- يواجه المجلس الجديد تحديات في تمثيل النساء والأقليات بشكل فعلي، مع الاعتماد على الثلث الرئاسي لسد الفجوات، لكن لا توجد ضمانات دستورية كافية لتحقيق تمثيل عادل وشامل.
- تبرز الحاجة إلى صيغة سياسية شاملة تحافظ على التنوع المجتمعي دون تعزيز الانقسام، مع التركيز على إعداد قانون انتخابي عصري وصياغة دستور دائم.
بإجراء انتخابات محافظة الحسكة ومدينة عين العرب (كوباني)، تكون الانتخابات التشريعية غير المباشرة، والأولى بعد سقوط نظام الأسد، قد اكتملت تقريباً، وبات السوريون في انتظار عقد مجلس الشعب جلساته قريباً، إضافة إلى انتظار الظروف المناسبة لإجراء انتخابات المجلس في محافظة السويداء (ثلاثة مقاعد)، التي لا تزال خارجة عن سيطرة الدولة السورية.
يتعلق الأمر بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، فيما سيعين الرئيس أحمد الشرع الثلث الباقي حسب الإعلان الدستوري، الذي منحه هذا الحق، بغية سدّ فجوات التمثيل الناجمة عن الطابع غير المباشر للعملية الانتخابية، وخصوصاً فيما يتعلق بتمثيل المرأة التي ظلمتها الانتخابات في باقي المحافظات، حيث لم تتجاوز نسبة النساء 4.9% من إجمالي الأعضاء المنتخبين، فضلاً عن اختلالات تمثيل الأقليات.
سبق وأن أجريت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 في معظم المحافظات السورية، نتج منها شغل 119 مقعداً في المجلس، وحينها أجلت الانتخابات في أربع محافظات، شملت الحسكة، والرقة، والسويداء، إضافة إلى مدينة عين العرب في محافظة حلب. وبعد عودة محافظتي الرقة ودير الزور إلى كنف الدولة أجريت الانتخابات فيهما.
تُشكل انتخابات المجلس أول اختبار مؤسسي حقيقي للمرحلة الانتقالية، خصوصاً أن مجلس الشعب الجديد سيعمل ضمن إطار دستوري غير مكتمل الأركان، وذلك في غياب محكمة دستورية عليا ومجلس قضائي أعلى، ما يقيّد استقلاليته وقدرته على المساءلة والرقابة. ولذلك باتت السلطة الانتقالية مطالبة باستكمال هاتين الخطوتين الضروريتين. ومع غياب الأحزاب السياسية وحملات التنافس القائمة على البرامج، كان متوقعاً أن لا تفرز الانتخابات كتلاً واضحة أو اصطفافات منظمة داخل المجل، وظهر أن الخلفيات المهنية والسياسية للأعضاء ليست متمايزة. إذ تشير النتائج إلى توزّع الأعضاء بين من شغلوا سابقاً مواقع ضمن تشكيلات المعارضة ومن جاءوا من مؤسسات الدولة قبل عام 2011، وآخرين كانت لهم ارتباطات سابقة بفصائل معارضة مسلّحة قبل انتقالهم لاحقاً إلى أدوار مدنية.
ينبغي التنويه إلى ضمان تمثيل فعلي للفئات قليلة التمثيل، كالنساء والأقليات، بعيداً عن الشكلانية الموظفة أداتياً من أجل اكتساب الشرعية الداخلية أو الخارجية، لأن ضمان التمثيل لكل المكونات السورية يعدّ شرطاً أساسياً لإرساء نظام مستقر وشامل في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، والأمر منوط بالثلث الرئاسي (70 نائباً)، المعوّل عليه لضمان معالجة الفجوات البنيوية الحاصلة، خصوصاً من جهة اعتمادها معايير شفافة ومعلنة، غايتها تحسين تمثيل الفئات المهمَّشة وضعيفة التمثيل. وفي المقابل، لا يوجد نص في الإعلان الدستوري يضمن أن يرمّم الرئيس النقص في تمثيل النساء، كما أن المرسوم 143 حصر تمثيل المرأة بنسبة 20% في الهيئات الناخبة، وليس بين أعضاء المجلس، الأمر الذي يشي بعدم وجود ما يُلزم الرئيس بتعيين نساء لتعويض ثغرة نقص تمثيلهن في المجلس.
الواقع أنه بعد سقوط نظام الأسد، برزت حاجة سورية إلى ضرورة إيجاد صيغة سياسية تهدف إلى الحفاظ على التنوع المجتمعي، من دون أن يفضي تحول الانتماءات الفرعية إلى قاعدة ثابتة للتمثيل السياسي. وهنا تبرُز ضرورة التمييز بين ضمان التمثيل والمحاصصة في السلطة وأجهزة الحكم، التي تشرعن نظام المحاصصة السياسية السائد في بعض الدول العربية، الذي يعزّز الانقسام المجتمعي والمحسوبية والفساد، ويزيد من الولاء الطائفي والعرقي والإثني على حساب الولاء الوطني.
اعتمدت السلطة الانتقالية في الانتخابات التشريعية مقاربة قامت نظرياً على معادلة تجمع بين ضمان حضور (ومشاركة) مختلف المكونات السورية، والحفاظ على معيار الكفاءة والخبرة، بوصفها المعيار الأساس في الوصول إلى عضوية مجلس الشعب. لكن نتائج الانتخابات لم تحقق طرفي المعادلة في اختيار الأعضاء، على الرغم من محددات النظام الانتخابي، الذي لم يفض إلى تعزيز مكانة الفئات الهشة التي يصعب عليها الوصول إلى التمثيل النيابي.
ينتظر عموم السوريين انعقاد المجلس كي ينهي حالة الفراغ التشريعي التي دخلتها سورية بعد إسقاط نظام الأسد، وأن يطرح ممثلوهم همومهم وتطلعاتهم، وذلك في ظل الصعوبات المعيشية التي يعانونها، وأن يضعوا في مقدمة أولوياتهم إعداد قانون انتخابي عصري، وتشكيل لجنة لصياغة دستور دائم. ولعل الأهم هو أن يقطع المجلس الجديد مع الذي كان سائداً في عهد النظام البائد.