قراءة في الدلالات: فلسطين في "المؤشر العربي 2024 - 2025"
استمع إلى الملخص
- تُظهر نتائج المؤشر أن القضية الفلسطينية ما زالت مركزية في الوعي العربي، حيث يرى 80% أنها قضية العرب جميعًا، ويرفض 87% التطبيع مع إسرائيل، مما يعكس افتراقًا بين المواقف الرسمية والشعبية.
- يُبرز المؤشر الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة، حيث نزح 93% من السكان خلال الحرب وواجهوا نقصًا في الأدوية والغذاء، مما يدعو لتجديد الخطاب الفلسطيني.
بعد الاطلاع على رابط المؤشر العربي 2024- 2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 6 يناير/كانون الثاني 2026، جعلني عالقاً بين أمرين لسببين الأول: أهمية إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لـ"المؤشر العربي"، ومتابعته لإصدار المؤشر منذ عام 2011، وموضعية حيثيات ما جاء في المؤشر ودقته وميدانيته، وكنت أود التعقيب على اهتمام مركز دراسات عربي بمثل هذا الإصدار، وبالجهد الأكاديمي الموضوعي، وأهمّية ذلك للباحثين والمهتمين وصناع القرار، والسبب الثاني: عمق ما جاء في المؤشر العربي وشموليته في ما يتعلق بالحالة العربية عمومًا، وفلسطين على وجه الخصوص.
قبل قراءة فلسطين في "المؤشر العربي 2024-2025" ودلالات ذلك أود تسجيل الملاحظات التالية:
- إن الكاتب الصحافي والباحث السياسي في قطاع غزّة (كما في حالة الكاتب) بالكاد يحصل على الكهرباء والإنترنت للتواصل مع العالم الخارجي، واجتياز الحصار الفكري والمعنوي، ومن أجل الإحاطة بما يحدث ويدور في العالم عمومًا، والوطن العربي على وجه الخصوص، لذا يعتبر إصدار المؤشر العربي مادةً علميةً وأكاديميةً دسمةً، وربّما كافيةً للإحاطة بما يحدث في المنطقة العربية، وموقع فلسطين وقضيتها في حيثيات الشارع العربي. ومن ثمّ كان ما فعله المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أنّه نقل الباحث من قطاع غزّة المحاصر إلى خمسة عشر دولةً عربيةً جرى فيها الاستطلاع؛ مضافًا إلى ذلك أنه وفر جهدًا كبيرًا في عملية البحث والمتابعة؛ وإنني أوجه دعوةً إلى النخب، والفصائل الفلسطينية، وصناع القرار لقراءة وتمحيص كل ما جاء في المؤشر العربي 2024-2025، وحبذا لو قورن هذا الإصدار بما سبقه من إصدارات المؤشر العربي.
- بيئة إصدار المؤشر، التّي شهدت مجموعة متغيراتٍ خلال الفترة التّي يرصدها المؤشر، لا سيّما في ظلّ تعقيدات المشهدين العربي والفلسطيني، ومن ثم منهجيًا تقتضي تلك المتغيرات والأزمات التّي عصفت بالمشهدين العربي والفلسطيني ضرورة توفر أدوات علمية لقراءة الرأي العام العربي، أكثر من أيّ وقت مضى، ومن بين أبرز وأهمّ تلك الأدوات يبرز "المؤشر العربي 2024-2025"؛ والإصدارات السابقة منه، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بوصفه أحد أهم وأضخم مشاريع استطلاع الرأي العام العربي، من حيث التغطية الجغرافية؛ والعمق التحليلي الموضوعي؛ وموثوقية النتائج وموضعيتها، إذا شارك في الإصدار 1000 باحث وباحثة. وقد جرى تنفيذ الاستطلاع عبر مقابلات مباشرة مع المستجيبين، الذين تتألف منهم عينة قوامها 40130 مستجيبًا ومستجيبةً. ومن ثمّ يقدم المؤشر قراءةً معمقةً لتغيرات الرأي العام، الأمر الذي يساعد على فهم التحولات الكبرى في مواقف الشعوب، التي يعيد إليها المؤشر الشرعية والأولوية والأهمية مؤكّدًا أن المواطن العربي يمتلك رأيًا واضحًا، ويجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار.
وأظهرت نتائج "المؤشر العربي 2024-2025" أن الرأي العام العربي متوافق بما يقارب الإجماع، وبنسبة 84% على أن سياسات إسرائيل تهدد أمن المنطقة العربية واستقرارها
أما في ما يتعلق بفلسطين وحضورها في المؤشر العربي، وأقر هنا بأن الاكتفاء بعملية القراءة والتلخيص لا تكفي لكن سأجتهد في ذكر ما جاء في المؤشر، كما جاء مع بعض التعليقات اللازمة والواجبة كي لا يكون الأمر مجرد تلخيص للمؤشر. بقيت القضية الفلسطينية حاضرةً في كلّ إصدار من إصدارات "المؤشر العربي"، مقياسًا حساسًا لقياس نبض الرأي العام العربي، واختبارًا لموقع فلسطين في الوعي العربي الجمعي، ويكشف "المؤشر العربي 2024-2025" أنّ فلسطين ما تزال تحظى بأهمّيةٍ مركزيةٍ في الوعي العربي، رغم تعدد أزمات الشارع العربي واهتماماته وأولوياته.
أظهرت نتائج "المؤشر العربي 2024-2025" أنّ القضية الفلسطينية ما زالت تحتل موقعًا متقدمًا في وجدان الشعوب العربية، 80% من المستجيبين يرون أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعًا، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. عند مقارنة هذه النسبة مع دورات سابقة من المؤشر نفسه؛ مثل مؤشر 2022، نلحظ تباينًا طفيفًا ولكنه متقارب (76% من المستجيبين ترى أنّ القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعًا)، يبقى ضمن نطاق قوي من الدعم الشعبي العربي للقضية الفلسطينية، ما يعكس ثبات التأييد الشعبي العربي على المدى الطويل، بالرغم من ما مر من أحداث ومتغيرات. لكن لا بدّ من تجديد مفردات الخطاب الفلسطيني، وأدوات التواصل مع الشعوب العربية، في ظلّ تغير المشهد السياسي والاجتماعي. فالقضية حية، لكنها بحاجة إلى من يُعيد ربطها بهموم المواطن العربي اليومية لتستعيد موقعها في الصدارة.
أما في ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل؛ فيُظهر "مؤشر 2024-2025" أن 87% من المستجيبين يرفضون اعتراف بلدانهم بإسرائيل، ما يدلل على رفض شعبي واسع للتطبيع، ويلاحظ أن نسبة مؤيدي الاعتراف بإسرائيل قد انخفضت مقارنةً بمؤشر 2022‑2023، إذ كانت 84%، ويلاحظ أن مؤشر 2022 يرتفع درجتين مقارنة بنتائج مؤشر 2019-2020، وهذا يعني أنه رغم توقيع اتّفاقيات التطبيع الرسمية يزداد الموقف الشعبي العربي رفضًا للاعتراف بإسرائيل، ما يعني أن هناك افتراقًا كبيرًا بين المواقف الرسمية العربية والمواقف الشعبية.
أما في ما يتعلق بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة فذكر المستجيبون أنّهم كانوا يتعاملون مع الحرب على غزّة ولبنان على أنّه أمر يمسهم مسًا مباشرًا، حيث أفاد 87% أنّهم يشعرون بضغط نفسي بسبب الحرب على غزّة ولبنان، وهو ما يُظهر تعاطفًا واسعًا مع الفلسطينيين، ويؤكّد أن الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزّة قد عززت حضور القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي العربي.
وأظهرت نتائج "المؤشر العربي 2024-2025" أن الرأي العام العربي متوافق بما يقارب الإجماع، وبنسبة 84% على أن سياسات إسرائيل تهدد أمن المنطقة العربية واستقرارها.
ومن فلسطين في الوعي والوجدان الشعبي العربي إلى قطاع غزّة الذي كان حاضرًا في "المؤشر العربي 2024-2025"، فإنّ النسب المئوية التي خلص إليها المؤشر هي بمثابة دق للخزان لصناع القرار الفلسطيني، ففي السؤال عن الأوضاع الإنسانية التّي عاشها سكان قطاع غزّة خلال الحرب؛ أفاد 93% من المستجيبين إنّهم نزحوا من بيوتهم إلى أماكن أخرى مرّةً أو أكثر خلال فترة الحرب. وقال 48% من المستجيبين إنّهم يعيشون في منزل مكتمل أو متضرر، في حين قال 24% إنّهم يعيشون في خيام، و13% في مبان عامة، مستشفيات ومراكز إيواء.
لا بدّ من تجديد مفردات الخطاب الفلسطيني، وأدوات التواصل مع الشعوب العربية، في ظلّ تغير المشهد السياسي والاجتماعي. فالقضية حية، لكنها بحاجة إلى من يُعيد ربطها بهموم المواطن العربي اليومية لتستعيد موقعها في الصدارة
كما ذكر 60,66 % من المستجيبين أنّه يوجد لديهم فراش للنوم، بينما قال 35,40% أنّه لا يتوفر لديهم أي غطاء أو فراش للنوم، وعبر 64,89% عن عدم وجود الكهرباء والأنترنت وانعدام الأدوية. وأشار ما نسبته 90% من المستجيبين إلى أنّهم كانوا في حاجة إلى أدوية أو مستلزمات طبية لهم، أو لأحد أفراد أسرتهم خلال فترة الحرب، ولم يجدوها، في حين أبدى 85% أنّهم أو أحد أفراد أسرتهم عانوا من الجوع مرّات عدّة خلال الحرب. وقال 81% إنّهم أو أحد أفراد أسرتهم لم يجدوا مياهًا للشرب مرّات عدّة خلال الحرب.
المؤلم المسكوت عنه أن ما بين 46,57% من المستجيبين كانوا شاهدين، الكاتب منهم، على حالات اضطروا فيها إلى الرجاء من أجل الحصول على طعام أو ماء. كما كنت أتمنى لو التقط "المؤشر العربي 2024-2025" سؤال المستجيبين في قطاع غزّة عن قضية التهجير، موقفهم منها ورأيهم فيها، على غرار استطلاعه لموقفهم وحالهم مع النزوح داخل قطاع غزّة.
ختامًا إن قراءة "المؤشر العربي 2024-2025" ودلالات ما جاء فيه تؤكّد أنّ القضية الفلسطينية ما زالت تحتل موقعًا متقدمًا في الوعي الشعبي العربي، وقد حافظت على حضورها في دورات سابقة عدّة من المؤشر، وما زال الشارع العربي ينظر إلى القضية الفلسطينية على اعتبارها قضية العرب جميعًا، كما أنّ الشعوب العربية ترفض التطبيع بالإجماع.