أوغلا في سفك الدم السوريّ؛ عاطف نجيب، وأمجد يوسف. قرع الطبول يمجّد السلطة الباسلة وعدالتها الانتقاليّة، وعبثاً يجهد لإخفاء وإسكات الصوت المتسائل عن سيرورة محاكمة المعتقل لديهم سابقاً المجرم وسيم الأسد ومصيره، والتعامي عن حقيقة أنّ من سعى عامين إلى القبض على أمجد يوسف إنّما هم أنصار شحّود وحازم العبد الله الإنسانيين والسوريّين بنقاء. ما يذكّر بصنميّة السؤال الشنيع حدّ القتل، والجاهل حدّ السخرية: "أين كنت منذ أربع عشرة سنة؟" الموجّه أبداً إلى المختلفين، وإلى ثوّار أحرار ذاع صيتهم، بينهم معتقلون سابقون قضوا سنوات شبابهم وشيبهم بين القضبان وفي المنافي، وسواهم من المختفين قسراً، وذلك كرمى لحريّة البلاد وعزّتها. بسخرية سوداء أكرّر ما بات شائعاً، ويتكرّر بانتهازيّة مشهودة، أو بجهل وغباء مخجليْن، أمام العالم، بينما كانوا يهاجمون المعتصمين طالبي استعادة حقوقهم السليبة وصون كرامتهم. معتصمون من الانتماءات الطائفيّة كلّها، والطبقات الاجتماعيّة المختلفة، جمعهم الظلم، التهميش، التفقير والعوز، ووحّدهم انتماؤهم لسوريّة؛ الانتماء الوحيد الحقيقيّ المخلّص والبنّاء. كان أغلبهم مثقّفين وسياسيّين، معارضين سابقين للنظام الساقط. وفي إشهار هذا الانتماء الوطنيّ الواحد وإعلاء شأنه رغم أنف محاربيه، زعزعة طمأنينة السلطات الشموليّة وزلزلة عروشها. لن ينسى الشارع السوريّ المظاهرة التي وُسِمت بمظاهرة المثقّفين، قام بها الثوّار بمشاركة غالبة للمثقّفين من صحافيّين ومبدعين وفنّانين وطلّاب جامعات، في حيّ الميدان بدمشق العام 2013. كانت تلك المظاهرة أكثر ما أخاف النظام الدكتاتوريّ الأسبق، وإثارة جنونه الدمويّ. والحصيلة هي أنّ حيّ الميدان في مكانه لا يزال، ترتع فيه أصوات حرّة كثيرة، وأنّ الأسد وشبّيحته وزبانيته ولّوا إلى زوالهم الأبديّ. وأنّه رغم اعتقال عديد من الثائرين، واستشهاد آخرين سابقاً، ولاحقاً رغم صخب الطبول والاستعلاء السلطويّ المسلّح، والاعتقالات، وأنف الممتطين زوراً على ظهر الثورة، فإن صوت الثورة الأصليّة وضميرها الحيّ ما زال ينبض لاستعادة الحياة الإنسانيّة الكريمة، وبناء وطن حرّ بمشاركة الجميع وللجميع. 
لن تنسيني مناصرتي أصوت المطالب الوطنيّة المشروعة، المصداقيّة والدقّة في ما يخصّ زوال الأسد وشبّيحته وفروعه الأمنيّة الإجراميّة الفاسدة. ففي الواقع، بين أولئك الشبيحة والمجرمين الأسديّين من راق لسلطة الأمر الواقع استبقاءهم بجوارها وبحصانة رسميّة، حقّها في ذلك حقّ كلّ من البائع والشاري، ففي بلاد البازار، الفلوس تشرّف الفلول، تزيل بقع دماء ضحاياهم عن أجسادهم وسجلّاتهم الكالحة، تكرّمهم، وتوكل إليهم مهامّ جسيمة في إدارة هذه البلاد الغنيمة خاصّة الغانمين وحدهم. أكرّر صفة الغنيمة تبعاً لاعترافات السلطة الانتقاليّة بنفسها. فالآخر المختلف مهمّش ومقصيّ، باستثناء من طفحت يداه بدماء السوريّين وإذلالهم، وامتلأت بالفلوس والذهب الحرام بالتأكيد. استدعى تكرار ما سبق انضمامُ عدوّيّ الماضي إلى فصائل السلطة الانتقاليّة؛ رئيس الهيئة الشرعيّة العامّة في "جيش الإسلام" منذ تأسيسها، وقائد هذا التنظيم. وللرجلين سجلّان دمويّان ضدّ معارضي النظام البائد، وضدّ بعضهم بعضاً، وكنّا شهدنا اقتتالهم الدمويّ خلال سنوات الحرب. فالعدالة المزعومة انتقائيّة بفجاجة. وحدهم المطبّلون بعماء الجهل، الغباء الطائفيّ والانتهازيّة الجشعة، لا يدركون أنّ العدالة لا تقبل النقصان، ويشترط تحقيقها أن تعمّ الجميع، وأنّهم لن ينعموا بها طويلاً.